الذكاء الاصطناعي يشعل سباقاً عالمياً على قوة الحوسبة... من ينتصر؟
تتحول القدرة الحاسوبية إلى أحد أكثر الموارد ندرة في قطاع التكنولوجيا، مع تسابق الشركات الكبرى والناشئة للحصول على الرقائق والقدرات المتاحة في مراكز البيانات اللازمة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. هذا السباق لا يرفع التكاليف وحدها، بل يعيد تشكيل التحالفات بين المنافسين ويضع الشركات الناشئة أمام تحديات مالية وتقنية متزايدة.
تسلّط صحيفة "وول ستريت جورنال"، في تقرير نشرته في خلال تشرين الأول/أكتوبر 2026 ، الضوء على أزمة تتجاوز نقص الرقائق، لتشمل صعوبة تأمين القدرة الحاسوبية وارتفاع تكاليف استئجارها، وسط طلب متسارع يتجاوز الموارد المتاحة.
تحالفات غير متوقعة بين المنافسين
دفعت ندرة الموارد شركات متنافسة إلى التعاون لتأمين احتياجاتها. ففي أيار/مايو، أعلنت "أنثروبيك" اتفاقاً مع شركة "سبيس إكس" التابعة لـ إيلون ماسك، لاستئجار قدرة حاسوبية تتجاوز 300 ميغاواط، ضمن صفقة تبيّن لاحقاً أن قيمتها قد تصل إلى 45 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
وكان النجاح الكبير وغير المتوقع لأداة البرمجة "Claude Code" قد زاد الضغط على الموارد الحاسوبية لـ"أنثروبيك"، ما ساهم في حدوث انقطاعات متكررة. وفي أواخر آذار/مارس، زار توم براون، أحد مؤسسي الشركة، إيلون ماسك في مكاتب شركة "xAI" للتفاوض بشأن استئجار قدرات حاسوبية، وفق أشخاص مطلعين على الأمر.
وجاء الاتفاق اللاحق مع "سبيس إكس" رغم الانتقادات العلنية السابقة التي وجّهها ماسك إلى "أنثروبيك"، قبل أن يشيد بأعضاء من إدارتها العليا.
وأجرى الرئيس التنفيذي لـ"أنثروبيك" داريو أمودي اتصالاً هاتفياً مع مسؤول الذكاء الاصطناعي في "ميتا" ألكسندر وانغ، بحثاً عن قدرات حاسوبية إضافية، وفق شخص مطلع على الأمر. وناقشت "ميتا" إمكانية توفير رقائق للشركة، قبل أن تقرر عدم المضي في ذلك في الوقت الراهن، وفق أشخاص مطلعين.

"غوغل" تواجه صراعاً داخلياً على الموارد
لم تسلم "غوغل" من الأزمة. فقد غادر الباحث نوام شازير إلى "أوبن إيه آي"، بعد فترة وجيزة من إرساله رسالة إلى أحد فرقه يبلغ أعضاءه فيها بأن "غوغل" خفّضت الموارد الحاسوبية المخصصة للفريق لمصلحة مشروع آخر، رغم أن الشركة دفعت 2.7 ملياري دولار لإعادته عام 2024.
وتشهد الشركة خلافات داخلية حول توزيع القدرات الحاسوبية بين المشاريع، فيما يتجاوز المؤسس المشارك سيرغي برين أحياناً إجراءات التخصيص الرسمية لإعادة توزيع الموارد على مشاريع يعتبرها مهمة، وفق أشخاص مطلعين.
وأعرب ديميس هاسابيس، الذي تولّى رئاسة مجلس إدارة "ديب مايند" في آب/أغسطس، عن استيائه من نقص الموارد الحاسوبية المخصصة للأبحاث طويلة الأمد، وفق أشخاص مطلعين على الأمر.
ارتفاع الأسعار يهدد الشركات الناشئة
ارتفعت تكلفة استئجار القدرة الحاسوبية لرقائق "إنفيديا H100" بالساعة، ضمن عقود مدتها سنة، بنسبة 60% خلال العام الماضي، وفق شركة "SemiAnalysis" المتخصصة في البيانات والاستشارات.
وبات مزودو الخدمات السحابية يشترطون عقوداً متعددة السنوات، مع دفعات مقدمة تصل في كثير من الأحيان إلى 30%، ويطلبون أحياناً من الشركات الناشئة تقديم ضامنين لتغطية التزاماتها المالية إذا عجزت عن السداد.
وتواجه الشركات الناشئة معضلة إضافية: استئجار قدرات حاسوبية تفوق احتياجاتها قد يعرّضها للإفلاس بسبب الالتزامات المالية، بينما قد يؤدي استئجار قدرات أقل من حاجتها إلى إبطاء نموها والتسبب في استياء المستخدمين.
وتتفاقم الأزمة مع تأخر إنشاء مراكز البيانات بسبب العقبات التنظيمية والاعتراضات السياسية، فيما تضطر بعض الشركات الناشئة إلى التعامل مع مزودين أقل موثوقية، رغم المخاطر المرتبطة بضعف البنية التحتية أو إجراءات الأمن.
شركات رأس المال الجريء تدخل سباق القدرة الحاسوبية
بدأت بعض شركات رأس المال الجريء بحجز مجموعات حوسبة وإعادة تأجير قدراتها للشركات الناشئة التي تمولها، أو تقديم ضمانات لعقودها مع مزودي القدرة الحاسوبية.
وأطلقت "Y Combinator" في تموز/يوليو مجموعة حوسبة مخصصة لشركاتها الناشئة، بعدما واجهت إحدى الشركات التابعة لها، خلال العام السابق، صعوبة في تأمين 120 وحدة معالجة رسومية لتدريب نموذج على مدى شهرين.
وتبرز هذه التحولات حقيقة أساسية: لم يعد التمويل وحده كافياً للمنافسة في الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت القدرة على الوصول إلى الرقائق والبنية التحتية عاملاً حاسماً في تحديد الشركات القادرة على الاستمرار والنمو.
المصدر: النهار