العرب وإيران وأميركا: إعادة النظر في الأمن القومي العربي
"لن تجمعنا ساحات الجغرافيا والتاريخ والدم وتفرقنا ساحات الإعلام". بهذه العبارة، يضع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، في رسالته إلى أبناء الخليج أساساً يمكن الانطلاق منه لإعادة النظر في الأمن القومي العربي. فرسالته تدعو إلى التعاون وإدارة الاختلافات وتعزيز المؤسسات، مع احترام خصوصية التجارب الخليجية، وهذه رؤية تكتسب دلالة أمنية ملحّة حين تتعرض مصالح المنطقة وبلدانها للاعتداء.
لا تقدم الرسالة خطة عسكرية، لكن قراءتها في ضوء الحرب تفتح سجالاً مهماً: كيف يتحول الترابط بين المجتمعات والاقتصادات إلى قدرة مشتركة على الحماية؟ فالتضامن الذي تصونه العلاقات بين الشعوب يحتاج، عند الاختبار، إلى مؤسسات تقرر وقدرات تتحرك، وإلى خلافات لا تنقلب ثغرات يستثمر فيها المعتدي.
من هذه الزاوية، يأتي الموقف المصري المستجد بإعلان القاهرة استعدادها لمساندة الرياض في الدفاع عن أمنها أمام الاعتداءات الحوثية، ليوسّع النقاش من التعاضد الخليجي إلى المسؤولية العربية. ليست المسألة إضافة جيش إلى قائمة الحلفاء، إنما اختبار إمكان انتقال الأمن القومي العربي من تعبير سياسي واسع إلى التزامات محددة بين دول تربط مصالحها الموانئ والطاقة والممرات البحرية واستقرار المجتمعات.

إدارة الاختلاف مدخل إلى أمن خليجي مشترك
إن الاستنتاج الأمني الذي تتيحه رسالة الشيخ محمد بن راشد هو أن التعاون لا يحتاج إلى تطابق العواصم في كل الملفات. تستطيع الدول أن تتنافس اقتصادياً، وأن تتعارض في إدارة الأزمات الإقليمية، وأن تتفق في الوقت نفسه على أن حماية المدنيين والمنشآت وسيادة الدول واجب.
هنا تتصل الرسالة بنداء أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي للرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، في 12 تشرين الأول/أكتوبر، لإحياء العمل الخليجي المشترك في شقّيه الأمني والدفاعي، عقب الاعتداءات على السعودية. فاعتبار أمن المملكة متصلاً بأمن الإمارات وباقي دول الخليج ينقل النقاش من إدانة المعتدي إلى مسؤولية الدول، بعضها تجاه بعض. والمطلوب أن يعرف المعتدي مسبقاً أن استهداف دولة لن يتركها منفردة في تحمل الكلفة.
منذ هدنة نيسان/أبريل، تعيش دول الخليج مفارقة ثقيلة: تستطيع أن تستضيف قواعد للدولة الأقوى عسكرياً في العالم، وأن تشتري أحدث أسلحتها، لتكتشف أن حماية مدنها ومصادر دخلها تخضع لحسابات لا تملك القرار فيها. فقد نقلت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران منذ 28 شباط/فبراير 2026 هذه المعضلة من نقاش حول مستقبل التحالفات إلى اختبار يومي لمعنى الأمن العربي نفسه.
ما انكشف يتجاوز السؤال عن وفاء واشنطن بوعودها. فالدولة التي تستطيع تدمير قدرات خصمها قد تعجز عن منع هذا الخصم من إلحاق ضرر بالغ بحلفائها، أو قدد تتردد في دفع الكلفة المطلوبة لمنعه. والدول العربية، التي سعت جاهدة إلى تجنب هذه الحرب، وجدت أن الابتعاد عن قرار إشعالها لا يكفي للابتعاد عن نتائج اشتعالها. من هنا تبدأ مراجعة الأمن القومي العربي: من يعرّف التهديد، ومن يقرر الرد، ومن يتحمل الخسائر؟
وفي شرق أوسط تعيد هذه الحرب تشكيله، تصبح قدرة العرب على الإجابة جماعياً عن هذه الأسئلة أهم من عدد التعهدات التي يحصل كل منهم عليها منفرداً.
