"بيجر" داخل صناديق العتاد واحتمال سقوط إيرانيين.. روايات متضاربة عن انفجار القناة الغامض
بغداد/ تميم الحسن
تحذيرات من هجمات شبيهة بـ”البيجر” اللبناني، واحتمال سقوط إيرانيين في هجوم غامض على مقر تابع للحشد الشعبي شرقي بغداد.
تقول الرواية الرسمية إن الانفجار سببه “داخلي”، وإنه لم يسجل هجوم على الموقع. لكن هذه الرواية تختلف عما تقوله الفصائل، وكتلة هادي العامري، زعيم منظمة بدر.
وبحسب الرواية الأولى، تسبب الحادث بإصابة 5 أشخاص. لكن معلومات أخرى تشير إلى أن العدد أكبر، وسط تعتيم على التفاصيل.
جاء الهجوم في توقيت حساس، إذ كانت الفصائل تحتفل لتوها بما اعتبرته نصراً، بعد 5 أشهر من منعها من الحصول على مناصب في الحكومة.
ويقول محللون إن إسرائيل ربما حصلت على “ضوء أخضر” لقصف 1000 موقع، بينها مواقع تابعة للفصائل، في التوقيت نفسه.
انفجار في المكان الخطأ
في الـ6 من مساء السبت، دوى انفجار داخل مقر تابع للحشد الشعبي في منطقة صدر القناة، قرب مستشفى سعد الوتري، شرقي بغداد.
لم يكن الموقع، بحسب وصف مصادر مطلعة، قاعدة عسكرية تقليدية، بل مقراً لـ”أمن الحشد”، وهي جهة تؤدي وظائف استخبارية، ويفترض ألا تكون مخازن العتاد جزءاً من طبيعة عملها.
هذه النقطة تحديداً بدت أساسية لفهم ما حدث. فإذا كان المكان مخصصاً للعمل الأمني والاستخباري، فلماذا انفجرت فيه أكداس من العتاد؟
وهل كان الانفجار حادثاً داخلياً، كما تقول السلطات، أم أن ما جرى كان استهدافاً لمقر يضم مواد أو معدات لا تظهر في الرواية الرسمية؟
قدمت 3 جهات تابعة للفصائل تفسيرات مختلفة للحادث. تحدثت إحداها عن احتمال استخدام طائرات مسيّرة، فيما لم تستبعد أخرى أن يكون الانفجار ناجماً عن خلل في العتاد نفسه، وهي فرضية تقترب من الرواية الرسمية.
لكن نائباً قريباً من الفصائل، طلب عدم نشر اسمه، قال لـ(المدى) إنه متأكد من أن “الهجوم حصل بطائرة مسيّرة”. وفي قراءته، لا يتعلق الأمر بانفجار عرضي، بل بمحاولة “القضاء على الحشد الشعبي”.
يرى النائب أن ما جرى لا يتعارض بالضرورة مع ما بدا موافقة أميركية على تولي الفصائل مناصب رفيعة في الحكومة العراقية.
فالمناصب، في اعتقاده، لا تعني أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافق فعلاً على هذا المسار. ويذهب إلى احتمال أن يكون بعض أعضاء إدارة ترامب قد حصلوا على “رشاوى”، من دون أن يمنع ذلك توجيه ضربات عسكرية إلى الفصائل.
جاء الانفجار بعد يوم واحد من تعيين ليث الخزعلي، شقيق قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، نائباً لرئيس الوزراء. والأخوان مدرجان على قوائم الإرهاب الأميركية.
وفي التوسعة الحكومية الأخيرة، حصل أبو آلاء الولائي، زعيم كتائب سيد الشهداء المطلوب أميركياً، للمرة الأولى على وزارة السياحة.
تلك التعيينات جاءت بعد أشهر من التعثر في تشكيل الحكومة، وفي وقت كانت فيه واشنطن تضغط على الفصائل المرتبطة بإيران.
ووفق تحليلات متداولة، ربما منحت الولايات المتحدة ضوءاً أخضر لدخول بعض هذه القوى إلى الحكومة مقابل تعهدات بوقف الهجمات، وانتظار إعلان التخلي عن السلاح. وبمعنى آخر، ربما منحت الفصائل مهلة حتى الصيف المقبل.
