شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية: حماية السيادة أم تقويض العدالة؟

العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية: حماية السيادة أم تقويض العدالة؟

د. كلير فخرالدين*

يثير قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية إشكالية تتجاوز الخلاف حول اختصاص قضائي بعينه، لتطاول جوهر العلاقة بين السيادة الوطنية والعدالة الدولية، وحدود استخدام القوة الاقتصادية في مواجهة المؤسسات القضائية المستقلة. فهل تحمي واشنطن مواطنيها فعلًا، أم تسعى إلى تحصين مصالحها ومصالح حلفائها من المساءلة الدولية؟

تستند الولايات المتحدة إلى أنها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، وبالتالي لم تقبل إخضاع مواطنيها، بمن فيهم أفراد قواتها المسلحة، لولاية المحكمة. غير أن عدم الانضمام إلى النظام لا ينفي تلقائياً اختصاص المحكمة في كل قضية تتصل بمواطن أميركي. فالمادتان 12 و13 من نظام روما تحددان الأسس القانونية لممارسة الاختصاص، بما في ذلك ارتباط الجريمة بإقليم دولة طرف أو إحالة مجلس الأمن الحالة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. وعليه، لا تُحسم مسألة الاختصاص بجنسية المشتبه فيه وحدها، بل بمدى توافر شروطه القانونية في كل حالة.

كذلك، لا يقوم نظام المحكمة على إلغاء القضاء الوطني، بل على مبدأ التكامل الذي تكرسه المادة 17، والذي يجعل تدخلها مرتبطاً بشروط محددة تتصل بعدم رغبة الدولة المعنية في إجراء التحقيق أو المقاضاة بصورة حقيقية، أو عدم قدرتها على ذلك. ومن ثم، فإن الدفاع عن السيادة حق مشروع، لكنه لا يعني بالضرورة رفض كل أشكال المساءلة الدولية، كما أن استقلال المحكمة لا يعفيها من الالتزام بضوابط الاختصاص وضمانات المحاكمة العادلة.

تكمن خطورة العقوبات الأميركية في انتقال المواجهة من الاعتراض على قرارات أو مسؤولين محددين إلى الضغط على المؤسسة نفسها، بما قد يقيّد قدرتها على الحصول على الخدمات المالية والتقنية، والتعاقد مع الخبراء، وإدارة التحقيقات وحفظ الأدلة. وقد يدفع الخوف من العقوبات شركات ومصارف، حتى خارج الولايات المتحدة، إلى وقف تعاملاتها مع المحكمة تجنباً للمخاطر. وهكذا، يمكن أن يمتد أثر القرار إلى أطراف لم تكن مستهدفة مباشرة، وأن تتحول القوة الاقتصادية إلى عامل مؤثر في قدرة مؤسسة قضائية دولية على أداء وظائفها.

ولا يمكن فصل هذه المواجهة عن سياقها السياسي، وخصوصاً التحقيقات المتعلقة بأفعال منسوبة إلى أفراد من القوات الأميركية في أفغانستان، والإجراءات المتصلة بمسؤولين إسرائيليين. فحماية المواطنين الأميركيين تبدو جزءاً من المبررات المعلنة، لكن ارتباط القرار أيضاً بمصالح حليف استراتيجي يطرح تساؤلات حول حدود الفصل بين الاعتبارات القانونية والحسابات الجيوسياسية. أما توقيت الإعلان، فينبغي قراءته ضمن مسار التصعيد القائم، من دون افتراض علاقة سببية بينه وبين أحداث متزامنة لا يثبت الدليل ارتباطها المباشر به.

هل تحمي هذه السياسة المصالح الأميركية؟ قد تمنح واشنطن قدرة على رفع كلفة عمل المحكمة وردع جهات عن التعاون معها، لكنها قد تحمل أثماناً استراتيجية مقابلة. فإضعاف مؤسسة دولية لا يثبت أن قراراتها غير مشروعة، كما أن منعها من العمل لا يعادل تصحيح أي تجاوز قانوني محتمل. وقد يؤدي توسيع العقوبات إلى توتير العلاقات مع الدول الأوروبية الأطراف في نظام روما، وتعميق الانقسام داخل المعسكر الغربي، ودفع دول ومؤسسات إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على النظام المالي والتقني الأميركي.

أما بالنسبة إلى الدول العربية، فإن الموقف المتوازن يقتضي الدفاع عن استقلال العدالة الدولية، مع المطالبة باتساق معاييرها واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، لا تأييدها بلا نقد ولا تعطيلها تحت ضغط القوى الكبرى. فالمعيار ينبغي أن يكون واحداً، سواء تعلق الأمر بخصم سياسي أو حليف استراتيجي.

في المحصلة، لا تكمن المسألة في المفاضلة بين السيادة والعدالة، بل في تحديد ما إذا كانت السيادة تُمارَس ضمن القانون أم تتحول إلى حصانة من المساءلة. فالولايات المتحدة تملك حق الاعتراض على اختصاص المحكمة بالوسائل القانونية، لكن استخدام العقوبات لتقييد عملها يفتح باباً خطيراً أمام إخضاع العدالة لموازين القوة. وحين تصبح فعالية المؤسسة القضائية رهينة قبول الدول النافذة بنتائجها، فإن الخاسر المحتمل لا يكون المحكمة وحدها، بل الثقة بإمكان قيام نظام دولي تُطبَّق فيه القواعد القانونية بمعزل عن هوية الأقوياء ومصالحهم.

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

المصدر: النهار