شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

12 عاماً على اجتياح داعش.. سنجار تفتح المقابر الجماعية وتنتظر عودة المفقودين

12 عاماً على اجتياح داعش.. سنجار تفتح المقابر الجماعية وتنتظر عودة المفقودين

سنجار/ سيزر جارو
بعد اثني عشر عاماً على اجتياح تنظيم داعش قضاء سنجار في آب 2014، لا يزال ملف المقابر الجماعية والمفقودين مفتوحاً، وسط انتظار مئات العائلات الإيزيدية معرفة مصير أبنائها أو تسلّم رفاتهم. وفي الأول من تشرين الأول الجاري، تسلّمت عائلات رفات 25 ضحية، بعد استكمال إجراءات التعرف إلى هوياتهم، في خطوة جديدة ضمن عمليات البحث والتوثيق المستمرة منذ سنوات، فيما لا تزال رفات نحو 530 شخصاً بانتظار تحديد هوياتها.
ويمتد ملف ضحايا داعش في سنجار إلى ما هو أبعد من تحديد الهويات وإعادة الرفات، إذ يرتبط باستكمال التحقيقات في الجرائم، وضمان حقوق العائلات، وتسريع التعويضات، ومعالجة آثار النزوح والدمار. وبينما تتواصل عمليات البحث والتعرف إلى الضحايا، تواجه جهود إعادة الإعمار وعودة السكان تحديات أمنية وإدارية واقتصادية تعرقل استعادة الحياة الطبيعية في المنطقة.
وضمت الدفعة الأخيرة رفات 25 ضحية من مناطق إيزيدية مختلفة، بينهم 17 من قرية كوجو، وأربعة من حردان، واثنان من تل بنات، وواحد من وردية، وآخر من بورك. وجرت مطابقة هوياتهم عبر فحوص الحمض النووي، بالاستناد إلى عينات مأخوذة من أقاربهم، قبل نقل الرفات وتسليمها إلى العائلات لدفنها وفق الطقوس الدينية الإيزيدية.
وبحسب منظمة «يزدا»، تمثل هذه الدفعة المرحلة التاسعة من عمليات إعادة رفات الضحايا الذين جرى التعرف إلى هوياتهم، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 321 ضحية، فيما لا تزال رفات نحو 530 شخصاً بانتظار استكمال إجراءات التعرف. وتكشف هذه الأرقام حجم العمل المتبقي في ملف المقابر الجماعية، رغم مرور أكثر من عقد على الجرائم التي ارتكبها التنظيم في سنجار.
وكانت رئاسة محكمة استئناف نينوى قد أعلنت، في أيلول الماضي، المصادقة على مستندات هوية 25 مفقوداً، بعد مطابقة نتائج الفحوص المختبرية مع عينات أقاربهم، تمهيداً لاستكمال الإجراءات المتعلقة بتسليم الرفات.
وقال رئيس الطب العدلي في الموصل، حمد إسماعيل، في حديث إلى «المدى»، إن الجهات المعنية تسلّمت رفات 25 ضحية من المجتمع الإيزيدي، مشيراً إلى أن تحديد مواقع الدفن غير المعلّمة جرى بمساعدة عائلات الضحايا وأهالي سنجار.
وتؤدي المعلومات التي يقدمها السكان المحليون دوراً مهماً في تحديد مواقع الدفن، إلى جانب عمل الفرق المختصة في التنقيب والفحص والتوثيق. غير أن التعرف إلى هويات الضحايا يمثل إحدى مراحل معالجة الملف، الذي يتطلب أيضاً استكمال التحقيقات بشأن ظروف القتل، وجمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات القانونية عن الجرائم المرتكبة.
ولا تزال عائلات إيزيدية تنتظر معرفة مصير أبنائها، في ظل تفاوت مراحل العمل بين المقابر التي جرى فتحها والمواقع التي تحتاج إلى مزيد من البحث، فضلاً عن الرفات التي لم تُستكمل إجراءات تحديد هوياتها. وبالنسبة إلى هذه العائلات، يتطلب إنهاء سنوات الانتظار الوصول إلى نتائج رسمية تتيح معرفة مصير المفقودين واستكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بهم.
وفي تصريح اطّلعت عليه «المدى»، دعا النائب الإيزيدي عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، مهما خليل، الحكومة الاتحادية إلى تكثيف الجهود اللازمة لاستعادة رفات الضحايا وتعويض عائلاتهم، في وقت تتزايد فيه المطالبات بتسريع الإجراءات المتعلقة بالمفقودين وضمان الحقوق القانونية والمالية لذويهم.
وتشمل هذه المطالب تسريع عمليات التعرف إلى الضحايا، وتوفير الوثائق الرسمية، واستكمال معاملات الوفاة والإرث، وضمان حصول المتضررين على التعويضات المستحقة. كما تبرز الحاجة إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي للناجين وأقارب المفقودين، الذين لا يزال بعضهم يواجه آثار الفقد والنزوح المستمرة منذ سنوات.
وقال أحد أقارب المفقودين الإيزيديين، في شهادة لـ«المدى»: «لا تنتظر العائلة معرفة مكان الدفن فقط، بل تريد أن تعرف ما الذي حدث، وأن تحصل على وثيقة رسمية تنهي سنوات من الغموض. إعادة الرفات مهمة، لكنها لا تعني أن معاناة بقية العائلات انتهت».
وتعكس هذه الشهادة جانباً من المعاناة التي تواجه أسر المفقودين، إذ يرتبط انتظارها بمعرفة المصير والحصول على اعتراف رسمي بما حدث، إلى جانب ضمان الحقوق القانونية. كما تثير تساؤلات بشأن المدة اللازمة لاستكمال عمليات البحث، وآليات متابعة الملفات التي لم تصل إلى نتائج نهائية، ومدى إمكانية إطلاع العائلات على مراحل تقدم العمل فيها.
وبالتوازي مع ملف المفقودين، تواجه سنجار تحديات تتعلق بعودة النازحين وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية واستعادة الخدمات الأساسية. وتشمل هذه التحديات، إلى جانب الأضرار المادية، الحاجة إلى توفير الأمن وفرص العمل، ومعالجة التعقيدات الإدارية والأمنية التي تؤثر في استقرار المنطقة وإمكانية عودة سكانها.
وقال المتحدث باسم كتلة تحالف القضية الإيزيدية في مجلس النواب، سعيد شمو، في حديث إلى «المدى»، إن عمل اللجنة الحكومية المعنية بسنجار ينبغي أن يركز على التحديات غير الأمنية، وفي مقدمتها عودة النازحين، وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، ودعم الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وتشير هذه الأولويات إلى الحاجة لبرامج عملية لمعالجة آثار اجتياح داعش، تتيح للسكان استعادة مصادر رزقهم والعودة إلى منازلهم، إلى جانب الترتيبات الأمنية المطلوبة. كما تستدعي تنسيقاً بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان والجهات المحلية، وإشراك سكان سنجار في القرارات المتعلقة بمستقبل منطقتهم.
وفي آب الماضي، دعا نائب رئيس مجلس النواب، فرهاد الأتروشي، إلى مواصلة الجهود لكشف مصير المفقودين وتسريع إعادة إعمار سنجار وتأهيل بنيتها التحتية، بما يهيئ الظروف المناسبة لعودة النازحين بصورة آمنة وكريمة.
من جهته، قال الباحث في شؤون التعافي المحلي، رامي الحمداني، إن تقييم مستوى التعافي في سنجار ينبغي أن يشمل أعداد العائلات التي عادت واستقرت، ومدى حصولها على الخدمات وفرص العمل، إلى جانب أعداد المنازل التي أُعيد بناؤها.
وأضاف أن تقييم برامج الإعمار يحتاج إلى بيانات واضحة بشأن المشروعات المنجزة، والخدمات المتاحة، والتعويضات المدفوعة، وحركة عودة السكان، لافتاً إلى أن إعادة بناء المرافق لا تعني بالضرورة استعادة العائلات قدرتها على مواصلة حياتها الاقتصادية والاجتماعية.
ويجعل ذلك من عودة السكان واستقرارهم أحد المؤشرات الأساسية لقياس نتائج جهود التعافي، إلى جانب حجم الإنفاق على الإعمار وعدد المشروعات المنفذة. فاستعادة الاستقرار تتطلب توفير ظروف معيشية تسمح للعائلات بالبقاء في مناطقها، وتجنب انتقالها من مخيمات النزوح إلى مناطق تفتقر إلى الخدمات ومصادر الدخل.
وفي ملف المقابر الجماعية، تمثل إعادة رفات 25 ضحية إلى عائلاتهم تقدماً جديداً في مسار التعرف إلى المفقودين، لكنها تكشف أيضاً حجم العمل الذي لا يزال مطلوباً، في ظل وجود رفات لم تُحدد هوياتها، وعائلات تنتظر إجابات نهائية بشأن مصير أبنائها، وملفات تحتاج إلى استكمال إجراءاتها الجنائية والقضائية.
وشددت منظمة «يزدا» على استمرار الحاجة إلى تحديد هويات بقية الضحايا وإعادة رفاتهم إلى ذويهم، وهو ما يتطلب مواصلة عمليات التنقيب والفحص، وتوفير الإمكانات اللازمة للفرق المختصة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بالتوازي مع متابعة حقوق العائلات وتعويض المتضررين.
وبعد اثني عشر عاماً على اجتياح تنظيم داعش سنجار، لا يزال إغلاق ملف الإبادة مرتبطاً بثلاثة مسارات متداخلة، تتمثل في معرفة مصير المفقودين، واستكمال إجراءات العدالة والمساءلة، وتهيئة الظروف التي تسمح للسكان بالعودة والاستقرار. وتتطلب هذه المسارات معالجة متزامنة تضمن استمرار التحقيقات والمحاسبة، وإنصاف العائلات، وإعادة بناء المقومات الأساسية للحياة في المنطقة.
ومع كل دفعة جديدة من الرفات، تحصل عائلات إيزيدية على إجابات انتظرتها سنوات، بينما يستمر انتظار عائلات أخرى لم يُحسم مصير أبنائها حتى الآن. وبين عمليات البحث والتعرف إلى الضحايا، وجهود إعادة الإعمار وعودة النازحين، يبقى التحدي أمام المؤسسات المعنية في وضع مسار واضح لاستكمال الملفات العالقة، وضمان حقوق المتضررين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة سكان سنجار إلى حياة مستقرة.

The post 12 عاماً على اجتياح داعش.. سنجار تفتح المقابر الجماعية وتنتظر عودة المفقودين appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى