أين وصلت توغلات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري؟
منذ اليوم الأول لإسقاط نظام حكم بشار الأسد البائد في الـ8 من كانون الأول 2024، انقلب كيان الاحتلال الإسرائيلي على اتفاق فض الاشتباك الموقع بين دمشق وتل أبيب في عام 1974، بإعلانه انهيار ذلك الاتفاق الذي تم بموجبه إنشاء المنطقة العازلة في الجانب السوري المحاذية لخط فك الاشتباك والخاضعة للسيادة السورية. وبشكل سريع تطور الأمر في الجنوب السوري من الناحية العسكرية والأمنية، مع انتقال الاحتلال من عمليات الاعتداء عبر الغارات الجوية على مواقع ومنشآت سورية إلى سياسة التوغل والانتشار في المنطقة العازلة وتخطيها إلى بلدات وقرى ومناطق شرق تلك المنطقة، إلى سياسة التمركز الميداني في المنطقة العازلة، عبر إقامة قواعد ونقاط عسكرية متقدمة فيها وصل عددها حتى الآن إلى 11 نقطة تتوزع في داخل المنطقة وخارجها في الجهة الشرقية منها. حينها كانت حجة كيان الاحتلال المعلنة لإقامة هذه القواعد والنقاط وتوغلاته، أنها إجراء دفاعي “مؤقت” بهدف منع تسلل مسلحين مرتبطين بايران وميليشيا “حزب الله” اللبناني إلى داخل الجولان المحتل، لكن تصريحات مسؤولين في حكومة الاحتلال توالت فيما بعد وحتى الآن وأكدت عدم نية كيان الاحتلال بإزالة تلك القواعد وإنهاء انتشار جنوده في المنطقة العازلة، حيث قام بتطوير بنى تحتية لوجستية فيها، وعزز الانتشار في نقاط استراتيجية، ما يشير إلى نية الاحتلال بتحويل هذا الوجود إلى واقع طويل الأمد. ومع تلك التطورات باتت المنطقة العازلة محط اهتمام متزايد في الأوساط الدولية والإعلامية، فما هذه المنطقة؟ ما اتفاقية 1974؟ في حرب عام 1967، احتل كيان الاحتلال الإسرائيلي أغلبية هضبة الجولان الواقعة في أقصى جنوب غرب سوريا والبالغة مساحتها 1800 كيلو متر مربع، بما في ذلك مدينة القنيطرة، إلى جانب سفوح جبل الشيخ “جبل حرمون” الغربية إلى الشمال من الجولان. وفي حرب عام 1973، تقدمت القوات السورية في بعض المناطق في الجولان، خاصة في الأجزاء الجنوبية، لكن قوات الاحتلال شنت هجوماً مضاداً واستعادت السيطرة على المنطقة. وتوغلت القوات الإسرائيلية آنذاك في الجزء الشمالي من الجولان، واحتلت مناطق إضافية في العمق السوري لم تكن تحتلها قبل عام 1973، وقمة جبل الشيخ. في عام 1974، توصلت سوريا وكيان الاحتلال إلى اتفاقية هدنة عُرفت باسم “اتفاقية فض الاشتباك”، انسحب جيش الاحتلال بموجبها من كل المناطق التي احتلها في حرب 1973، إضافة إلى مناطق محدودة احتلها في عام 1967 تشمل مدينة القنيطرة. وتشير بيانات حكومية الى أن مساحة المنطقة المحتلة من الجولان تبلغ 1150 كيلومتراً مربعاً، وتشمل 137 قرية و112 مزرعة، إضافة إلى مدينتي القنيطرة وفيق، بينما وصل عدد المستوطنات الإسرائيلية في الجولان إلى 45 مستوطنة منتشرة على أنقاض القرى العربية السورية التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي. المنطقة العازلة بموجب اتفاقية الهدنة اتفق الطرفان السوري والإسرائيلي على إنشاء منطقة عازلة “منطقة فصل” بين الجزء الذي يحتله كيان الاحتلال الإسرائيلي من هضبة الجولان وبين سوريا، وتكون هذه المنطقة داخل الأراضي التي تخضع لسيطرة سوريا شرق خط وقف إطلاق النار (البنفسجي)، وعلى طول امتداد الخط من جبل الشيخ شمالاً وصولاً إلى الحدود بين سوريا والأردن جنوباً. وتولت سوريا الإدارة المدنية داخل المنطقة العازلة مع بقاء الجيش السوري السابق خارج حدودها. كما تضمنت الاتفاقية منطقة تمتد بالتساوي على جانبي الحدود، يكون حجم الوجود العسكري فيها محدوداً للطرفين وفق تفاهمات معينة. وتمتد المنطقة العازلة على طول 75 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب، وبعرض يتراوح بين 200 متر جنوب الجولان و10 كيلومترات في الوسط والشمال. قوة “أندوف” وتتمركز داخل المنطقة العازلة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، التي تتولى مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار بين الطرفين. وتم تشكيل تلك القوة – التي تتألف من نحو 1200 فرد، من 13 دولة – وفق قرار مجلس الأمن رقم 350 سنة 1974 في أعقاب توقيع اتفاقية فض الاشتباك، وحتى ذلك الحين. ووفق خريطة منشورة على موقع القوة الأممية، تضم المنطقة العازلة العديد من المناطق والبلدات والقرى أبرزها، جبل الشيخ الاستراتيجي (ارتفاعه 2814 متراً) في القسم الشمالي يليه جباثا الخشب، وأوفانيا، وطرنجة، ومن ثم القنيطرة، والحميدية، وبئر عجم، وبريقة والصمدانية الغربية والقحطانية في القطاع الأوسط، وصولاً إلى العشة والرفيد والأصبح في القطاع الجنوبي. القواعد والنقاط العسكرية الإسرائيلية الجديدة ومع التحول العسكري والأمني الذي شهده ومازال الجنوب السوري منذ كانون الأول 2024 عقب إسقاط النظام البائد، أقامت قوات الاحتلال الإسرائيلي 11 نقطة عسكرية في جنوب غرب سوريا، تمتد من قمة جبل الشيخ بريف دمشق الجنوبي الغربي وصولاً إلى حوض اليرموك بريف درعا الغربي، تقع أربع منها خارج المنطقة العازلة، فيما تنتشر البقية داخلها، ومن أبرز تلك القواعد: *قمة جبل الشيخ، تمثّل هذه القمة النقطة الأكثر أهمية في الانتشار العسكري الجديد للاحتلال الإسرائيلي، بحكم ارتفاعها وموقعها الجغرافي، الذي يوفر قدرة استثنائية على المراقبة والإنذار المبكر، إذ تشرف على مساحات واسعة من سوريا ولبنان والأردن. وقد عملت قوات الاحتلال الإسرائيلية على تحصين الموقع منذ اليوم الأول للسيطرة عليه، وأنشأت مرافق عسكرية دائمة، بما في ذلك مهابط للطائرات المروحية، في مؤشر واضح على نية ترسيخ وجود طويل الأمد، وذلك وفق ما ذكر “مركز سجل” (Sijil) وهو منصة إعلامية وبحثية سورية تهتم بنشر التقارير، والموجزات اليومية والأسبوعية، والتحليلات السياسية والموضوعية التي تخص الشأن السوري، بما في ذلك ملفات وقضايا الجولان السوري المحتل. *قاعدة التلول الحمر: تقع في ريف القنيطرة الشمالي وأقيمت خارج المنطقة العازلة، وكانت سابقاً نقطة تمركز للقوات الروسية بعد عام 2018. وتكتسب هذه النقطة أهمية استراتيجية كبيرة لوقوعها على الطريق الواصل بين قرى ريف القنيطرة الشمالي وقرى ريف دمشق الغربي في سفح جبل الشيخ. وهذه النقطة مزودة بآليات عسكرية ثقيلة، وتُستخدم نقطة انطلاق للتوغلات باتجاه بلدات وقرى حرفا وبيت جن ومزرعة بيت جن ودربل. *نقطة قرص النفل: وهي نقطة عسكرية تقع في ريف القنيطرة الشمالي، وتحتوي على مهبط للطائرات، يقع شمال غرب بلدة حضر في قرية عين التينة، ويطل على بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل. *قاعدة جباثا الخشب: أُنشئت داخل محمية طبيعية بعد تجريف نحو ثلثها، وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، وجرى توسيعها في حزيران وتشرين الأول العام 2025. ومن أجل إقامتها استولت قوات الاحتلال الإسرائيلي على نحو 8 آلاف دونم من أراضي الفلاحين الزراعية. وتُستخدم هذه القاعدة نقطة إشراف على ريف القنيطرة الشمالي نظراً لارتفاع موقعها، كما تؤدي دوراً تكتيكياً في تأمين التحرك العسكري، إذ تنطلق منها الدوريات العسكرية للتوغل في قرى جباثا الخشب وطرنجة وأوفانيا، إضافة إلى مزارع الأمل ومحيط بلدة خان أرنبة، التي تُعد المركز الاقتصادي لمحافظة القنيطرة. *قاعدة الحميدية: تعد من ابرز قواعد الاحتلال الإسرائيلي العسكرية في القطاع الأوسط من ريف القنيطرة، وتقع على بعد مئات الأمتار فقط من المركز الإداري لمحافظة القنيطرة (مدينة السلام)، وتنطلق منها الدوريات العسكرية المتوغلة في ريفي القنيطرة الشمالي والأوسط. وفي تموز 2025، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية 16 منزلاً في قرية الحميدية لتوسعة هذه النقطة، التي زُودت لاحقاً بمنظومة دفاع جوي، استُخدمت مرات عدة للتصدي للمسيّرات الإيرانية خلال المواجهة الأخيرة مع إيران. *نقطة القنيطرة المهدمة: تقع هذه النقطة في القطاع الأوسط من ريف القنيطرة وتستخدم مركزاً للعمليات والدوريات، وتقع في المدينة التي دمرها جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل انسحابه منها عام 1974 وتحديداً في مبنى العلاقات. *نقطة العدنانية: تقع هذه النقطة في ريف القنيطرة الأوسط وتشرف على سد المنطرة، أكبر سدود الجنوب السوري، الذي أصبح منطقة عسكرية مغلقة بعد توغل قوات الاحتلال في كانون الأول 2024، وتُعد مركزاً لانطلاق الدوريات باتجاه ريف القنيطرة الأوسط، ما يمنحها أهمية عسكرية واستراتيجية مرتبطة بالتحكم بالمياه. *قاعدة تل أحمر غربي: تقع في ريف القنيطرة الأوسط، ويعدّ التل موقعاً استراتيجياً للرصد العسكري، ومن أهم التلال الحاكمة في الجنوب السوري، إذ يشرف على مساحات واسعة من ريف القنيطرة وريف درعا الشمالي والغربي. ويوفّر هذا الموقع قدرة عالية على المراقبة والسيطرة النارية المحتملة. كما زُوّد الموقع بمنظومة دفاع جوي شاركت في اعتراض صواريخ ومسيّرات قادمة من إيران باتجاه الجولان المحتل. *قاعدة ثكنة الجزيرة: تقع في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، وقد كانت ثكنة استراتيجية تابعة لقوات نظام الأسد المخلوع، وتقع في منطقة حيوية غنية بالمياه والأراضي الزراعية بالقرب من نهر اليرموك. وتتيح هذه القاعدة السيطرة على واحدة من أهم المناطق الزراعية في الجنوب السوري، كما تمنح الاحتلال نفوذاً مباشراً على الموارد المائية، إلى جانب استخدامها نقطة انطلاق للتوغلات في قرى حوض اليرموك المحاذية لشريط فض الاشتباك. وتطالب الحكومة السورية على نحو مستمر بانسحاب إسرائيل كلياً من النقاط التي أنشأتها والمناطق التي انتشرت فيها منذ الثامن من كانون الأول 2024، والعودة إلى تطبيق اتفاقية عام 1974، سواء من خلال جولات التفاوض بوساطة أميركية، أم عبر المطالب التي يقدمها مندوب سوريا في مجلس الأمن. غير أن المؤشرات الميدانية، المتمثلة في استمرار التوغلات الإسرائيلية شِبه اليومية واعتقال المدنيين وبناء التحصينات، إلى جانب التصريحات الإسرائيلية الرسمية، تعكس، حسب الباحث في “مركز جسور للدراسات” محمد سليمان، “احتمال استمرار هذا الوجود لفترة غير محددة”. وقال سليمان في تقرير له نشره المركز في آب الماضي: “تبدو احتمالات الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القواعد التي أنشأتها في سوريا ضعيفة في المدى القريب، وخاصة مع استمرار بناء التحصينات والبنية التحتية. أما التوسّع وزيادة عدد القواعد، فلا يُتوقع أن يحدثا إلا عبر تعزيز المواقع القائمة أو إضافة نقاط جديدة إذا شعرت إسرائيل بوجود تهديد، أو أرادت زيادة الضغط على الحكومة السورية. ومع ذلك لا يبدو أن هناك توجُّهاً حالياً نحو توسُّع كبير، بالنظر إلى ما قد يترتب عليه من تكاليف، بقدر ما تتجه إسرائيل إلى ترسيخ سيطرتها على شبكة القواعد الحالية وتعزيز قدراتها”. وفي تقرير له قال “مركز سجل”: “في ظاهر الأمر، قُدِّم التوغل الإسرائيلي على أنه إجراء دفاعي مؤقّت يهدف إلى حماية الحدود ومنع تسلل التهديدات في ظل حالة الفوضى الأمنية. إلا أن التطوّرات اللاحقة على الأرض، من إنشاء قواعد عسكرية ثابتة، وتطوير بنى تحتية لوجستية، وتعزيز الانتشار في نقاط استراتيجية، تشير بوضوح إلى تحوّل هذا الوجود إلى واقع طويل الأمد يتجاوز بكثير منطق “الإجراء المؤقت”. أسرة التحرير
المصدر: الوطن