«الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمال الأخلاق».. الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان، الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق، موضحة أن الهدف المراد توصيله: تعزيز الوعي بأهمية الذوق العام، تجسيدًا لقيم الإسلام في احترام مشاعر الآخرين ومراعاة حقوقهم وخصوصياتهم، وسعيًا إلى بناء مجتمع راق تسوده المودة والاحترام، ويعبِّر عن أصالته وصدق انتمائه لوطنه. واوضحت وزارة الأوقاف إنَّ الإسلامَ دينٌ متكاملٌ، لم يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه من خلال الشعائر والعبادات، بل امتدَّ ليهذِّب أخلاقه، ويضبط سلوكه، وينظِّم علاقته بالناس والحياة من حوله، فكما اعتنى بالأصول الكبرى والقضايا العظيمة، لم يُغفل دقائق التصرفات وتفاصيل الحياة اليومية، وجعل للكلمة آدابًا، وللطريق حقوقًا، وللزيارة أصولًا، وللمجالس حرمةً، وللتعامل مع الآخرين ضوابطَ تحفظ كرامتهم وتصون مشاعرهم، ومن هنا تتجلَّى عظمة هذا الدين في أنه لا يفصل العبادة عن الأخلاق، ولا يجعل التدين حبيس الشعائر، بل يترجم الإيمان إلى سلوك يراه الناس في نظافة الإنسان، وحسن مظهره، وطيب حديثه، واحترامه للخصوصيات، وحرصه على ألا يؤذي أحدًا بقول أو فعل، وفي هذا الإطار يأتي الذوق العام بوصفه مظهرًا من مظاهر اكتمال التربية الإسلامية، وصورةً عمليةً لحسن الخلق. الذوق العام هو انعكاس لما استقر في نفس الإنسان من قيم الإيمان ومكارم الأخلاق؛ [القلم: ٤]، هو المنهج الذي ينبغي أن يهتدي به المسلم في تعامله مع الناس، فيحفظ كرامتهم، ويراعي مشاعرهم، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، وقد جعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسن الخلق من علامات الخيرية، فقال: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه البخاري]. قال القسطَلّاني: "حسن الخلق احتياز الفضائل واجتناب الرذائل" [إرشاد الساري]. ومن هنا، فإن الوعي بالذوق العام يبدأ من تربية النفس على الأدب والتواضع والرحمة، حتى يصبح السلوك المهذب طبيعةً راسخةً لا تكلُّفًا عابرًا، ويغدو احترام الآخرين تعبيرًا صادقًا عن إيمان صاحبه ونبل معدنه. الكلمة مرآة النفس، وبها يكشف الإنسا [الإسراء: ٥٣]. وكما وجّه القرآن وجّه الهدي النبوي إلى الكلمة الطيبة والقول الحسن، فعن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» [رواه البخاري]. وعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَأُحِبُّ الفَأْلَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» [رواه الترمذي]. [الفرقان: ٦٣] قال الفُضَيل بن عياض: "إِن جُهِلَ عَلَيهِ حَلُمَ، وَإِن أُسِيءَ إِلَيهِ أَحسَنَ، وَإِن حُرِمَ أَعطَى، وَإِن قُطِعَ وَصَلَ" [مكارم الأخلاق للخرائطي]، وكلها خصال تشير إلى ضبط النفس، وصون كرامة الإنسان، ومراقبة الله تعالى، وهي لا محالة ثمرة أخلاق راسخة. وعرَّف النبي صلى الله عليه وسلم المسلم بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [رواه النسائي وأحمد]. قال علي بن سلطان المُلّا الهروي: («مِنْ لِسَانِهِ»: أي: بالشتم، واللعن، والغيبة، والبهتان، والنميمة، والسعي إلى السلطان، وغير ذلك، «وَيَدِهِ»: بالضرب، والقتل، والهدم، والدفع، والكتابة بالباطل، ونحوها، وخُصَّا؛ لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما مثلاً، فهي استصلاح، وطلب للسلامة) وفي إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمارات المؤمن الحق يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ». وحسن الكلام كما يشمل اجتناب الألفاظ الفاحشة، يشمل كذلك اختيار العبارة اللائقة، ومراعاة المقام، والرفق عند النصيحة، والتماس الكلمات التي تصلح ولا تفسد، وتجمع ولا تفرق؛ ولهذا وضع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ميزانًا واضحًا للكلمة، فقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . قال شيخ الإسلام ابن حجر: "هذا من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير وإما شر، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال: فرضها، وندبها؛ فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يؤول إلى الشر، فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت" . فالذوق الرفيع أن يملك الإنسان لسانه عند الغضب، وألا يجعل اختلافه مع غيره ذريعةً إلى جرحه أو الانتقاص منه، وأن يدرك أن كلمةً طيبةً قد تترك في النفس أثرًا جميلًا، كما أن كلمةً قاسيةً قد تخلّف جرحًا لا تمحوه الاعتذارات بسهولة.
المصدر: اليوم السابع