قطر وفرنسا.. جسور ثقافية راسخة وشراكة مؤسسية متنامية
لم تعد العلاقات الثقافية بين دولة قطر والجمهورية الفرنسية محصورة في تبادل المعارض الفنية واستضافة الفعاليات، بل شهدت على مدى عقود تطورا متواصلا، لتتسع إلى شراكات مؤسسية تشمل المتاحف والتعليم العالي والبحث العلمي واللغة والنشر والإقامات الفنية والسينما، بما يجسد انتقال التعاون الثقافي بين البلدين من مبادرات وفعاليات موسمية إلى برامج مستدامة تقوم على تبادل المعرفة والخبرات. وتمتد العلاقات الثقافية بين دولة قطر والجمهورية الفرنسية إلى عقود سبقت إطلاق مبادرات الأعوام الثقافية والاتفاقيات المؤسسية الحديثة، وتطورت بالتوازي مع العلاقات الدبلوماسية التي بدأت عام 1972، لتشمل التعاون الفني والتعليمي والأكاديمي، وصولا إلى الشراكات في مجالات المتاحف والبحث العلمي والسينما والإقامات الفنية. وشكل توقيع اتفاق التعاون الثقافي بين البلدين في الدوحة عام 1977م محطة مبكرة في تنظيم هذا التواصل ضمن إطار رسمي، قبل أن تتوسع مجالات التعاون تدريجيا مع تطور المؤسسات الثقافية والتعليمية في قطر وفرنسا، ليتم في عام 2014 توقيع اتفاقية ثقافية شاملة بين البلدين في مجالات الثقافة والفنون والتراث والآثار والهندسة المعمارية وغيرها، وتمت المصادقة عليها في مارس 2019. وفي السنوات الأخيرة، انتقل هذا المسار إلى مرحلة أكثر شمولا، تجسدت في العام الثقافي "قطر-فرنسا 2020"، ثم في اتفاقيات الشراكة التي وقعت عام 2025، وشملت التدريب والمعارض والإعارات الفنية والبحث وإقامات الفنانين والإنتاج السينمائي. وشكل العام الثقافي «قطر-فرنسا 2020» محطة بارزة في هذا المسار؛ إذ أتاح تنظيم معارض ومشروعات فنية وبرامج تعليمية في الدوحة وباريس، وعزز حضور الفنانين والمؤسسات الثقافية لدى الجانبين، وتواصل هذا التوجه مع توقيع ست اتفاقيات شراكة في أبريل 2025، شملت التدريب والمعارض والإعارات الفنية والبحث وإقامات الفنانين والتعاون السينمائي، بما يعزز الأطر المؤسسية للعلاقات الثقافية بين البلدين. وتستند هذه العلاقات إلى شبكة من المؤسسات، في مقدمتها وزارة الثقافة ومتاحف قطر ومؤسسة قطر والجامعات والمكتبات، إلى جانب المؤسسات الفرنسية المعنية بالفنون والتراث والتعليم. كما يمتد التعاون إلى التعريف بالثقافة العربية في فرنسا، عبر المعارض والندوات والبرامج الفكرية، بما يجعل التبادل الثقافي مسارا متبادلا للتأثير والتفاعل. وشهد التعاون الثقافي دفعة جديدة مع تبادل الزيارات بين كبار المسؤولين عن الثقافة في البلدين، وكان آخرها بعد أن منحت الجمهورية الفرنسية في أبريل 2025، سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة، وسام الفنون والآداب الفرنسي برتبة "قائد"، وهي أعلى درجات هذا الوسام المرموق. كما تم توقيع ست اتفاقيات شراكة بين وزارة الثقافة الفرنسية ومتاحف قطر ومؤسسات ثقافية من البلدين، تناولت مجالات التدريب وتبادل المقتنيات والمعارض والبحث وإقامات الفنانين وورش التربية الفنية والتعاون السينمائي. وتكتسب هذه الاتفاقيات أهميتها من توسيع نطاق التعاون، بحيث لا يقتصر على استضافة المعارض والفعاليات، بل يشمل تبادل الخبرات المهنية والمعرفية، وتطوير مشروعات مشتركة تستفيد من إمكانات المتاحف والمراكز الفنية والجامعات والمؤسسات البحثية. وشكل العام الثقافي «قطر-فرنسا 2020»، وهو النسخة التاسعة من برنامج «سنوات الثقافة» الذي أطلقته متاحف قطر، إحدى أبرز محطات التعاون بين البلدين. وجمع البرنامج بين المعارض الفنية والمهرجانات والتصميم والأدب والسينما والموسيقى والأنشطة التعليمية، بمشاركة مؤسسات قطرية وفرنسية؛ بهدف تعزيز التفاهم المتبادل والتعريف بالثقافتين. ومن أبرز فعالياته معرض «عالمنا يحترق»، الذي استضافه قصر طوكيو في باريس من 21 فبراير إلى 13 سبتمبر 2020، بالتعاون مع «متحف: المتحف العربي للفن الحديث» في الدوحة، كما استضافت مطافئ مقر الفنانين معرض «استوديوهات بيكاسو» من يوليو إلى نوفمبر 2020 في الدوحة، بالتعاون مع المتحف الوطني بيكاسو في باريس. وضم المعرض 108 أعمال من مقتنيات المتحف الفرنسي، شملت اللوحات والمنحوتات والرسومات والمطبوعات والخزفيات. وامتد البرنامج إلى التصميم والأدب، بمشاركة مصممين قطريين ناشئين من جامعة فرجينيا كومنولث بقطر في معرض «ميزون إيه أوبجيه» للتصميم في باريس، إلى جانب حضور الأدب الفرنسي في معرض الدوحة الدولي للكتاب، الذي استضاف فرنسا ضيف شرف في دورته الثلاثين. وعلى الرغم من التحديات التي فرضتها جائحة كورونا كوفيد-19، انتقلت أنشطة إلى المنصات الرقمية، بينما استمرت مشروعات أخرى وفق الترتيبات المتاحة. كما امتدت بعض ثمار العام الثقافي إلى السنوات التالية؛ ففي عام 2022، كشف عن مشروع «نسيج أوبوسون»، الذي جمع الفنانة القطرية بثينة المفتاح بمؤسسة أوبوسون الفرنسية المتخصصة في النسيج، في تجربة التقت فيها الممارسة الفنية المعاصرة بإرث حرفي فرنسي عريق.ويبرز التعاون بين المؤسسات الثقافية القطرية والفرنسية من خلال مبادرات مشتركة تجمع بين البحث والحوار الثقافي، واستضافة الفعاليات الأدبية والفنية، وتبادل الأعمال الفنية، إلى جانب دعم المواهب والإنتاج الإبداعي، وإتاحة فضاءات للنقاش حول القضايا الثقافية والإنسانية المشتركة. وفي هذا السياق، نظمت وزارة الثقافة نسخة دولية من "موسم الندوات" في باريس، 12 أكتوبر 2025، بالشراكة مع معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومثقفين قطريين وفرنسيين وعرب. وتناولت هذه النسخة مستقبل الحوار الثقافي العربي الأوروبي، وحضور الثقافة العربية في العواصم الأوروبية، ودور اللغة العربية والترجمة في تعزيز التواصل بين الثقافات، إلى جانب أهمية احترام تعدد الهويات واللغات وتطوير مقاربات عملية للحوار الحضاري. ويمثل التعاون بين مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية والمعهد الفرنسي في قطر، والذي جسدته مذكرة تفاهم بين الجانبين، تم توقيعها في 29 سبتمبر الماضي، أحد مسارات تطوير العلاقات الثقافية والمعرفية، وتوسيع التعاون في مجالات البحث والحوار الفكري والتبادل الثقافي، وتعزيز التواصل بين الباحثين والأوساط الأكاديمية والفكرية والثقافية في البلدين والمنطقة. وخلال سبتمبر الماضي أيضا، أتاحت فعالية "حوارات قطر تبدع"، والتي جمعت سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيس مجلس أمناء متاحف قطر، وآن-كلير ليجندر، رئيس معهد العالم العربي في باريس، مساحة لمناقشة دور المؤسسات الثقافية والمتاحف والمعارض والشراكات الفنية في تعزيز التفاهم الدولي وبناء علاقات مستدامة بين المجتمعات. وفي إطار دور معهد العالم العربي في باريس لتعزيز التبادل الثقافي بين العالم العربي وفرنسا، عبر المبادرات الفنية والفكرية، سلط المعهد الضوء على الإبداع العربي، بإتاحة فرص التواصل بين الثقافات. ومن بين هذه المبادرات جائزة التصميم لمعهد العالم العربي، التي انطلقت دورتها الأولى عام 2023، لتكريم الإبداعات في التصميم والهندسة المعمارية والحرف اليدوية، ودعم المصممين والمهندسين المعماريين والعلامات التجارية الناشئة في الوطن العربي، وسجلت المصممتان القطريتان غالية ولولوة