شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

احتجاجات أوروبا.. ضغوط معيشية في سياق دولي مضطرب

احتجاجات أوروبا.. ضغوط معيشية في سياق دولي مضطرب

بعيداً عن التسييس الذي تلجأ إليه بعض القوى والأحزاب لاستثمار الاحتجاجات في خدمة حساباتها، تبرز قراءة أخرى ترى في هذه التحركات جانباً طبيعياً من تفاعل المجتمعات مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً في أوقات تتزايد فيها حالة عدم اليقين عالمياً. فالتظاهرات التي شهدتها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا وألبانيا لا تعكس، بالضرورة، أزمة واحدة أو توجهاً سياسياً مشتركاً، بقدر ما تكشف عن مطالب متراكمة تتصل بتكاليف المعيشة والسكن والتعليم ومستوى الخدمات العامة. ووسط تداخل الأزمات الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية في انحاء العالم، لا تبقى آثار الحروب محصورة في مناطق اندلاعها، بل تمتد، بدرجات متفاوتة، إلى أسواق الطاقة والنقل والسلع، لتنعكس في نهاية المطاف على ميزانيات الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية. وهنا، يرى محللون أن من الصعب فصل المزاج الاجتماعي عن بيئة دولية تتسم بالتقلب، ولا سيما في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في منطقة الشرق الأوسط وغيرها وما تحمله من تداعيات على أمن الطاقة وإمداداتها، قد تؤثر في أي بلد من بلدان العالم. مطالب محلية وضغوط مشتركة دوافع الاحتجاجات الأوروبية تختلف من بلد إلى آخر، ففي فرنسا برزت مطالب تحسين التعليم وأوضاع المدارس، قبل أن تتسع لتشمل غلاء المعيشة والإنفاق العام، بينما تصدرت أزمة السكن والإيجارات المشهد في البرتغال وإسبانيا، وفي إيطاليا وبلجيكا، حضرت المخاوف المرتبطة بالقدرة الشرائية وتكاليف التعليم والخدمات. ويرى ألبرتو أليمانو، أستاذ قانون وسياسات الاتحاد الأوروبي في كلية “إتش إي سي باريس”، أن هذه التحركات ليست حركة أوروبية موحدة، وإنما احتجاجات متزامنة تتقاطع في بعض أسبابها، من بينها ارتفاع التكاليف والقلق بشأن مستقبل الشباب، وتحمل هذه الملاحظة أهميتها من ضرورة قراءة كل حالة ضمن ظروفها الوطنية، مع الانتباه إلى القواسم الاقتصادية والاجتماعية التي تتجاوز الحدود. بين التعبير الاجتماعي والحسابات السياسية من الطبيعي أن تتحول الضغوط المعيشية، حين تتراكم أو تتراجع معها الثقة بقدرة المؤسسات على الاستجابة، إلى مطالب علنية ومساحات للاحتجاج، لكن وجود أسباب اجتماعية واقتصادية لا يعني أن جميع أشكال التعبير عنها متشابهة، كما لا يجعل أعمال العنف والتخريب امتداداً تلقائياً للمطالب السلمية. في هذا السياق، تشير ماريا سيلفستر، أستاذة علم الاجتماع في جامعة ديوستو الإسبانية، إلى شعور متزايد لدى الشباب بعدم اليقين وفقدان السيطرة على مستقبلهم، وهو ما قد يجعل بعض الوقائع اليومية شرارة لتحركات أوسع. بناء على ما تقدم، تبدو الاحتجاجات التي تشهدها دول أوروبية جزءاً من مشهد أوسع تتفاعل فيه المجتمعات مع ضغوط اقتصادية ومعيشية تتزايد في عالم مثقل بالأزمات والتوترات، ومثل هذه التحركات ليست استثناءً يقتصر على دولة دون أخرى، بل إحدى صور التفاعل بين المجتمعات والظروف التي تمر بها. أسرة التحرير

المصدر: الوطن