شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

إيران تحت الحصار والسعودية تحت النار.. حين ترتد حسابات الحرب على أصحابها

من المفارقات اللافتة في المشهد الإقليمي أن القوى التي راهنت على إخضاع إيران عبر الحصار الاقتصادي واستنزاف مواردها باتت تواجه بدورها أسئلة صعبة حول كلفة الحروب وانعكاساتها على مشاريعها الاقتصادية والاستراتيجية. فالحروب لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش في الميدان، وإنما أيضاً بما تتركه من أعباء مالية، وما تلحقه من أضرار بالاستثمار والتنمية، وما تفرضه من تحديات على مستقبل الدول.منذ سنوات، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات والضغط المالي والنفطي ضد إيران، انطلاقاً من رهان مفاده أن تدهور الأوضاع الاقتصادية سيضعف الدولة من الداخل ويدفعها إلى تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية. وكان المطلوب أن يؤدي الحصار إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني، وتقليص قدرته على تمويل سياساته، وصولاً إلى إخضاع طهران للإرادة الأمريكية.لكن التجارب أثبتت أن الضغط الاقتصادي، مهما بلغت قسوته، لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية المرجوة؛ فالدول المستهدفة قد تتكيف مع بعض القيود، وتبحث عن أسواق بديلة، وتعتمد سياسات اقتصادية مختلفة، وتواصل المواجهة رغم ارتفاع كُلفتها.ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الإيراني محصّن ضد الأزمات، أو أن العقوبات لا تؤثر في حياة المواطنين ومعيشتهم؛ فالأعباء الاقتصادية حقيقية، لكن إضعاف الاقتصاد لا يعني تلقائياً إخضاع الدولة، كما أن إلحاق الضرر بالخصم لا يضمن الانتصار عليه.واليوم، تبرز معادلة أخرى تستحق التوقف عندها: إذا كانت واشنطن قد راهنت على إنهاك إيران اقتصادياً، فماذا لو تحولت المواجهة المستمرة مع اليمن إلى مصدر استنزاف يهدد بعض الطموحات الاقتصادية السعودية؟اليمن والسعودية: كلفة الحرب تتجاوز الميدانلا تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار وأمن الطاقة والملاحة. فالسعودية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل اقتصادها وتقليل اعتماده على النفط، تحتاج إلى بيئة مستقرة تستطيع من خلالها جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتطوير قطاعات السياحة والخدمات والترفيه، وتنفيذ مشاريعها الكبرى ضمن رؤية 2030.وهذه الطموحات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الأمني؛ فالمستثمر الذي يقرر ضخ أمواله في مشروع طويل الأجل لا ينظر إلى حجم السوق وحده، بل يدرس أيضاً المخاطر الأمنية، وكلفة التأمين، واستقرار طرق التجارة، وإمكانية استمرار النشاط الاقتصادي دون اضطرابات مفاجئة.وعندما تتصاعد المواجهة العسكرية، فإن آثارها لا تتوقف عند حدود المنشآت المتضررة أو الأموال التي تُنفق على الدفاع، بل قد تمتد إلى تأجيل الاستثمارات، وارتفاع كلفة التمويل والتأمين، وتراجع ثقة المستثمرين، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي.وهنا تكمن خطورة المعادلة: قد تنجح الدولة في احتواء الخسائر العسكرية المباشرة، لكنها تجد نفسها أمام خسائر اقتصادية متراكمة تهدد سرعة تنفيذ مشاريعها وطموحاتها المستقبلية.ولا يعني ذلك أن انهيار الاقتصاد السعودي بات حتمياً؛ فالمملكة تمتلك موارد نفطية وأصولاً حكومية واحتياطيات وأدوات مالية تساعدها على امتصاص الصدمات. لكن القدرة على تحمل الخسائر لا تعني أن تلك الخسائر بلا ثمن، ولا أن الموارد المتاحة تستطيع تغطية تكاليف المواجهة إلى أجل غير مسمى دون تأثير في الأولويات الاقتصادية.رؤية 2030 أمام اختبار الحربقدمت السعودية رؤية 2030 باعتبارها مشروعاً استراتيجياً لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والأعمال.غير أن تنفيذ هذه الرؤية يحتاج إلى سنوات من الاستقرار والتمويل المتواصل وثقة المستثمرين؛ فالمشاريع العملاقة لا تُنجز بالإعلانات وحدها، وإنما تحتاج إلى تدفقات مالية مستمرة، وطلب اقتصادي، وشراكات دولية، وبيئة آمنة تشجع الشركات على الالتزام باستثمارات طويلة الأجل.