مشروع الميزان الاقتصادي 2027: إصلاح الوظيفة العمومية ورقمنة الإدارة وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية
تراهن الحكومة، خلال سنة 2027، على مواصلة إصلاح الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة وإعادة هيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز نجاعة المرفق العام وتحسين جودة الخدمات ودعم مساهمة القطاع العمومي في دفع الاقتصاد الوطني، وذلك في ظل تواصل الضغوطات على المالية العمومية وتنامي حاجيات المؤسسات والمنشآت العمومية إلى التمويل. وتتمثل أبرز محاور برنامج الإصلاح، وفق وثيقة "مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 " الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتخطيط، والتي تحصلت (وات) على نسخة منها، في تطوير التصرف في الموارد البشرية، وتبسيط الإجراءات الإدارية وتسريع رقمنة الخدمات، وتحسين أداء الهياكل العمومية، إلى جانب تعزيز الحوكمة والشفافية ودعم استدامة المؤسسات والمنشآت العمومية وقدرتها على الاضطلاع بأدوارها الاقتصادية والاجتماعية. // إصلاح الوظيفة العمومية وتطوير الكفاءات وتشمل الإصلاحات المبرمجة خلال سنة 2027، في مجال الوظيفة العمومية، مراجعة النظام الأساسي العام لأعوان الوظيفة العمومية وإعداد نصوصه التطبيقية، إلى جانب تطوير آليات التصرف التقديري في الموارد البشرية، من خلال إعداد 50 ألف بطاقة وصف خطة جديدة وإدراجها بالمنظومة الرقمية، بما يساعد على تحديد الحاجيات الفعلية للهياكل الإدارية وتحسين توزيع الموارد البشرية. كما تعتزم الحكومة تطوير المنظومة المعلوماتية للتصرف في الموارد البشرية ومواصلة رقمنة منظومة التكوين، مع الانطلاق في استغلال المنصة الوطنية للتصرف في التكوين، وتعزيز تكافؤ الفرص في الانتفاع به على المستويات المركزية والجهوية والمحلية. وتشمل الجهود، في السياق ذاته، تأهيل المنتدبين الجدد وتطوير برامج التكوين في مجالات التصرف والسياسات العمومية والمهارات الرقمية وإدارة المشاريع، فضلا عن تعزيز التكوين عن بعد وتعميم الانخراط في المواصفة الوطنية لضمان جودة التكوين "مهارات". وفي إطار تحسين علاقة الإدارة بالمتعاملين معها وتقريب الخدمات من المواطنين، برمجت الحكومة مراجعة 2250 إجراء إداريا، مع التوجه نحو رقمنة حوالي 80 بالمائة منها، والعمل على تقليص المطالبة بإجراءي التعريف بالإمضاء والنسخ المطابقة للأصل بنسبة 30 بالمائة مع موفى سنة 2027. كما يتضمن البرنامج استكمال إعداد السجل الوطني لخريجي التعليم العالي وإعداد سجل خريجي التكوين المهني، إلى جانب مواصلة تنفيذ مقاربة "أحداث الحياة"، من خلال تبسيط أربعة مسارات إدارية وإرساء نقطة نفاذ موحدة للإجراءات المرتبطة بكل مسار عبر المنصة الوطنية للإجراءات الإدارية. وستعمل الحكومة كذلك على تقييم جودة المسارات التي شملها التبسيط، بالاعتماد على آلية "المقياس الوطني لجودة الخدمات الإدارية" لقياس مدى رضا المتعاملين مع الإدارة، فضلا عن تركيز مشروع "باقة الخدمات الإدارية الاستباقية". وفي سياق تجسيم مبدأ تكافؤ النفاذ إلى الخدمات العمومية، وخاصة بالمناطق الداخلية والأقل تنمية، ينتظر تركيز 17 دار خدمات جديدة خلال سنة 2027، وتطوير 20 خدمة رقمية إضافية، إلى جانب تقييم تجربة "نقاط الإدارة السريعة" بهدف ملاءمتها مع حاجيات المواطنين وتطوير فضاءات عمومية مصغرة وفعالة داخل المؤسسات الخاصة أو التجمعات السكانية الكبرى. كما يتضمن البرنامج تأهيل 30 هيكلا عموميا إضافيا للحصول على علامة "مرحبا" لجودة الاستقبال، ليرتفع العدد الجملي للهياكل المؤهلة إلى 120 هيكلا مع موفى سنة 2027، فضلا عن تنفيذ تجربتين نموذجيتين لإسداء خدمات إدارية باستعمال الذكاء الاصطناعي، وتركيز أجهزة الخدمات الإدارية التفاعلية بالفضاءات التي تشهد إقبالا مكثفا من المواطنين. // حوكمة الإدارة وتعزيز الحكومة الرقمية المفتوحة وفي ما يتعلق بتطوير أداء الهياكل العمومية، ستتركز التدخلات على مراجعة التنظيمات الإدارية وترشيدها بما يضمن وضوح المهام والصلاحيات، بالتوازي مع تطوير آليات إنجاز المشاريع والبرامج العمومية بالوزارات، بما يدعم قدرتها على تنفيذ السياسات العمومية وتحقيق أهداف مخطط التنمية 2026-2030. كما ستتواصل جهود رقمنة الخدمات العمومية والارتقاء بجودتها، من خلال تحيين قائمة الخدمات المنشورة على بوابة الحكومة التونسية ومتابعتها وتقييمها، ومواصلة تنفيذ مشروع الشباك الموحد للنفاذ إلى الخدمات العمومية الإلكترونية، وتعزيز التنسيق المؤسساتي والتقني بين المنصات والبوابات القطاعية. ويشمل البرنامج أيضا تدعيم الأمن السيبرني وحماية المعطيات الشخصية، وتوسيع اعتماد بروتوكولات الاتصال الآمن بالمواقع والتطبيقات العمومية، وتعزيز النفاذية الرقمية لفائدة مختلف فئات المجتمع، إلى جانب إعداد خارطة طريق وطنية لحوكمة البيانات العمومية، وتطوير استعمالات البوابة الوطنية للبيانات المفتوحة وتحسين آليات تثمين البيانات وتبادلها. وستعمل الحكومة، في هذا الاتجاه، على تطوير منظومة "فريق المواطن الرقيب" ورقمنة تدخلاته، بما يتيح للوزارات متابعة الإخلالات المسجلة ومعالجتها بصورة آنية عبر التراسل الإلكتروني، في مرحلة أولى، تمهيدا لتعميم التجربة مركزيا وجهويا. // إعادة هيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية ودعم استدامتها وعلى مستوى المؤسسات والمنشآت العمومية، تبرز إعادة الهيكلة وتحسين التوازنات المالية ضمن أبرز أولويات سنة 2027، في ظل الصعوبات المالية والتنظيمية التي تواجه عددا منها، وما تفرضه من ضغوطات إضافية على المالية العمومية، فضلا عن انعكاساتها على الاستثمار والتحديث وجودة الخدمات. وفي هذا الإطار، ستعمل الحكومة على إعداد دراسات لإعادة هيكلة عدد من المؤسسات والمنشآت العمومية ذات الأولوية، بالاستناد إلى معايير تشمل أهمية القطاع الذي تنشط فيه المؤسسة، وتوفر التمويلات اللازمة، ووضعيتها المالية والتنظيمية، ومدى تأثير مديونيتها على المالية العمومية، فضلا عن مدى جاهزيتها لإنجاز الإصلاحات وقدرتها على استعادة توازناتها المالية وتحسين أدائها. كما ستشمل الإصلاحات مراجعة النظام الأساسي العام لأعوان المؤسسات والمنشآت العمومية، في إطار تطوير منظومة التصرف في الموارد البشرية وتحسين الأداء المؤسسي. // تعزيز الرقابة وترسيخ النزاهة والشفافية وفي مجال الرقابة والحوكمة، يرتكز البرنامج على دعم الشفافية والمساءلة والمحافظة على المال العام، من خلال تطوير منظومة الرقابة الإدارية والتدقيق، واعتماد مؤشرات دورية لمتابعة نتائج أعمال الرقابة، وتوجيه البرامج الرقابية وفقا للأولويات الحكومية والمخاطر المستجدة. كما ستعمل هياكل الرقابة على تعزيز استخدام الأدوات الرقمية في تحليل المعطيات والمؤشرات، وتحسين نجاعة التظلم الإداري وجودة الخدمات الاستشارية، بما يساهم في ترسيخ ثقافة النتائج والنجاعة في التصرف العمومي. ويتواصل، من جهة أخرى، العمل على تعزيز المنظومة الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد، عبر تطوير دور خلايا الحوكمة ونجاعة تدخلاتها، وتنظيم دورات تكوينية حول التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في مجال مكافحة الفساد، إلى جانب الشروع في تركيز النسخة المحينة للمرجعية الوطنية للحوكمة، التي ستشمل 10 منشآت خلال فترة مخطط التنمية. كما ستتم دراسة آليات إرساء نظام لتقييم النزاهة الشاملة في القطاع العام، وفق منهجية علمية تستند إلى التحليل الكمي والنوعي لمجموعة من المعايير، بالتوازي مع استكمال الإصلاحات التشريعية والترتيبية المتعلقة بالوقاية من الفساد وتطوير منظومة الإبلاغ عنه بالقطاع العام. ويحظى إصلاح الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة والمؤسسات والمنشآت العمومية، وفق وثيقة الميزان الاقتصادي لسنة 2027، بمكانة ضمن مخطط التنمية 2026-2030، الذي يقوم على تطوير الإطار التشريعي والترتيبي، والارتقاء بكفاءة الإدارة، وتحسين حوكمة الهياكل العمومية ونجاعتها. غير أن تحقيق الأهداف المرسومة يظل مرتبطا بقدرة الهياكل المعنية على تجاوز جملة من التحديات، من أبرزها محدودية المرونة في التصرف في الموارد البشرية، وبطء نسق التقدم في بعض الإصلاحات التشريعية والرقمية، فضلا عن الصعوبات المالية والهيكلية المتراكمة للمؤسسات والمنشآت العمومية، حسب نص الوثيقة. وقد حدّت هذه الصعوبات من قدرة عدد من المؤسسات على الاستثمار والتحديث وتحسين جودة خدماتها، وزادت في المقابل من حاجياتها إلى التمويل العمومي وتدخلات الدولة، بما يجعل إصلاح حوكمتها وإعادة هيكلتها وتحسين أدائها من أبرز الرهانات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: الصباح