شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

قوت الليبيين بيد تجار الأزمات وحكومة الدبيبة تُشاهد: قنطار الدقيق يقفز 100% والدينار يترنّح تحت وطأة إنفاق

قوت الليبيين بيد تجار الأزمات وحكومة الدبيبة تُشاهد: قنطار الدقيق يقفز 100% والدينار يترنّح تحت وطأة إنفاق

حين يصبح رغيف الخبز شاهدًا على فشل حكومة الدبيبة: كيف أدارت الحكومة منتهية الولاية أزمة الدقيق؟ في مشهد بات يتكرر كل صباح في شوارع ليبيا، يقف المواطن أمام فرنٍ يبحث عن رغيف خبز، لا لشيء إلا لأن قوته اليومي أصبح رهينة لسلسلة من القرارات التي لم تتخذ، والسياسات التي لم تُفعّل، والوعود التي لم تخرج من أدراج المكاتب. فحينما يتجاوز سعر قنطار الدقيق حاجز الـ380 دينارًا بعد أن كان لا يتجاوز 190 دينارًا في يناير الماضي، فإن الحديث لا يدور عن «اضطراب في السوق» كما تحاول بعض البيانات الرسمية أن توحي، بل عن فشلٍ هيكلي في إدارة أبسط مقومات الأمن الغذائي، بقدر ما هو فشل في إدارة المال العام نفسه. في عام 2022، وبضغط من وزير الاقتصاد آنذاك بحكومة الدبيبة منتهية الولاية محمد الحويج وافق مجلس الوزراء على إنشاء «الديوان الليبي للحبوب»، في خطوة بدت حينها وكأنها استجابة واعية لدرسٍ قاسٍ تعلمته ليبيا من أزمة سلاسل الإمداد العالمية إثر الحرب في أوكرانيا. كان الهدف المعلن واضحًا: بناء مخزون استراتيجي من القمح يكفي لعدة أشهر وتنظيم توريد الحبوب والحد من تقلبات الأسعار ودعم الإنتاج المحلي في الجنوب الليبي. غير أنّ هذا القرار الذي حمل الرقم 439 لسنة 2022، ظلّ حبيس الأدراج. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، لا يزال المواطن يدفع ثمن هذا التعطّل من جيبه بينما يتبخر المخزون الاستراتيجي الذي كان يُفترض أن يحمي رغيفه. وزير الاقتصاد السابق محمد الحويج نفسه خرج ليقول بمرارة إنه «اقترح إنشاء الديوان… وتم إصدار القرار إلا أنه لم يُفعل حتى الآن»، مضيفًا أن «الدبيبة لم يفعل هذه الآراء وهو صاحب القرار قانونًا». هذه الكلمات التي تحمل في طياتها اعترافًا ضمنيًا بغياب الإرادة السياسية، ليست مجرد تبرير لوزير سابق، بل هي وثيقة إدانة لسلطة اختارت أن تترك أهم ملف يمسّ حياة المواطن اليومية معلقًا، بينما تتسابق على إنفاق المليارات في أبوابٍ أخرى. يقدّم الاقتصاديون في ليبيا أرقامًا صادمة عن حجم الإنفاق العام. فوفقًا لتقديرات الخبير محمد درميش، تجاوز الإنفاق العام في عام 2025 حاجز 270 مليار دينار، استحوذت فيه المحروقات والطاقة على 108 مليارات (40%)، والمرتبات على 76 مليارًا (28%)، بينما ذهبت «التنمية وما في حكمها» إلى 54 مليارًا (20%). هذه الأرقام، حتى لو كانت تقديرية، تكشف حقيقة مرة: ليبيا لا تعاني من نقص الموارد، بل من خلل كارثي في إدارة هذه الموارد وتوجيهها. وفي قلب هذا الخلل يقف بند «المرتبات وما في حكمها» شاهدًا على هدرٍ منهجي. فبينما تؤكد تقارير مصرف ليبيا المركزي أن الإنفاق الفعلي على المرتبات تجاوز 73 مليار دينار في 2025، يشير المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم إلى أن «القيمة الحقيقية» للمرتبات المدفوعة عبر منظومة «راتبك لحظي» لا تتجاوز 10 مليارات دينار فقط.أين ذهب الفارق؟ الإجابة، بحسب الزقم، هي «استنزاف وإهدار» تحت مصروفات الباب الأول، وهو ما «يتسبب في إرهاق الاقتصاد الوطني، وضعف قيمة الدينار، والتضخم». هذه الأرقام لا تحتاج إلى كثير من التحليل لتُترجم إلى معاناة يومية. فالدينار الذي يترنّح، والاحتياطي الأجنبي الذي يُستنزف لتمويل استيراد سلعٍ كان يمكن إنتاج بعضها محليًا، والاعتمادات المستندية التي تُمنح وفق حساباتٍ لا علاقة لها بحاجة السوق الفعلية؛ كلها حلقات في سلسلة واحدة تبدأ من طاولة القرار وتنتهي عند فرنٍ في حيّ شعبي، حيث يقف المواطن عاجزًا أمام سعر رغيفٍ لم يعد في متناوله. الاحتياطي الاستراتيجي: وهمٌ اسمه «ثلاثة أشهر» في خضم الأزمة تظهر تصريحات متضاربة تعمّق من حالة الغموض. ففي حين تؤكد نقابة الخبازين أن «مخزون القمح الاستراتيجي يكفي لثلاثة أشهر قادمة على الأقل»، وتتهم «تجار الأزمات» بافتعال نقص الدقيق، يشير خبراء آخرون إلى أن الدولة «لا تمتلك مخزونًا استراتيجيًا للقمح» باستثناء ما تحتفظ به شركات المطاحن الخاصة، وهو مخزون لا يتوفر عنه أي كشف رسمي واضح. هذا التناقض ليس بريئًا. فحين تترك الدولة ملفًا حيويًا مثل الأمن الغذائي لتقديرات «تجار الأزمات» وشركات المطاحن، فإنها ببساطة تتنازل عن سيادتها الغذائية. والنتيجة أن قنطار الدقيق، الذي كان يُباع في السوق السوداء بـ190 دينارًا في يناير، أصبح اليوم يُباع علنًا بأكثر من 350 دينارًا، مع «توقعات بزيادات جديدة»، بحسب رئيس اللجنة العليا لمتابعة المخابز، علي بوعزة. بل الأدهى من ذلك أن الجهات المعنية، ورغم وجود اعتمادات مستندية لاستيراد الحبوب، «سمحت للمطاحن ببيع قنطار الدقيق بزيادة قدرها 90 دينارًا»، على أن يُحتسب هذا الدقيق ضمن «الدقيق المدعوم» المخصص للمواطنين. أي أن الدعم الذي يُفترض أنه يخفف العبء عن كاهل المواطن، تحوّل إلى آلية لضخ الأرباح في جيوب المطاحن والمضاربين، بينما يظل المواطن هو من يدفع الفاتورة في النهاية. في مواجهة هذا الانهيار يطرح خبراء الاقتصاد حلولًا تبدو بديهية: تشكيل «حكومة واحدة صغيرة وفعّالة» لا يتجاوز عدد وزرائها خمسة عشر وزيرًا، تُختار وفق معايير الكفاءة والنزاهة، وتخضع للمساءلة. حكومة تُوحّد الإنفاق العام، وتُخضع إيرادات النفط لرقابة صارمة، وتُراجع الاعتمادات المستندية لتوجهها نحو الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج، بدلًا من تمويل السلع الكمالية التي تستنزف النقد الأجنبي. لكن هذه الحلول، على وجاهتها تصطدم بحقيقة مرة: لا يمكن لحكومة أن تُطبّق إصلاحات حقيقية في ظل غياب الإرادة السياسية، وفي ظل استمرار المنظومة نفسها التي أنتجت الأزمة. فالحكومة المنتهية الولاية التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، لم تعد قادرة على تقديم أي شيء سوى البيانات المطمئنة التي لم يعد المواطن يثق بها. ففي حين يقول محافظ مصرف ليبيا المركزي إن «الضغط يجيب نتيجة» ويتوقع «ارتفاع إيرادات النفط»، يرى المواطن أن هذا «الارتفاع» لا يجد طريقه إلى جيبه أو إلى رغيف خبزه، بل يذهب إلى مزيد من الإنفاق «غير المنضبط» الذي وصفه تقرير المصرف المركزي نفسه بأنه «مزدوج». ما يحدث في ليبيا اليوم ليس أزمة دقيق، بل أزمة دولة. فحين تتحول أبسط السلع، مثل رغيف الخبز، إلى مؤشر على الفساد وسوء الإدارة، فإن الحديث عن «الإصلاح» يصبح عبثًا ما لم يبدأ من حيث انتهى الفساد: من رأس السلطة. المواطن الليبي الذي يقف اليوم في طوابير الخبز لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات، بل إلى قرارٍ واحد: أن يُفعّل «ديوان الحبوب»، وأن يُحاسب من عطّله، وأن يُعاد توجيه المال العام إلى حيث يجب أن يكون: في خدمة الإنسان، لا في خدمة استمرار المنظومة. وحتى ذلك الحين سيظل قنطار الدقيق، الذي يقترب من 400 دينار، شاهدًا صامتًا على أن الطبقة الحاكمة في طرابلس لم تتعلم بعد أن رغيف الخبز ليس مجرد سلعة، بل هو عقد اجتماعي مصغّر بين الدولة ومواطنيها. وحين يُخرق هذا العقد فإن الغضب الشعبي الذي بدأ يشتعل في غرب البلاد لن يهدأ بالبيانات، بل بقراراتٍ تُعيد للمواطن كرامته… ولرغيفه سعره.

المصدر: ليبيا أخبار