المهندي حضورا قطريا في هذه الجائزة لعام 2026، بعد تأهل مجموعة "سراب" إلى نهائيات جائزة الحرفية المعاصرة، وتم عرض هذه المجموعة ضمن المعرض المصاحب للجائزة، حيث تقدم "سراب" رؤية قطرية معاصرة للتصميم والحرفية والهوية الثقافية، تستلهم عناصرها من الموروث المعماري القطري والخليجي. ويمتد التعاون إلى الفعاليات الأدبية والفنية التي تستحضر التجارب الإبداعية العربية في سياقات معاصرة، ومن بينها فعالية "يوم الشعر"، التي نظمتها متاحف مشيرب والمعهد الفرنسي والسفارة الفرنسية في قطر، بالتعاون مع معهد العالم العربي ومركز بومبيدو الثقافي، خلال سبتمبر الماضي. واستحضرت الفعالية تجربة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش من خلال عرض الفيلم القصير "برتقالة من يافا"، للمخرج الفلسطيني محمد المغني، أعقبه نقاش شارك فيه فنانون وأكاديميون متخصصون في اللغة العربية والأدب والسينما، تناولوا خلاله تقاطعات الشعر والسينما في معالجة قضايا الهوية والوطن والمنفى والتهجير والانتماء، بما يبرز دور الفنون في حفظ الذاكرة الإنسانية وفتح مجالات للحوار حول التجارب المشتركة. ويشكل انتقال المؤلفات بين العربية والفرنسية أحد أوجه التواصل الثقافي بين البلدين، وهو ما تجسده الترجمة الفرنسية لكتاب "قطري على ضفاف السين.. الحوار الثقافي" لسعادة الدكتور ناصر بن حمد الحنزاب، مندوب دولة قطر الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" ورئيس المجلس التنفيذي للمنظمة. وصدر الكتاب باللغة الفرنسية بعنوان Un Qatari au bord de la Seine – Dialogue culturel، بترجمة خديجة التوكابري عن دار لارماتان الفرنسية، بعد صدوره باللغة العربية عن دار روزا للنشر. ويمثل التعاون المتحفي أحد مسارات التعاون الثقافي بين البلدين، ويتجلى ذلك في الاتفاقية الإطارية بين متاحف قطر والمؤسسة العامة لمتحف أورسيه ومتحف أورانجيري، التي وقعت في 20 أبريل الماضي، لإعارة لوحة "اليائس" Le Désespéré للفنان الفرنسي غوستاف كوربيه (1819-1877)، وذلك بمناسبة التكريم الرسمي لـ سيلفان أميك، رئيس متحفي أورسيه وأورانجيري. وتمتلك متاحف قطر هذه اللوحة، ويتم عرضها في متحف أورسيه حاليا، إلى حين افتتاح متحف مطاحن الفن في الدوحة، وهو متحف سيكرس لعرض مجموعة متاحف قطر من أعمال الفن الحديث والمعاصر، على أن تتنقل اللوحة لاحقا بين الدوحة وباريس، بعد فترة عرض أولية في متحف مطاحن الفن. وتتسع مجالات التعاون الثقافي لتشمل السينما، على نحو ما جسده متحف الفن الإسلامي، باستضافته خلال شهر يونيو الماضي، عرض الفيلم الوثائقي "داخل غزة" للمخرجة هيلين لام ترونغ، ويتناول الفيلم تجارب صحفيي وكالة الصحافة الفرنسية فرانس برس، الذين وجدوا أنفسهم داخل قطاع غزة خلال الأشهر الأولى من الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023، موثقا جوانب من حياتهم اليومية وعملهم الصحفي في ظروف استثنائية، بالاعتماد بصورة شبه حصرية على لقطات الوكالة، التي صور معظمها الصحفيون المشاركون في الفيلم. ويبرز التبادل الفني كذلك في البرامج التي تدعم الفنانين وتتيح التفاعل بين تجارب إبداعية متنوعة الجنسيات والتخصصات، ومنها معرض "بوابات متغيرة"، الذي نظمته متاحف قطر في "مطافئ مقر الفنانين"، خلال أكتوبر 2025، وتتويجا لأعمال النسخة التاسعة من برنامج الإقامة الفنية، وضم المعرض 15 فنانا من دول عربية وأجنبية، وعكست مشاركة الفنانة الفرنسية ألكسندرين غيران ضمن هذا التشكيل اتساع مساحة التفاعل الفني داخل المشهد الثقافي القطري-الفرنسي.
المصدر: وكالة الأنباء القطرية