شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

كورنيش عين لمريسة «بنقضيها ضحك وهمس، حتى تغيب علينا الشمس...» من أغنية للمطربة طروب

كورنيش عين لمريسة «بنقضيها ضحك وهمس، حتى تغيب علينا الشمس...» من أغنية للمطربة طروب

ريتا الشيخ

نغنّي، نهرول، ونتمشّى، وكأنّنا على موعدٍ دائمٍ مع البحر وأمواجه. هكذا عوّدنا كورنيش عين المريسة أن نبدأ نهارنا بالحيوية والنشاط، وأن نترك خلفنا، ولو لبعض الوقت، ما يثقل أرواحنا من هموم الحياة. هنا، تتعانق ذكريات الطفولة مع تفاصيل الحاضر، ويصبح للمكان سحرٌ لا يبهت مهما ابتعدنا عنه أو طال غيابنا. لكلّ مغتربٍ حكايةٌ يحملها في قلبه، ولكلّ مقيمٍ صفحةٌ من يومياته يروي فيها تفاصيل صباحه، بين مشهدٍ صغيرٍ كالعصافير التي تتنقّل بين أشجار البلح، ومشهدٍ واسعٍ كالنوارس البيضاء التي تقف على أطراف الصخور، كأنّها تستمع إلى أشعارٍ من لوحات الشعراء، وتستلهم من زرقة البحر لوحةً ملوّنةً.
على هذا الكورنيش، يجمعنا الحبّ والصداقة، وتلتقي الوجوه وتتبادل الابتسامات، فيما تشاركنا السماء حكايات الطائرات الراحلة والقادمة. نتابعها بأعيننا، ونلوّح لها وكأنّنا نريد أن نقول للعالم: نحن هنا، على هذه الأرض، في هذا الوطن الصامد، الذي مهما أثقلته الحروب والجراح، لا يزال يحتفظ بنبض الحياة. وفي لحظات الشوق، يتساءل القلب بلهفةٍ: هل تروننا من فوق؟ هل تذكروننا؟ وهل ستعودون يوماً؟
وهنا، تقفز إلى ذاكرتي صورة سمر. هل تذكرون سمر، تلك الطفلة الصغيرة التي عرفت شوارع بيروت أكثر ممّا عرفت دفء البيت؟ عادت بعد الحرب لتكمل مسيرتها مع الحياة، تحمل تعب الليل والنهار، وتجمع ما تستطيع من قوتها اليومي، ثمّ تلجأ إلى ظلّ أشجار البلح، بحثاً عن قيلولةٍ قصيرةٍ، تغمض خلالها عينيها وتحلم بيومٍ قد يبدّل طفولتها المشرّدة بقوس قزح، ويمنحها شيئاً من الأمان الذي حُرمت منه.
لعلّ كورنيش عين المريسة، وجذع إحدى نخلاته، كانا بالنسبة إلى سمر ملاذاً آمناً، وربّما بيتاً موقّتاً احتضنها حين عجزت الجدران عن منحها الدفء. فليس كلّ بيتٍ جدراناً وسقفاً، وليس كلّ مأوى مكاناً ننام فيه؛ أحياناً، تكفي شجرةٌ في مكانٍ نحبّه لنشعر بأنّ لنا في هذا العالم زاويةً صغيرةً تخصّنا.
النهار غير الليل؛ فالشمس والقمر لا يلتقيان. أمّا على الكورنيش، فتلتقي الحكايات والوجوه والأسرار. هنا، نلقي إلى البحر ما يضيق به صدرنا، ونراقب الأمواج وهي تحمل كلماتنا بعيداً، كأنّها تعرف كيف تحفظ ما نعجز عن البوح به. هنا، نتحرّر من قيودنا، فنكتب حكايةً، أو نؤلّف لحناً، أو نستعيد شريطاً من حياتنا. ومن الصعب أن نعبر هذا المكان من دون أن نلتقي وجهاً مألوفاً، أو نتبادل تحيّةً مع شخصٍ لا نعرفه. فالكورنيش ليس ممرّاً بمحاذاة البحر فحسب، بل مساحةٌ تجمع الناس على اختلاف حكاياتهم، وتمنحهم شعوراً خفيّاً بأنّهم ينتمون إلى شيءٍ أكبر من يومهم العابر. ومهما مرّت السنوات، ستبقى الكلمات واللقاءات وضحكات الأطفال محفورةً في ذاكرة المقاعد، وستظلّ الأمواج شاهدةً على قصصٍ قيلت، وأخرى بقيت حبيسة القلوب.
وإذا انتبهتَ إلى الليل ومررتَ بعين المريسة، ستكتشف أنّها لا تنام. فسهر الليل فيها أطول من تعب النهار، وللمكان في العتمة حكاياتٌ أخرى لا يعرفها إلّا من جرّب الإصغاء إلى صمت البحر. أتأمّل أشجار البلح العالية، فألمح غراباً أسود ينقر حبّات البلح، فتسقط بعضها ناضجةً على الأرض. أركض مع صديقتي، ونتسابق بفرحٍ طفوليٍّ: مَن ستسبق الأخرى إلى التقاط حبّة البلح الأولى؟ وحين نصل إلى أسفل الشجرة، نفاجأ بكثرة الحبّات المتساقطة. نجمعها ونأكلها كما اعتدنا أن نأكل ثمار أشجار الضيعة، ببساطةٍ لا تعرف التكلّف، وبفرحٍ لا يحتاج إلى أسبابٍ كبيرةٍ.
وهناك، تحت النخلة، أجد سمر تبتسم لنا. تشاركنا حبّات البلح، وتلتقط لنا منها، وكأنّها عثرت على كنزٍ ثمينٍ لم تنتبه إلى وجوده من قبل. في تلك اللحظة، لم تعد حبّات البلح مجرّد ثمارٍ تساقطت من شجرة؛ صارت فرحاً صغيراً نتقاسمه، وذكرى تجمعنا، وجسراً خفيّاً بين طفولتين، لكلّ منهما حكايتها.
هكذا علّمتني عين المريسة أنّ الجمال لا يكمن دائماً في المشاهد الكبيرة، بل قد يختبئ في حبّة بلحٍ، أو ابتسامةٍ عابرةٍ، أو تحت ظلّ نخلةٍ، أو في لقاءٍ بسيطٍ يترك في القلب أثراً لا تمحوه الأيام. ولعلّ أجمل ما يمنحنا إيّاه هذا الكورنيش هو قدرته على جمعنا من جديد، مهما فرّقتنا المسافات، ومهما تغيّرت الوجوه والسنوات. فهنا، تحت أشجار البلح، وُلد سرٌّ صغيرٌ من أسرار الطفولة، سرٌّ لا يزال يعيش في الذاكرة، يهمس لي كلّما عدتُ إلى المكان: ستبقى أشجار البلح سرّنا الجميل في كورنيش عين المريسة.

المصدر: النهار