شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل الربيع الأوروبي قادم، حين تتحول أزمة المعيشة إلى أزمة حكم

هل الربيع الأوروبي قادم، حين تتحول أزمة المعيشة إلى أزمة حكم

قد تنجو حكومة أوروبية من حجب الثقة، وتعجز عن إقناع موظف بأن أجره يكفي لاستئجار بيت، هنا تبدأ الأزمة، حين يبقى النظام قادرًا على إنتاج الحكومات وتتراجع قدرته على إنتاج الطمأنينة، والخطر ليس بالضرورة ثورة تطيح بالديمقراطية، بل تداولًا يبدل الوجوه ويترك شروط العيش على حالها، حتى يسأل الناخب، لماذا أصوت .القارة ليست كتلة اقتصادية واحدة، واحتجاجاتها لا تثبت دخولها كسادًا، لكن السكن يكشف فجوة بين امتلاك الأصول والعيش من العمل، فبحسب يوروستات، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد ٦٣٫٦٪ بين ٢٠١٥ والربع الثالث من ٢٠٢٥، وفي البرتغال ١٦٩٪، وهذه أسعار شراء لا إيجارات، وفي شاهد منفصل، تتلقى الباحثة كارولينا كروز منحة شهرية تقارب ١٣٠٠ يورو، وتدفع مع شريكها ٧١٦ يورو إيجارًا قد يتجاوز ١٢٠٠ عند التجديد .ولا يعني انخفاض التضخم انتهاء الغلاء، بل تباطؤ ارتفاع الأسعار، لذلك قد تتحسن المؤشرات دون استعادة القدرة الشرائية المفقودة، وتتفاوت التجربة بين مالك ومستأجر، وبين متقاعد وعامل شاب، وهنا تصبح الأزمة سياسية، لأن المتوسط الاقتصادي قد يخفي توزيعًا للأعباء يجعل بعض الفئات تشعر بأن الاستقرار الذي تعلنه الحكومة لا يشملها .وتقدم المالية العامة خلفية للقرار، بلغ عجز منطقة اليورو ٢٫٩٪ من الناتج عام ٢٠٢٥، ودينها ٨٧٫٨٪، وفق يوروستات، وحققت اليونان فائضًا رغم دين بلغ ١٤٦٫١٪، بينما سجلت فرنسا عجزًا قدره ٥٫١٪، لا تثبت المقارنة تفوق عامل واحد، فهامش الحركة تحدده علاقة الدين بالنمو والإيرادات وكلفة التمويل وآجاله وأولويات الإنفاق، وهذه بيانات سابقة لا تقيس شدة الأزمة الحالية .وتضيق الخيارات حين يتباطأ النشاط وتضعف الإيرادات وتتسع مطالب الدعم، ومع إعادة التمويل بفائدة أعلى قد تزاحم خدمة الدين المدارس والمستشفيات والاستثمار، والتقشف قد يحسن الحسابات ويضعف الطلب، بينما تختلف آثار الضرائب بحسب تصميمها، لذلك ليست المعضلة اختيار الإنفاق أو الانضباط مجردين، بل تحديد إنفاق منتج وتمويل مستدام وتوزيع يمكن الدفاع عن عدالته .وفي السكن، قد ترفع المساعدات الطلب دون تخفيف الكلفة إذا بقي المعروض مقيدًا، والمطلوب ربط الدعم بتوسيع البناء وتسريع التراخيص والنقل، مع حماية المستهدفين خلال التنفيذ، أما الأجور فتحتاج مسارًا يعوض تآكل القدرة الشرائية دون تجاهل الإنتاجية وقدرة الشركات والموازنة، فالوعود غير الممولة قد تؤجل الغضب وتزيد خيبة الأمل عندما يحين موعد تحمل كلفتها .وتكشف الاحتجاجات اختلاف الأزمات، ففي فرنسا تتقاطع مطالب التعليم والمعيشة، وفي إيطاليا معارضة الحروب والغلاء، وفي بلجيكا تحركات طلابية، وفي البرتغال وإسبانيا احتجاجات السكن، أما ألبانيا فتشهد مطالب برحيل إيدي راما، وتحولت حركة المحاسبة الصربية إلى منافسة انتخابية، وتظهر تعبئة نقابية بألمانيا وبريطانيا، لا يوحد هذه الساحات تنظيم واحد، ولا يثبت تزامنها انتقالًا ثوريًا مشتركًا . وتوضح بيانات الثقة أهمية الشعور بالتأثير، أظهر مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المنشور عام ٢٠٢٤، ببيانات ٢٠٢٣ عبر ثلاثين دولة، ثقة مرتفعة أو متوسطة الارتفاع بالحكومات لدى ٣٩٪، وبلغت ٦٩٪ بين من يشعرون بامتلاك صوت سياسي، مقابل ٢٢٪ لدى غيرهم، هذه خلفية غير أوروبية حصرًا، وليست قياسًا لاحتجاجات اليوم، والارتباط لا يثبت السببية أو قبول الاستبداد . تاريخيًا، انتُخب لويس نابليون رئيسًا للجمهورية الفرنسية الثانية عام ١٨٤٨، ثم انقلب على مؤسساتها عام ١٨٥١، تختلف الضمانات الحالية، لكن التفويض الانتخابي لا يحمي الديمقراطية وحده، وقد يستثمر اليسار الغضب ببرنامج اجتماعي، أو اليمين القومي بتحويله إلى معركة هوية وهجرة، أو قوى مدنية بالمحاسبة، وهي احتمالات مشروطة، وقد تنتج معاقبة الحاكم ائتلافات ضعيفة بدل بديل قادر . أرجح تبدلات حكومية وإصلاحات متفاوتة أكثر من انهيار الأنظمة، ويتحدد المسار باستمرار التعبئة واتساعها واستجابة قابلة للقياس، أما الشلل فقد ينتقل خارجيًا، فالعقوبات الأوروبية تتطلب الإجماع ويمكن لخلاف وطني تعطيل موقف مشترك، لذلك يبدأ نفوذ أوروبا من تماسكها الداخلي، والربيع المحتمل لن تحسمه كثافة الحشود، بل قدرة الديمقراطية على جعل تغيير الحكومة طريقًا لتغيير الحياة، قبل أن يتحول الإحباط إلى رفض قواعدها .

المصدر: عمون