بيت المدى يحتفي بمئوية نجيب المانع أحد رواد الحداثة في العراق
بغداد / المدى
أقام بيت المدى للثقافة والفنون جلسة لتكريم ذكرى الكاتب والمترجم الراحل نجيب المانع بمناسبة مرور مئة عام على ولادته.. الفعالية شارك بها عدد من الأساتذة والنقاد الذين سلطوا الضوء على تجربة المانع الذي يُعد من أبرز رواد الحداثة الأدبية والفكرية في العراق. وقدمها د. باسم صالح الذي قرأ السيرة الذاتية للمحتفى به:
وُلد نجيب المانع في بلدة الزبير في محافظة البصرة، كان أكثر أهالي بلدة الزبير من أصول نجدية، وكذلك كان نجيب المانع، غادرَ نجيب بلدةَ الزبير إلى البصرة ثم بغداد، ولم يسكن الزبيرَ بعدئذٍ غيرَ أنه وصفها فقال «الزبير بلدة صحراوية، لكن قلوب أهلها منعمة بلطافة الشعور، وكانت الجريمة فيها معدومة تقريباً»، درس الابتدائية في مدرسة النجاة الأهلية في الزبير، وهي ابتدائية بالاسم فقط، أما المواد التي تُدرّس فيها فهي تتجاوز أعمار الصبية بسنين كثيرة... كانوا يدرسون أدق قضايا النحو العربي، ويتبحرون في الشعر وأوزانه وتفعيلاته، ويمارسون المحاسبة التجارية، ثم درس بثانوية العشار وكان معه هناك بدر شاكر السياب، ثم درس في كلية الحقوق بجامعة بغداد سنة 1947، تعلّم نجيب مبادئ الفرنسية من مقيم تونسي في بغداد اسمه علي الحمامي، ثم أتمّ نجيب تعلّم الفرنسية بجهوده الفردية، وكان يشتري في صغره في الزبير بقايا كتب أجنبية أدبية تراثية وأسطوانات موسيقية أجنبية كان يبيعها ضباط وجنود قاعدة الشعيبة التابعة للجيش البريطاني المحتل حينئذٍ، فاكتسب نجيب المانع اللغةَ الإنكليزيةَ الفصيحةَ من قراءته لكبار كتاب الأدب الإنكليزي.
بدأ شغفه بالموسيقى منذ أن كان في الزبير، وصفت أخته سميرة المانع ذلك الشغف فقالت «يريد من أهله أن يستمعوا معه إلى الموسيقى الكلاسيكية، أنْ يشاركوه حبه وهواياته الجديدة». عمل رئيساً لهيئة الترجمة في وزارة الثقافة العراقية، ورئيساً لجمعية المترجمين، ومحرراً في جريدة الشرق الأوسط من لندن.
بلغَ عدد ترجمات نجيب المانع ثلاثين كتاباً، منها: ترجمة رواية «غاتسبي العظيم»، وترجمة كتاب «دوستويفسكي» لمؤلفه رينيه ويليك. وصفَ نجيب تأثره بدوستويفسكي فقال: «دوستويفسكي إعصار من عواطف، بركان يغلي فيه الحريق والتدمير، ولكن كما يحدث مع بعض البراكين فإن حممها التي تحرق الأخضر واليابس تتحول بعد زمن ما إلى مواد تخصب الأرض إخصاباً عجيباً، أية وسوسات وصرخات وهمهمات أقضت مضجعي ونغصت عليَّ النوم أطلقتها حروف هذا الكاتب الذي صافحني بيدٍ دامية واستضافني على طعام قوامه إحدى رئتيه، لعل كثيرين قرأوا دوستويفسكي فلم يحطمهم كما حطمني ولم يغير مجرى دمائهم كما غير مجرى دمي، والأمر يعود إلى الاستعداد الأصلي لكل قارئ ولكل متقبل». ترجمة كتاب «بيتهوفن: دراسة في تطوره».
أول المتحدثين كان الناقد فاضل ثامر الذي قال: نقف اليوم للاحتفاء بمئوية الأديب نجيب المانع، وهي مصادفة أن تكون الأوساط الثقافية في العراق سبقت ذلك بالاحتفاء بمئوية عدد من الأدباء نظمها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. نجيب المانع يُعتبر من الأسماء المرموقة في الأدب العراقي المعاصر، وأضاف: «لقد أغنى المكتبة الأدبية برصيد مهم من الكتب، والمعالجات الثقافية المتنوعة، جعلت من الصعب تجاهله وإهماله». وأشار الأستاذ ثامر إلى البيئة الثقافية والاجتماعية التي عاش بها المانع، وتحديداً مدينة البصرة وبالذات مدينة الزبير، إذ تعلم فيها القراءة والكتابة قبل أن ينتقل إلى البصرة ثم إلى بغداد. وأضاف أن تعلمه الإنكليزية كان من الكتاب الإنكليز الذين قرأ لهم، وأيضاً تعلم الموسيقى التي شغف بها حتى صار مرجعاً. ثم قدم أ. ثامر قراءة متفحصة لرواية «تماس المدن» للمانع.
ثم تحدث المترجم أ. بسام البزاز عن الترجمة التي كان أ. نجيب المانع متبحراً بها، وقال: إن أستاذنا فاضل ثامر قدم مشكوراً قراءة مستفيضة عن نجيب المانع كمترجم، وأشار إلى أن نجيب المانع عندما يُذكر اسمه يحضر أمامنا الفنان والموسيقي والروائي وأيضاً المترجم. وطريقة تعلمه اللغات وخاصة الفرنسية والإنكليزية التي تعلمها من خلال اطلاعه على ثقافة هذه الشعوب.
أما الناقد علي حسن الفواز فقال: إنَّ نحتفي باسمٍ كبيرٍ وفاعلٍ ثقافيٍ مهمٍ في تاريخ العراق الحديث، والكثيرون لم يعرفوا عن نجيب المانع وأثره في المشهد الأدبي والثقافي، وأشار إلى أنَّ هذا الغياب والتناسي لمثقفٍ كبيرٍ مثل نجيب المانع بحاجةٍ إلى إضاءة النقاط التي تتعلق بتشكلات المشهد الثقافي منذ نهاية الأربعينيات لغاية 2003، ويتساءل الفواز ما الذي حدث وكيف تتشكل الظواهر الثقافية؟ فحينما نتحدث عن الريادة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ معها هوسٌ ثقافيٌ للتجديد في مجالاتٍ متعددةٍ في مجال الرواية والترجمة والقصة وباقي الفنون. وأشار إلى أننا يمكن أن نقول بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية كانت هناك هزةٌ ثقافيةٌ كبيرةٌ في كل العالم.
بعدها شارك الناقد محمد جبير في الحديث، قائلاً: إذا حضر الماء بطل التيمم، فبداية الحديث في هذه الجلسة عن الأديب والمترجم والموسيقي نجيب المانع، كانت من نصيب أستاذنا فاضل ثامر الذي غطى في حديثه كل تفاصيل منجز المانع، وأضاف أنه يبدأ حديثه عن نجيب المانع بهذه الابتسامة التي تعلو وجهه في الصورة التي خلفي، وهي نفس الابتسامة وهو على كرسي الموت، حسب ما نقله أديبنا صلاح نيازي، وأشار إلى أن فترة السبعينيات كانت مرحلة ازدهارٍ شعريٍ وسرديٍ ونقديٍ، لذلك عندما ظهرت رواية تماس المدن عدَّها البعض روايةً غريبةً، أسلوبها وطريقة كتابتها.

The post بيت المدى يحتفي بمئوية نجيب المانع أحد رواد الحداثة في العراق appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى