فصل “الاقتصاد والصناعة”.. هل حان وقت إعادة توزيع الصلاحيات؟
أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 189 لعام 2026 القاضي بتعيين المهندس باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، ما يعني فصل وزارة الاقتصاد عن الصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، ويأتي ذلك الفصل بهدف منح كل قطاع مساحة أكبر للتخصص والمساءلة. زيادة عدد الوزارات يوجهنا نحو سؤال نحو الهيكل الحكومي والقدرة على إدارة التعافي الاقتصادي، وتحديد المسؤوليات، وتسريع القرارات، وقياس نتائجها على الإنتاج والاستثمار والتشغيل، وبين مؤيدي الفصل والداعين إلى الحفاظ على التكامل الإداري، تبرز ضرورة تقييم النموذج الحالي على أساس أدائه الفعلي، لا شكله التنظيمي وحده. البعض أكد أن سوريا تحتاج إلى وزارة اقتصاد مستقلة تتولى رسم السياسات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وتوسيع الأسواق أمام الصادرات السورية مقابل وزارة للصناعة والتجارة الداخلية تقود الإنتاج وتنظم الأسواق ولا سيما أن القطاع الصناعي يحتاج إلى ما يتجاوز إعادة فتح المصانع ومنح التراخيص، يحتاج الى التعافي التمييز بين المنشآت القابلة لإعادة التأهيل، وتلك التي تحتاج إلى إعادة هيكلة، والمشروعات التي تستحق استثمارات جديدة. هنا يتجاوز السؤال إعادة توزيع الاختصاصات الحكومية إلى مدى قدرة المؤسسات على تحويل الاستثمارات وإعادة تشغيل المنشآت إلى إنتاج قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. من دمج الوزارات إلى توزيع المسؤوليات.. جمع الهيكل السابق ملفات الاقتصاد والصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك تحت مظلة وزارة واحدة، بهدف تعزيز التنسيق وتجنب تكرار الوظائف والنفقات. لكن اختلاف طبيعة المهام يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الوزارة على منح كل ملف ما يحتاج إليه من اهتمام وصلاحيات وموارد. فالتخطيط الاقتصادي والتجارة الخارجية والاستثمار تتطلب تنسيقاً استراتيجياً مع مؤسسات متعددة، بينما تحتاج الصناعة إلى معالجة معوقات التمويل والطاقة والمواد الأولية، وتتطلب التجارة الداخلية رقابة مستمرة على الأسواق والمنافسة وجودة السلع وحماية المستهلك. فالمعيار هو وضوح الصلاحيات، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على تنفيذ السياسات ومحاسبة الجهات المسؤولة عن نتائجها. وفي إطار بحث الخيارات المطروحة، ناقشت «الوطن» آراء خبراء اقتصاديين وباحثين مختصين بالشأن الاقتصادي، للوقوف على وجهة نظرهم في إعادة تنظيم الاختصاصات الحكومية وفق نظرة تستند إلى طبيعة الاقتصاد السوري واحتياجاته، وتوازن بين التخصص المؤسسي وضرورة التنسيق بين السياسات الاقتصادية والإنتاج والأسواق. العلي: الفصل المشروط هو الخيار الأنسب! يرى الخبير الاقتصادي د. ياسين العلي في تصريح لـ”الوطن” أن الجمع بين الصناعة والتجارة الداخلية يمكن أن يربط الإنتاج باحتياجات السوق، شرط ألا تتحول حماية الصناعة إلى حماية للاحتكار أو تحميل المستهلك كلفة ضعف الكفاءة، ويدعو إلى تعزيز استقلالية أجهزة المنافسة والرقابة، وتحديد صلاحياتها قانونياً، وتوفير إجراءات تظل مستقلة، والإفصاح عن نتائج الرقابة. ويربط العلي الفصل المؤسسي بين وزارة الاقتصاد والصناعة والتجارة الداخلية جدواه بوضوح الصلاحيات وتكامل القرار الاقتصادي. ويعتبر أن التحدي السوري لا يقتصر على تحريك الاستثمار وإعادة تشغيل المنشآت، بل يشمل تحويل النشاط الاقتصادي إلى قيمة مضافة ودخل وفرص عمل وتنافسية مستدامة. فزيادة الإنتاج الزراعي، مثلاً، لا تكفي لتطوير الصناعات الغذائية من دون قدرات التصنيع والتخزين والنقل والتسويق، كما لا يحقق دعم المنتج المحلي أهدافه إذا تجاوزت تكلفته القدرة الشرائية للمستهلك. ويقترح العلي أن تتولى وزارة الاقتصاد رسم الإطار العام للسياسات الاستثمارية والتجارية، بينما تقود وزارة الصناعة والتجارة الداخلية السياسة الصناعية وتطوير الإنتاجية والمواصفات وتنظيم الأسواق. أما الملفات المشتركة، مثل التعرفة الجمركية والحوافز والاستيراد ومدخلات الإنتاج والطاقة، فتحتاج إلى آلية تنسيق ملزمة بإشراف الحكومة والوزراء، تستند إلى بيانات مشتركة وتحدد مسؤولية كل جهة ومواعيد اتخاذ القرار. ويشدد على أن استعادة النشاط الاقتصادي لا تعني بالضرورة استعادة الجدوى، ما لم تعمل حلقات التمويل والطاقة والمهارات وسلاسل التوريد والأسواق بصورة مترابطة. من يحسم تضارب الصلاحيات؟ يحذر الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية باسل كويفي في حديثه لـ”الوطن” من أن الفصل قد ينقل التعقيد الإداري من داخل الوزارة الواحدة إلى العلاقة بين وزارتين، إذا لم تُحدد الصلاحيات بدقة. ويوضح أن تراجع الصادرات، على سبيل المثال، قد يرتبط بصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو ضعف الجودة، وهي ملفات تتوزع مسؤولياتها بين جهات مختلفة. لذلك، فإن غياب التنسيق قد يجعل تحديد المسؤولية عن النتائج أكثر صعوبة. ويقترح كويفي إنشاء آليات تنسيق اقتصادي واضحة الصلاحيات، ورقمنة المعاملات، وتفويض الصلاحيات للحد من التأخير الإداري، إلى جانب تحديد مدد زمنية معلنة لإنجاز الإجراءات. كما يدعو إلى تطبيق الموافقة الافتراضية حصراً على المعاملات الإدارية المنخفضة المخاطر. ويتقاطع رأيه مع رؤية العلي بشأن ضرورة تكامل الوظائف الاقتصادية، مع تركيز أكبر على أدوات التنسيق والإصلاح الإداري التي تضمن تنفيذ السياسات. كلفة الفصل ومخاطر البيروقراطية يستلزم تقييم خيار الفصل احتساب كلفته المالية والإدارية، بما يشمل إعادة توزيع الموظفين والمقار والموازنات والأنظمة المعلوماتية، وتحديد الصلاحيات المشتركة بين الوزارتين. وفي المقابل، قد يتيح الفصل تخصيص الموارد وفق أولويات كل قطاع، ويعزز وضوح المسؤولية عن النتائج. لكن هذه المكاسب تظل احتمالات تحتاج إلى اختبار؛ فإذا أدى التغيير إلى تكرار المديريات أو زيادة الموافقات والوقت اللازم لإنجاز المعاملات، فقد ترتفع الكلفة الإدارية من دون تحسن ملموس في الأداء الاقتصادي. لذلك، يتطلب اتخاذ القرار مراجعة الهيكل الحالي، وتحديد مواطن تداخل الصلاحيات، وقياس مدد إنجاز المعاملات، ومقارنة كلفة التنسيق داخل وزارة واحدة بكلفته بين وزارتين مستقلتين. كيف يُقاس نجاح الهيكلة؟ يقترح العلي الفصل بين تقييم التغيير الإداري وقياس أثره الاقتصادي. ففي العام الأول، يمكن مراجعة كلفة الانتقال وسرعة اتخاذ القرار واستمرارية الخدمات ووضوح المسؤوليات. وعلى مدى ثلاث سنوات، يمكن قياس الأثر من خلال الاستثمارات التي دخلت التشغيل الفعلي، ونمو القيمة المضافة الصناعية، وإنتاجية العامل، وتنوع الصادرات، وفرص العمل المنتجة. الاختبار الحقيقي هو النتائج قد يوفر الدمج مرجعية إدارية موحدة ويحد من بعض نفقات التنسيق، لكنه قد يشتت الأولويات ويضعف وضوح المسؤولية. أما الفصل، فقد يعزز التخصص، لكنه يحتاج إلى آليات فعالة لتنسيق القرارات المشتركة، حتى لا تتحول الحدود الإدارية إلى عائق أمام الاستثمار والإنتاج. في حين يرى كويفي أن التقييم يشمل أيضاً تركز الأسواق وفوارق الأسعار عبر سلاسل التوريد وتكاليف التوزيع، إلى جانب الوقت اللازم لإنجاز معاملات الاستثمار والتراخيص الصناعية، ونسبة المنشآت التي استأنفت إنتاجها بصورة مستدامة. وتحتاج هذه المؤشرات إلى خط أساس واضح يسمح بمقارنة النتائج قبل التغيير وبعده، مع مراعاة العوامل الاقتصادية الأخرى التي قد تؤثر في الأداء. وفي سوريا، يتطلب حسم النقاش تقييم أداء الهيكل الحالي، وتحديد الصلاحيات التي تحتاج إلى تعديل، واحتساب كلفة كل خيار، وربط أي تغيير بمؤشرات قابلة للقياس. فنجاح الهيكلة لا يُقاس بعدد الوزارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى دخل وفرص عمل وقدرة تنافسية مستدامة.
المصدر: الوطن