لكن النائب القريب منها يرفض الاعتراف بأن ما جرى يمثل فرصة أميركية ممنوحة لها. ويقول إن الخطة تستهدف الآن العتاد والسلاح، نافياً أن يكون الانفجار قد تسبب بسقوط قتلى، ومشيراً إلى أن الهدف كان العتاد نفسه.
ويتقاطع هذا التفسير مع موقف النائب عن كتلة بدر، كريم عليوي المحمداوي، الذي قال، تعليقاً على الحادث، إن “الاستهداف المتكرر للحشد الشعبي من قبل الأميركان يعد جريمة”.
واعتبر المحمداوي أن ما جرى يمثل انتهاكاً للاتفاقية العراقية - الأميركية التي خرجت القوات الدولية من العراق على أساسها. في المقابل، أعلنت هيئة الحشد الشعبي السيطرة على حريق ناجم عن انفجار كدس أعتدة تالفة داخل أحد مقراتها شرقي بغداد. وقالت إن 5 من منتسبيها أُصيبوا بجروح طفيفة، وإن لجان التحقيق باشرت عملها لمعرفة ملابسات الحادث.
ووجه رئيس الوزراء علي الزيدي بتشكيل لجنة تحقيقية للوقوف على أسباب الانفجار.
“البيجر” داخل صناديق العتاد
مصدر آخر في فصيل مسلح يروي قصة مختلفة. فهو لا يرجح فرضية الطائرة المسيّرة، ويقول إن شهود العيان لم يسمعوا صوت مسيّرة قبل الانفجار.
وبحسب المصدر، ربما وضعت أجهزة داخل صناديق العتاد تعمل على التفجير عن بعد.
وهي فرضية تعيد إلى الأذهان تفجيرات أجهزة “البيجر” في لبنان قبل عامين، عندما انفجرت أجهزة اتصال يستخدمها عناصر حزب الله، ما تسبب بمقتل وإصابة أكثر من 10 من عناصره.
لا يقدم المصدر هذه الفرضية بوصفها حقيقة مثبتة، لكنه يشير إلى حوادث سابقة انفجرت فيها صناديق عتاد من دون سبب واضح، ويقول إن احتمال احتوائها على أجهزة تفجير عن بعد طُرح في فترات سابقة.
مع ذلك، تظل هناك فجوة في هذه الرواية: لماذا توجد أكداس عتاد داخل مقر أمني لا يفترض أن يكون مستودعاً عسكرياً؟
مصادر أمنية تقول إن الموقع المستهدف ليس من اختصاصه الاحتفاظ بأكداس أعتدة منتهية الصلاحية، لأنه مقر لأمن الحشد.
لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن معدات عسكرية جديدة دخلت المستودع في الأسبوع السابق للانفجار، وكانت قادمة من إيران.
وتقول المصادر إن المعلومات الميدانية تشير إلى إصابة أكثر من 20 عنصراً من أمن الحشد، فضلاً عن أشخاص آخرين لم تتضح هوياتهم.
وتضيف أن إجراءات مشددة رافقت نقل المصابين بسيارات الإسعاف التابعة لطبابة الحشد الشعبي، ما أثار احتمال وجود إيرانيين بينهم، من دون أن تقدم دليلاً قاطعاً على ذلك.
أما المؤشرات الأولية للأدلة الجنائية، فتشير، وفق المعلومات التي نقلتها المصادر، إلى أن الانفجار ربما نتج عن سقوط مقذوف على موقع المستودع، ما تسبب في احتراقه وحدوث الانفجار الرئيسي.
وتقول المصادر إن تداول هذه المعلومات منع بأمر من مكتب رئيس أركان الحشد، وإن تشكيل لجنة تحقيق في الحادث جاء وسط إجراءات مشددة حول تفاصيله.
رواية أخرى: لا مبرر للقصف
في مقابل هذه الشكوك، يميل الفريق العسكري المتقاعد جبار الياور إلى تصديق الرواية الرسمية، أو على الأقل إلى عدم اعتبار الانفجار دليلاً كافياً على هجوم خارجي.
ويقول الياور لـ(المدى) إن بعض الفصائل وافقت على نزع السلاح، وإن الأيام الأخيرة لم تشهد تسجيل هجمات على السعودية أو الكويت أو الأردن، أو على المصالح الأميركية، أو حتى على إقليم كردستان.
وبالنسبة إليه، فإن توقف هذه الأنشطة لا يقدم مبرراً لشن قصف أميركي على مواقع الحشد.
ويستند الياور إلى سوابق شهدت انفجارات داخل مواقع تابعة للحشد، موضحاً أن مثل هذه الحوادث قد تنتج عن سوء التخزين، أو حدوث تماس بين المواد المخزونة، أو وجود عتاد تالف، أو حتى تخريب داخلي، مثل افتعال حريق. وقال: “إن التحقيق الفني سيحسم الأمر”. غير أن تاريخ هذه المواقع لا يسمح دائماً بإغلاق التحقيق عند فرضية الحوادث الداخلية.
فقد سجلت انفجارات سابقة تحت عنوان “خطأ في التخزين”، قبل أن تظهر لاحقاً مؤشرات على أن بعض الضربات كانت إسرائيلية، وذلك قبل أن تبدأ إسرائيل والولايات المتحدة، خلال العامين الأخيرين، بشن هجمات معلنة ضد فصائل مسلحة.
معركة تتجاوز المستودع
بالنسبة إلى النائب مختار الموسوي، فإن الضغط على الحشد لا يجري عبر المسار العسكري وحده. فهو يعتقد أن خطة القضاء على الحشد تسلك أكثر من طريق، وأن قانون الحشد الشعبي، الذي قد يكون قريباً من التصويت في البرلمان، مدفوع من الولايات المتحدة.
ويقول الموسوي لـ(المدى) إن القانون يسحب معظم الصلاحيات من الحشد، وسيحول منتسبيه، على حد وصفه، إلى ما يشبه العراقيين المنتمين إلى شبكة الحماية الاجتماعية.
وحتى إذا ثبت أن الانفجار ناجم عن هجوم خارجي، فإن الموسوي يستبعد قدرة الحكومة العراقية على اتخاذ أي قرار بشأنه. ولا تبدو هذه المخاوف منفصلة عن سابقة حدثت في تموز الماضي، عندما قصفت السعودية مقرات للحشد الشعبي، وأعلنت واشنطن أن العملية جرت بالتنسيق معها. يومها، لم يصدر عن بغداد أي رد فعل، رغم مطالبات الفصائل بالرد.
وجاء القصف بعد أيام من عودة الزيدي من واشنطن، حيث حظي بإشادة ودعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
“ضوء أخضر” أميركي
لكن غازي فيصل، رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، لا يرى أن تحسن العلاقات بين بغداد وواشنطن يمنع احتمال وقوع هجوم خارجي.
ويقول لـ(المدى) إن العلاقات الجديدة بين البلدين، واحتفاء إدارة ترامب بزيارة الزيدي خلال الصيف الأخير، لا يستبعدان أن يكون ما حدث في مقر الحشد نتيجة استهداف من الخارج.
ويضيف أن الإدارة الأميركية لا تزال في حالة حرب مع إيران وحلفائها من الفصائل المسلحة في العراق، خصوصاً القوى التي تستمر في إعلان عدائها واستهدافها للمصالح الأميركية في العراق والمنطقة رغم الانسحاب النهائي للقوات الأميركية من العراق.
ويستند فيصل إلى ما تداولته وكالات أنباء وصحافة إسرائيلية بشأن وجود تفويض أميركي، أو “ضوء أخضر”، لقصف مواقع ومقرات الفصائل التي تعلن عداءها لواشنطن وتواصل التهديد باستهداف مصالحها.
ويتحدث عن أكثر من 1000 هدف محتمل لإسرائيل، تشمل مقرات القيادة والسيطرة، ومراكز الدعم اللوجستي، ومصانع الأسلحة، و12 قاعدة منتشرة في مواقع مختلفة داخل العراق، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني الذي يوجد، بحسب وصفه، بصفة مستشارين في هذه القواعد.
ويرى فيصل أن هذه المواقع قد تكون أهدافاً لإسرائيل والولايات المتحدة في الحرب المستمرة مع إيران وحلفائها، وأن نهاية المواجهة قد ترتبط باتفاق بين طهران وواشنطن، أو بقبول إيران الشروط الأميركية كاملة.
لكنه لا يجزم بأن إسرائيل تقف وراء انفجار صدر القناة. ويترك احتمالين مفتوحين: أن يكون الحادث بداية لعمليات أوسع، أو أن يكون واقعة عارضة ناجمة عن سوء التخزين وتكدس العتاد الحربي، كما يحدث أحياناً في المستودعات.
The post "بيجر" داخل صناديق العتاد واحتمال سقوط إيرانيين.. روايات متضاربة عن انفجار القناة الغامض appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى