بنعليلو يدعو لتكريس النزاهة في عالم الأعمال ويحذر من منطق الامتيازات
افتتحت الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر بالرباط، ندوة رفيعة المستوى حول “السلوك المسؤول للمقاولات في المغرب: رافعة استراتيجية للاستدامة والتنافسية”.
وُقّعت بالمناسبة، كما تابعت هسبريس، 5 مذكرات تفاهم بين “وكالة AMDIE” ومؤسسات عمومية وهيئات مهنية خاصة، استهدفَت “تعزيز التعاون بين الفاعلين العموميين والخواص، وإطلاق مبادرات مشتركة تضع الحكامة والنزاهة والاستدامة في صلب التحول الاقتصادي، خدمة للتنافسية وجاذبية الاستثمار”.
في كلمته الافتتاحية، ربط محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بين “النزاهة وقدرة المقاولة على النمو والاستمرار والانفتاح على الأسواق”، مستهلا مداخلته بالتساؤل حول “طبيعة النموذج الاقتصادي المنشود”، وعما إذا كان “النجاح سيكافِئ الجودة والابتكار أم إن الامتيازات والعلاقات ستظل قادرة على تعطيل قواعد الاستحقاق”.
وأوضح أن السلوك المسؤول لم يعد خيارا إضافيا بالنسبة للمقاولة، بل “أصبح جزءا من شروط استدامتها وتنافسيتها واندماجها الاقتصادي، وطنيا ودوليا”.

من الامتثال الشكلي إلى “الامتثال الفعلي”
شدد رئيس الهيئة على أن “النزاهة تتجاوز الاستيفاء الشكلي لمتطلبات الامتثال واعتماد المواثيق والمدونات. فهي، في تصوّره، “نمط في الحكامة ومنظومة للوقاية من المخاطر وثقافة مؤسساتية تُحضر الشفافية والمساءلة في مختلف مستويات التدبير”.
وأشار إلى “تناقض لا يستقيم”، بحسبه، هو “أن تعلن مقاولة التزامها بالنزاهة ثم تقيس نجاح مسؤوليها بالنتائج المالية وحدها، بغض النظر عن وسائل تحقيقها”.
وبحسبه، يبدأ المعنى العملي للسلوك المسؤول من صميم النشاط الاقتصادي: قرارات التعاقد، واختيار الوسطاء والموردين، وتدبير تضارب المصالح، واحترام الالتزامات الاجتماعية والبيئية.
كما ذكّر بأن الفساد لا يقتصر على المخاطر القانونية والجزائية؛ إذ يمس سمعة المقاولة وعلاقاتها التجارية وثقة المستثمرين والشركاء، ويضعف حوافز الابتكار والجودة. ولذلك، اعتبر النزاهة استثمارا في الثقة واستدامة النشاط.

مقاربة قائمة على المخاطر
ربط المتحدث هذه الرؤية بـ”المبادئ التوجيهية” لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن السلوك المسؤول للشركات، وبـ”تحديثاتِها لسنة 2023 في مجال العناية الواجبة”. وتشمل هذه المقاربة “مخاطر الفساد المرتبطة بأنشطة المقاولة وعلاقاتها التجارية وسلاسل القيمة التي تندمج فيها”.
ودعا بنعليلو المقاولات إلى “تحديد مواطن المخاطر مسبقا وفهم كيفية نشأتها، ثم اعتماد آليات للوقاية والرصد والمعالجة”، مشددا على أنه “ينبغي أن تتناسب هذه الأنظمة مع المخاطر الفعلية لكل مقاولة، بحسب نشاطها وقطاعها وبيئتها التنظيمية”.
وفي هذا الإطار، عدّد بنعليلو أدوات الرقابة الداخلية والقواعد الأخلاقية وبرامج الامتثال والتتبع المستمر للمخاطر، لكنه نبه إلى أن “كثرة الآليات لا تعوض ضعف الإرادة. وأضاف أن ميثاق الأخلاقيات يحقق غايته حين يصبح مرجعا في اتخاذ القرار”. أما آلية التبليغ، فتقوم فعاليتها على الثقة فيها وضمان السرية وحماية من يلجأ إليها بحسن نية، مع معالجة ما يرد عبرها بجدية واستقلالية وفي آجال معقولة. ودعا كذلك إلى انخراط معلن للهيئات القيادية والإدارة العليا.

دور البيئة المؤسساتية
في المقابل، أكد رئيس الهيئة أن المسؤولية لا تقع على عاتق المقاولة وحدها. فالسلطات العمومية والمؤسسات الوطنية مطالبة بتوفير بيئة أعمال شفافة وعادلة وموثوقة.
وأوضح أن المقاولة تحتاج إلى معرفة شروط الحصول على الترخيص ومعايير إسناد العقود وقواعد الاستفادة من الدعم وآجال اتخاذ القرار وسبل الاعتراض عليه. كما تحتاج إلى رقابة موضوعية ووسائل فعالة للتظلم.
ونبه المسؤول العمومي عينه إلى كون “غموض المساطر واتساع السلطة التقديرية دون ضمانات كافية يفتحان مجالا للمساومة. ومن ثم، يلتقي تحسين بيئة الأعمال مع الوقاية من الفساد في ورش واحد، قوامه وضوح القواعد واستقرارها وشفافية الإجراءات وتكافؤ الفرص”.
ودعا بنعليلو إلى “تطوير حوافز ومواكبة تجعل الاستثمار في النزاهة والامتثال خيارا عمليا ومستداما، يراعي تنوع المقاولات وقدراتها”.
“شراكة قبل الزجر”
شدد المتحدث على أن العلاقة بين القطاع العمومي وعالم الأعمال ينبغي أن تقوم على الشراكة في الوقاية وإنتاج الحلول المشتركة، قبل المراقبة والزجر. وذكّر بأن الهيئة تعتبر القطاع الخاص شريكا أساسيا في بناء المنظومة الوطنية للنزاهة.
وفي نظره، أصبح التكيف مع هذه المعايير شرطا للحفاظ على تنافسية المقاولة وولوج أسواق جديدة وجذب شركاء واستثمارات طويلة الأمد. وختم بأن الاختبار الحقيقي هو قدرة المقاولة الملتزمة على النجاح دون التنازل عن التزامها، لأن ضمان ذلك يعزز الاستثمار المنتج ويخلق فرص الشغل.
وبحسب ما استقته هسبريس، تُنظم الندوة في إطار برنامج المنظمة الإقليمي “السلوك المسؤول للمقاولات من أجل التنمية المستدامة: الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا”، الذي أُطلق في دجنبر 2023. وتتزامن مع الذكرى 15 لإحداث نقطة الاتصال الوطنية المغربية، والذكرى الخمسين للمبادئ التوجيهية للمنظمة، التي اعتُمدت لأول مرة سنة 1976.
وتلُمّ الندوة ممثلينَ عن المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمنظمات المهنية والنقابية والمجتمع المدني، إلى جانب منظمات دولية وشركاء في التنمية.

حصيلة نقطة الاتصال الوطنية
تتولى الوكالة رئاسة نقطة الاتصال الوطنية المغربية، التي أحدثت بعد انضمام المغرب سنة 2009 إلى إعلان المنظمة حول الاستثمار الدولي والمقاولات متعددة الجنسيات. وتضطلع النقطة بثلاث مهام: الترويج للمبادئ التوجيهية، ومعالجة الحالات المحددة بوصفها آلية انتصاف غير قضائية، والإسهام في انسجام السياسات العمومية في هذا المجال. ومنذ 2023، تشتغل وفق مقاربة ثلاثية تضم القطاعات الوزارية والمؤسسات الدستورية، وممثلي الباطرونا عبر الاتحاد العام لمقاولات المغرب، والنقابات الأكثر تمثيلية.
وتبرز حصيلة النقطة منذ 2024 جولة جهوية شملت سبع جهات، تخللتها سبع تظاهرات جهوية وثماني ورشات تكوينية. كما شاركت في 31 فعالية لترويج السلوك المسؤول للمقاولات.
خمس مذكرات تفاهم
بعد جلسة الافتتاح الرئيسية، شهد اللقاء توقيع خمس مذكرات تفاهم بين “AMDIE” وكل من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، وكذا مع كل من الاتحاد العام لمقاولات المغرب والجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة والفيدرالية الوطنية للصناعات الغذائية.
وتروم هذه الشراكات تعزيز التعاون بين الفاعلين العموميين والخواص، وإطلاق مبادرات مشتركة تضع الحكامة والنزاهة والاستدامة في صلب التحول الاقتصادي، خدمة للتنافسية وجاذبية الاستثمار.
The post بنعليلو يدعو لتكريس النزاهة في عالم الأعمال ويحذر من منطق الامتيازات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس