قراءة في عقيدة نتنياهو ووثيقته المفاجئة قبل الانتخابات
هل يُسمح لسوريا أن تنهض ؟فقدت إيران موقعها السابق في سوريا، لكن ذلك لم يجعل دمشق أقل تعرضًا للتدخل الإسرائيلي، فنتنياهو يعترض أيضًا على توسع الحضور العسكري التركي فيها، ماذا يريد إذن من الدولة السورية، أن تضبط حدودها، أم أن تبقى عاجزة عن ضبط ما تفعله إسرائيل وراء تلك الحدود، بهذا السؤال يمكن قراءة وثيقته الأمنية، وموقع سوريا في المنطقة التي يتصورها .أصدر نتنياهو الوثيقة يوم الأحد، الثامن عشر من أكتوبر ٢٠٢٦، قبل تسعة أيام من الانتخابات، واختيار الموعد يصعب فصله عن حاجته إلى البقاء، فهو يقدم للناخب رواية تربط ما تحقق عسكريًا باستمراره في الحكم، ومن حق خصومه أن يسألوا عن مسؤوليته عن السابع من أكتوبر، لكنه يريد نقل النقاش إلى من يستطيع استكمال الحرب، وعلى أي أساس .في البيان الرسمي، تتقدم مهاجمة التهديدات ومنع تشكلها على الاحتواء والدفاع، مع تشديد على صناعة الذخائر والتفوق التكنولوجي وبناء التحالفات، بعض هذا قديم، فقد ضربت إسرائيل المفاعل العراقي عام ١٩٨١ والمنشأة السورية عام ٢٠٠٧، واحتفظت بمنطقة أمنية في جنوب لبنان حتى انسحابها عام ٢٠٠٠، لذلك لا تبدأ القصة بهذه الوثيقة، الأهم أنها تجمع أدوات مستخدمة وتطرحها نهجًا للمرحلة المقبلة .ولفهم ما يعنيه ذلك، تكفي العودة إلى كلامه عن غزة ولبنان في الإحاطة نفسها، ربط إعمار غزة بنزع سلاح حماس، وقال إن إسرائيل ستتولى المهمة إذا عجز الآخرون، وفي لبنان، رأى أن تفكيك حزب الله قد يفتح طريق السلام، لكنه أبقى لإسرائيل التدخل إذا لم يستطع الجيش اللبناني إزالة التهديد، في الحالتين تحتفظ حكومته لنفسها بتقدير كفاية ما يفعله الآخرون .هناك بالطبع فرق بين سلاح تنظيم مسلح وانتشار جيش دولة، ولا يجوز محوه لتسهيل الحجة، كما أن حماية المدنيين من الهجمات مطلب مشروع، لكن السؤال يبقى، من يقرر أن الترتيبات الأمنية نجحت، وهل توجد التزامات إسرائيلية مقابلة، من دون جواب، قد يتحول عجز المؤسسات المحلية إلى ذريعة لتجاوزها، فتزداد ضعفًا وتتعذر مطالبتها بمهام سُلبت صلاحيات تنفيذها .أما الخريطة التي عرضها، فأصلها بحث نشرته مؤسسة فريدريش إيبرت في مايو ٢٠٢٦، وأعده مارك ساكسر وماركوس شنايدر، وليست خريطة من إعداد مكتبه، تضع سوريا قرب تجمع تركيا والسعودية ومصر وباكستان، مقابل محور إيراني وشراكة إسرائيلية إماراتية، ولا يثبت عرضها اعتماد كل تصنيفاتها، لكنه يذكّر بأن خلافات المنطقة لا تختصرها المواجهة مع إيران، وأن شركاء واشنطن أنفسهم يتنافسون فيها .في سوريا يظهر هذا التنافس بوضوح، فقد تحدث نتنياهو عن منع توسع الوجود العسكري التركي، وقال إنه يأمل تجنب مواجهة مباشرة مع أنقرة، وهذا يعني أن إبعاد إيران لا يكفي وحده لتهدئة الجبهة، فالقوة التي تساعد دمشق على بناء جيشها قد تصبح موضع اعتراض إسرائيلي، حتى لو اختلفت مع طهران، وتصبح قدرة الدولة السورية نفسها موضوع النزاع، وهذا احتمال يستحق الاختبار .ولذلك شاهد محدد، ففي ٢٣ فبراير ٢٠٢٥، طالب نتنياهو، وفق رويترز، بإخلاء القنيطرة ودرعا والسويداء من قوات السلطة السورية الجديدة، لم يكن الطلب متعلقًا بإيران وحدها، بل بانتشار قوات دمشق داخل الأراضي السورية، لا يثبت ذلك خطة تقسيم، لكنه يوضح كيف يمكن إبقاء الدولة موحدة على الورق، مع فرض قيود على ممارستها سلطتها في جزء من بلادها .أقوى دفاع عن هذه السياسة أنها تمنع تكرار هجوم واسع وسط حدود مضطربة وجماعات مسلحة، ويستحق هذا التفسير مناقشة جدية، لكن اختباره يحتاج شروطًا معلنة للانسحاب ومراقبة مستقلة والتزامات متبادلة، كذلك فإن رفض نتنياهو الدولة الفلسطينية يحد مما تستطيع الشراكات الإقليمية إنجازه، فقد تتسع المصالح التجارية والعسكرية، وتبقى أسباب الاعتراض السياسي قائمة .بالنسبة إلى دمشق، يجب أن يقابل أي التزام أمني استرداد أرض وصلاحية واضحة للانتشار، أما السؤال الذي ستجيب عنه الأفعال، فهو هل تقبل إسرائيل جارًا قادرًا على حماية حدوده دون تهديدها، إذا بقي ضعف سوريا مبررًا للتدخل، وأصبح تعافيها مبررًا آخر، فلن تعرف المنطقة متى تنتهي الحرب، مهما تكررت إعلانات النصر .
المصدر: عمون