مصر 2030... محطة استمرارية الدولة
يفتح تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن عام 2030 يمثل نهاية حكمه، وأنه لن يسعى إلى تعديل الدستور للبقاء في السلطة، نقاشاً استراتيجياً يتجاوز مستقبل الرئاسة إلى قدرة الدولة المصرية على ضمان استمرارية مؤسساتها، وتجديد قياداتها، والحفاظ على استقرارها في بيئة إقليمية مضطربة.
فالقضية الأساسية ليست من سيخلف الرئيس الحالي وحسب، بل طبيعة الدولة التي ستنتقل إليها المسؤولية، وقدرتها على مواصلة إدارة التحديات الداخلية والخارجية دون أن يصبح انتقال السلطة مصدراً لعدم اليقين.
وتكتسب تصريحات الرئيس السيسي أهميتها من ارتباطها بإعلانه السعي إلى إعداد كوادر مؤهلة لتولي المسؤولية في مختلف مستويات الدولة، من رئاسة الحكومة والوزارات إلى المحافظات والمواقع التنفيذية، ويعكس هذا التوجّه إدراكاً لأهمية الاستعداد المبكر لتجديد القيادات، غير أن نجاحه يتطلب تجاوز التدريب الإداري إلى بناء قاعدة من الكفاءات السياسية والتنفيذية القادرة على اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وأولويات التنمية، فاستمرارية الدولة لا تعني استمرار السياسات جميعها دون مراجعة، بل امتلاك المؤسسات القدرة على تحديد ما ينبغي الحفاظ عليه وما يتطلب التطوير، ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي يتمثل في بناء منظومة حكم تستند إلى معايير واضحة لاختيار القيادات ومحاسبتها، مع ضمان أن يظلّ اختيار رئيس الجمهورية حقاً للمواطنين من خلال انتخابات تنافسية تحكمها القواعد الدستورية.
ولا يمكن فصل هذا الاستحقاق عن التحولات التي شهدتها مصر منذ عام 2013، حين أُطيح بحكم تنظيم الإخوان المسلمين عقب ثورة شعبية واسعة، فمنذ ذلك الحين، ظلّ التنظيم أحد مصادر التخريب، في ظلّ استمرار نشاطه من الخارج ومحاولات عناصره المتكررة استغلال الأزمات والتحريض على زعزعة الاستقرار، كما صارت مشروعات الدولة وسياساتها الاقتصادية والتنموية في مرمى حملات تشكيك متواصلة، استهدفت أحياناً نتائج المشروعات، وأحياناً دوافعها وجدواها. وفي هذا السياق، أتى التشكيك في تعهد الرئيس باحترام الدستور وإنهاء حكمه عام 2030 من جانب "الإخوان" وحلفائهم، فخسارة الجماعة الحكم عام 2013 لا تعني بالضرورة تخليها عن طموح العودة إلى السلطة، وانتهاء حكم الرئيس السيسي لن يعني تلقائياً انتهاء محاولات استغلال الأزمات وإضعاف الدولة، فخصومة الجماعة مع الواقع السياسي القائم تتجاوز الخلاف مع رئيس بعينه، وترتبط أيضاً برفض نتائج التحوّل الذي أطاح بمشروعها للحكم.
وتفرض البيئة الإقليمية بدورها ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد 2030. فالأزمات في السودان وليبيا وقطاع غزة، والتوترات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والخليج، وتحديات الأمن المائي، وضغوط الاقتصاد العالمي، تفرض على القيادة المقبلة امتلاك خبرة استراتيجية وقدرة على حماية المصالح المصرية واستقلال القرار الوطني، ومن هنا، ينبغي أن يشمل إعداد القيادات فهم التحوّلات الجيوسياسية، وإدارة العلاقات الدولية، والتعامل مع الأزمات المركبة، لا مجرد اكتساب المهارات الإدارية.
وعلى المستوى الداخلي، سيظلّ الأداء الاقتصادي والاجتماعي محدداً رئيسياً لاستقرار المرحلة المقبلة، فاستمرارية الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على مؤسساتها ومشروعاتها، بل أيضاً بتحسين مستويات المعيشة، وتوسيع فرص العمل، وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز الإنتاجية، كما يتطلب بناء الثقة إدارةً أكثر كفاءة للموارد العامة، وشفافية في تقييم السياسات، ومساءلة تسمح بتصحيح الأخطاء بدلاً من ترحيلها إلى الحكومات التالية. وبناءً على ذلك، ينبغي التعامل مع السنوات الباقية حتى عام 2030 باعتبارها فرصة لبناء شروط انتقال سياسي مستقر، لا مجرد فترة لإعداد أسماء محتملة لخلافة الرئيس، ويتطلب ذلك ترسيخ الالتزام الدستوري، وتهيئة بيئة تسمح بظهور بدائل مؤهلة، وضمان نزاهة المنافسة الانتخابية، وتطوير المؤسسات التي تمنع تركّز المسؤولية والقرار في يد فرد واحد.
وبدا من كلام الرئيس السيسي أخيراً وتأكيده أن المجتمع المصري قادر على فرز قادة "أفضل منه" ثقته بأن المعيار الاستراتيجي لنجاح المرحلة الراهنة ليس أن تترك القيادة وراءها من يشبهها، بل أن تترك دولة قادرة على الاستمرار والتكيّف والتجدّد، تحمي أمنها القومي، وتتيح لمواطنيها اختيار حكامهم ومحاسبتهم، ولا تجعل استقرارها رهينة لبقاء شخص أو رحيله، عندئذٍ فقط يصبح عام 2030 محطة للانتقال المؤسسي وتعزيز الدولة المصرية، وليس اختباراً لقدرتها على البقاء.
المصدر: النهار