وفي ظل تصاعد المخاطر الأمنية، تصبح الرياض أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على زخم مشاريعها التنموية، بينما تتزايد متطلبات الإنفاق الدفاعي والأمني، وتتعرض ثقة المستثمرين لاختبارات متكررة؟إن أي اضطراب طويل الأمد قد يفرض مراجعة جداول تنفيذ بعض المشاريع، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو تأجيل استثمارات لا تبدو عوائدها مضمونة في بيئة شديدة التقلب. وإذا تراكمت هذه الضغوط، فإن الضرر قد يظهر تدريجياً في معدلات النمو وفرص العمل وتدفقات الاستثمار، حتى من دون حدوث انهيار مالي شامل.وهنا ينبغي التمييز بين الأزمة والانهيار؛ فالتحديات الاقتصادية لا تعني بالضرورة سقوط الاقتصاد، لكنها قد ترفع كلفة الطموحات وتضعف القدرة على تنفيذها بالسرعة التي خُطط لها.هل تورطت السعودية في معادلة يصعب الخروج منها؟تطرح المواجهة مع اليمن سؤالاً سياسياً واستراتيجياً مهماً: هل تستطيع الرياض تحقيق أهدافها الأمنية من خلال استمرار الضغط العسكري، أم أن طول أمد الصراع قد يجعل كلفة المواجهة أعلى من المكاسب المتوقعة؟فالحرب الطويلة قد تضع الدولة أمام خيارات صعبة. الاستمرار يعني تحمّل نفقات إضافية، ومواصلة التعامل مع المخاطر الأمنية، واحتمال اتساع التداعيات الاقتصادية. أما التسوية، فتتطلب معالجة أسباب الصراع والتوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية تحول دون تجدده.وتزداد المعضلة تعقيداً عندما تكون الدولة قد بنت جزءاً من صورتها الإقليمية ومشاريعها المستقبلية على قدرتها على توفير الاستقرار. ففي هذه الحالة، لا تصبح نتائج الحرب مرتبطة بالجبهة العسكرية وحدها، بل بمدى قدرة القيادة على حماية الاقتصاد والمصالح الحيوية من تداعياتها.ومن هنا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت السعودية قادرة على تحمّل ضربة أو أزمة محدودة، بل ما إذا كان استمرار المواجهة سيؤدي إلى استنزاف طويل الأمد يفرض عليها إعادة حساباتها الإقليمية والاقتصادية.ومع ذلك، فإن الحكم على اتجاه الاقتصاد السعودي يتطلب مؤشرات موثوقة عن الإنفاق العسكري، والاستثمارات، والإيرادات النفطية، ومستويات الدين، وكلفة التأمين والملاحة؛ فلا يصح تحويل المخاطر المحتملة إلى حقيقة مؤكدة، كما لا يصح تجاهلها لمجرد امتلاك المملكة موارد مالية كبيرة.من يربح حين تصبح الحرب عبئاً على الجميع؟إن المفارقة الأساسية في المشهد الراهن أن واشنطن راهنت على أن الضغط الاقتصادي سيقود إيران إلى التراجع، بينما تكشف الحروب الإقليمية أن الاستنزاف ليس طريقاً مضموناً إلى النصر، وأن تداعيات المواجهة قد تطال مصالح الأطراف التي تسعى إلى فرض إرادتها على الآخرين.إيران تواجه تحديات اقتصادية كبيرة بفعل العقوبات والضغوط، والسعودية تواجه بدورها مخاطر يمكن أن تؤثر في أمنها واستثماراتها ومشاريعها التنموية. ولا يمكن اعتبار انهيار أي من الاقتصادين أمراً محسوماً، لكن من الواضح أن استمرار الصراع يرفع كلفة الخيارات السياسية والعسكرية.والسؤال الذي ينبغي أن يشغل الرياض وواشنطن معاً هو: هل تستحق المكاسب التي يمكن تحقيقها من استمرار المواجهة كل هذه المخاطر التي قد تلحق بالاقتصاد والاستقرار؟فالحرب التي تبدأ باعتبارها وسيلة لإضعاف الخصم قد تتحول، إذا طال أمدها وتعذّر حسمها، إلى عبء على من يخوضها. وعندما تصبح المشاريع الاقتصادية الكبرى مهددة بتداعيات الصراع، فإن مراجعة الحسابات ليست تراجعاً بالضرورة، بل قد تكون الطريق الأكثر واقعية لحماية المستقبل.لقد راهن الأمريكيون على أن الحصار سيُخضع إيران، لكن التحدي الحقيقي لأي استراتيجية لا يكمن في فرض الضغط وحده، وإنما في قدرتها على تحويله إلى نتيجة سياسية قابلة للتحقق. وبالمثل، فإن الاختبار أمام السعودية لا يتمثل فقط في قدرتها على مواصلة المواجهة، بل في قدرتها على حماية مشروعها الاقتصادي من كلفة حرب قد تطول أكثر مما كان متوقعاً.

المصدر: 26 سبتمبر