هدنة نيسان والحرب التي استمرت في الاقتصاد والممرات البحرية
إن الهدنة التي أُعلنت ليل 7 - 8 نيسان/أبريل، بوساطة باكستانية ولأسبوعين، لم تكن اتفاق سلام: استمر القصف الإسرائيلي على لبنان، وسُجلت هجمات على دول الخليج، وبقي المرور في مضيق هرمز مقيداً. كان التفاهم على وقف جانب من العمليات أوسع من الاتفاق على تعريف الحرب التي يُفترض وقفها. وحتى 12 تشرين الأول/أكتوبر، بقيت المفاوضات حول مضيق هرمز متعثرة: تريد واشنطن معالجة الملف النووي منذ بداية التفاوض، فيما تفضّل طهران البدء بأمن المضيق وإعادة فتحه. لذلك، عبارة الحرب التي توقفت ولم تتوقف تصف عجز التهدئة العسكرية عن إنتاج تسوية سياسية واقتصادية قابلة للحياة.
تكشف هذه تجربة قصور الفصل التقليدي بين الحرب والسلم. فقد تنخفض وتيرة الغارات، فيما يستمر الضغط عبر الموانئ والتأمين وتعطيل الصادرات والتهديد المتجدد للمطارات. بالنسبة إلى دولة تعتمد على انتظام التجارة وثقة المستثمرين، يجب أن تعني نهاية الحرب حكماً عودة العيش والعمل من دون ابتزاز مستمر.
الحماية الأميركية بين القدرة العسكرية وانتقائية القرار
ينبغي أن تبدأ المراجعة من الوقائع، لا من إعلان متسرع عن نهاية الدور الأميركي. ففي 12 تشرين الأول، قال قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر إن شبكة الدفاع الجوي التي تربط الولايات المتحدة وشركاءها اعترضت آلاف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وهذا تصريح يوضح حجم التعاون القائم، وإن لم يكن تقييماً مستقلاً لمدى اكتمال الحماية.
لكن اعتراض المقذوفات، وردع إطلاقها، واتخاذ قرار بحرب جديدة، تمثل مستويات مختلفة من الالتزام. في 11 أيلول/سبتمبر، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلباً سعودياً بضرب الحوثيين، واكتفى بعرض المساعدة الاستخبارية وتحديد الأهداف. هنا يظهر التردد في أوضح صوره: تقديم الدعم مع الاحتفاظ بقرار التدخل المباشر.
تختلف الضمانات نفسها بين دولة وأخرى، فالأمر التنفيذي الأميركي الصادر في 29 أيلول/سبتمبر 2025 بشأن قطر يتعهد بإجراءات ديبلوماسية واقتصادية وعسكرية عند الضرورة، ضمن القانون والاعتمادات المتاحة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أُعلن عن توقيع اتفاق دفاع استراتيجي مع السعودية، ركّز عرضه الرسمي على تعزيز الردع والتعاون وتقاسم الأعباء. هذان إطاران مختلفان، ولا يصح جمعهما مع صفقات السلاح واستضافة القواعد تحت عنوان ضمانة واحدة متطابقة.
الاستنتاج هو أن الخليج يواجه مشكلة في قابلية التنبؤ بقرار الحليف، فوق ما يواجهه من تهديدات الخصم. وقد يجتمع خطر التورط في حرب يبدأها الحليف مع خطر التردد في حمايته من نتائجها. وهذه هي المعضلة الأعمق في الاعتماد الأمني: أن تتأثر بأجندة القوى الكبرى، من دون أن تمتلك القدرة على التأثير فيها. يبقى للشراكة مع الأميركيين وزن عسكري كبير، لكن التخطيط العربي يحتاج إلى افتراض واقعي: المصالح المتقاطعة لا تنتج تلقائياً تقديراً متطابقاً للخطر، أو توقيتاً متفقاً عليه لاستخدام القوة.

أميركا وإسرائيل واختلاف الحسابات في الشرق الأوسط الجديد
لا خريطة واحدة مكتملة للشرق الأوسط الجديد يتقاسم الأميركيون والإسرائيليون تنفيذها بلا خلاف. فثمة تحالف وثيق، وأهداف مشتركة ضد القدرات الإيرانية، وتباين في ترتيب الأولويات وفي مقدار الكلفة المقبولة لتحقيقها.
كشفت ضربة حقل جنوب فارس هذا التباين: في 19 آذار/مارس، قال ترامب إنه طلب من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عدم تكرار ضرب منشآت الغاز الإيرانية، نافياً علم واشنطن المسبق، فيما قال مسؤولون إسرائيليون لـ"رويترز" إن العملية كانت منسقة مع الأميركيين.
مهما يكن تفسير تضارب الروايات، فإن الدول العربية واجهت مشكلة ملموسة: قرار يتخذه طرفان حليفان، أو يختلفان على حدوده، تتحمل هي جانباً من أضراره. لذلك، لا يكفي الاطمئنان إلى قدرة واشنطن على مخاطبة إسرائيل، والمطلوب قدرة عربية على إدخال أمن الخليج في حسابات القرار قبل اتخاذه.
ويمكن قراءة التباين بوصفه اختلافاً في تعريف النجاح. فقد ترى الحكومة الإسرائيلية مكسباً في إضعاف خصومها وحرمانهم من إعادة بناء قدراتهم، حتى مع استمرار عمليات عسكرية متكررة. أما واشنطن فتوازن ذلك مع أسعار الطاقة، وحماية قواتها، واستقرار حلفائها، والكلفة الداخلية للحرب. هذا تفسير لتحركات الطرفين، لا دليل على انفصال استراتيجي بينهما.
أما المصلحة العربية فتحتاج إلى تعريف مستقل: دولة ومجتمع واقتصاد قادرون على الحياة، وحدود لا تُستباح، وتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. لا تصبح هذه الأهداف ثانوية لأن واشنطن وتل أبيب اتفقتا على أولوية مواجهة إيران.

أمن الطاقة يتجاوز حماية منابع النفط
أظهرت الحرب أن حماية الحقل النفطي وحده لا تحمي اقتصاد الدولة. فبين الإنتاج والإيراد تمر سلسلة من محطات المعالجة والموانئ والناقلات والتأمين والتمويل؛ ويمكن تعطيل حلقة منها أن يجمد باقي السلسلة.
تبيّن بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن التدفقات النفطية عبر هرمز انخفضت من 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين في الربع الثاني من 2026. وهذه مقارنة بين متوسطين فصليين تكشف حجم الاضطراب خلال تلك المرحلة، ولا تصف حركة المضيق اليوم.
وفي 19 آذار، قدّر رئيس "قطر للطاقة" سعد الكعبي أن الهجمات الإيرانية عطّلت 17% من قدرة تصدير الغاز المسال، وإصلاح الأضرار سيستغرق، وفق تقديره آنذاك، ثلاثاً إلى خمس سنوات. بهذا المعنى، يمكن ساعات من الهجمات أن تفرض سنوات من الخسائر.
تفرض هذه الوقائع تطوير مفهوم الردع. فإلى جانب التهديد بمعاقبة المعتدي، يحتاج الخليج إلى تعزيز قدرته على حرمان المعتدي من تحقيق أهدافه: حماية المنشآت، وتنويع مسارات التصدير، وتوفير مخزونات وقدرات إصلاح وبدائل تشغيل. ويشمل ذلك محطات المياه والكهرباء وشبكات الاتصالات، لأن استمرار الحياة المدنية جزء من القدرة على الصمود. ولا تعني أهمية النفط والغاز للعالم أن هذا العالم سيتحرك بالسرعة المطلوبة، فقد تفضّل قوة كبرى احتواء الأسعار أو التفاوض مع الطرف المعرقل على خوض مواجهة فورية. ومن ثمّ، فإن الاستكانة إلى وعود حماية منابع الطاقة تعني ترك أمن المجتمع كله رهينة افتراض سياسي لم تثبت الحرب موثوقيته.
الموقف المصري يوسّع دائرة الدفاع عن الخليج
في 17 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الاستعداد لاتخاذ إجراءات للدفاع عن السعودية، طالباً تفويضاً برلمانياً عند الحاجة. وفي اليوم التالي، أكد مجلس الدفاع الوطني، برئاسته، استعداد مصر لتقديم الدعم اللازم والممكن للمملكة لحماية أمنها واستقرارها. غير أن التصويت البرلماني على التفويض أُرجئ إلى 26 تشرين الأول، بحسب "رويترز" في 19 منه؛ لذلك يبقى التمييز ضرورياً بين القرار السياسي بالمساندة، واستكمال التفويض، وتنفيذ مهمة عسكرية فعلية.
تنبع أهمية هذا التحول من أن أمن السعودية يتجاوز حدود العلاقة الثنائية: اضطراب البحر الأحمر وباب المندب يمس طريق السويس، وتعطل الموانئ والطيران والطاقة في الخليج يضغط على اقتصادات عربية مترابطة. وعليه، يمكن قراءة الاستعداد المصري باعتباره دفاعاً عن مصالح متداخلة، إلى جانب التضامن مع دولة عربية تتعرض للاعتداء. لا تحتاج القاهرة إلى أن تصبح طرفاً في كل خلاف إقليمي كي تدرك أن اتساع مساحة الابتزاز العسكري يضيّق مجال أمنها هي أيضاً.
لكن القيمة الاستراتيجية للموقف ستتحدد بطبيعة المهمة وحدودها. فالمساندة في الإنذار والدفاع الجوي وحماية الملاحة والدعم اللوجستي خيارات مختلفة عن الانخراط في عمليات برية داخل اليمن. وهذه احتمالات للتحليل، وليست تفاصيل انتشار معلنة. ويتطلب أي دور فعال اتفاقاً على القيادة والتنسيق وقواعد الاشتباك والتمويل، وعلى الغاية السياسية التي تنتهي عندها المهمة أو تتغير.
والاختبار الأهم هو ما إذا كان التحرك سيؤسس تعاوناً مستمراً أم يبقى استجابة ظرفية. فإذا اتصلت القدرات المصرية بمنظومة خليجية واضحة المسؤوليات، أمكن للمساندة أن تزيد قدرة الدفاع وتمنح الديبلوماسية وزناً إضافياً. أما إذا غابت حدود المهمة، فقد يتحول الالتزام إلى باب لاستنزاف متبادل. الدفاع عن السعودية يكتسب صدقيته بقدرته على منع الاعتداء وحماية المجتمع، لا بمدى اتساع الحرب التي قد ينخرط فيها الداعمون.
أزمة الإرادة قبل أزمة النصوص
الدقة ضرورية عند الحديث عن مواثيق توصف اليوم بأنها "بالية". فميثاق جامعة الدول العربية يختلف عن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لعام 1950، كما يختلف النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي عن اتفاقية الدفاع المشترك الخليجية لعام 2000. والخلط بينها يحجب موضع التعطيل.
تنص المعاهدة العربية على اعتبار الاعتداء المسلح على دولة متعاقدة اعتداءً على الجميع، وعلى مساعدتها بوسائل تشمل القوة المسلحة. وتتبنى الاتفاقية الخليجية بدورها مبدأ الدفاع الجماعي والمساعدة الفورية، وتتضمن تطوير القدرات والتدريب والصناعة العسكرية. إذاً، ففكرة التضامن الدفاعي ليست غائبة عن النصوص. المشكلة أن الالتزام يحتاج إلى تعريف متقارب للتهديد، وقرار سياسي، وتمويل، وقوات تستطيع العمل معاً، وقواعد تحدد ما يحدث في الساعات الأولى. وإذا احتاج كل اعتداء إلى مفاوضات تبدأ من الصفر حول المسؤولية والاستجابة، بقيت المعاهدة إطاراً يسمح بالتحرك أكثر مما يضمن حصوله.
ولا يصبح الإطار الدفاعي بلا قيمة لمجرد قدمه، كما لا يكتسب الصدقية لمجرد حداثته. المعيار هو قدرته على تحويل التعهد إلى فعل متوقع. ومفيد أن يبدأ الإصلاح العربي بتحديد التزامات عملية قابلة للقياس، كالدعم اللوجستي والطبي والإنذار والدفاع المدني، بدلاً من تعليق كل تعاون ممكن على ولادة جيش عربي موحد.

اتفاق مكة بين تفعيل الدفاع المشترك وحدود المشاركة
يقدم اتفاق مكة اختباراً مختلفاً: اتفاق حديث وُقّع في 7 آب/أغسطس 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان، ويقرر أن الهجوم المسلح على أي دولة منها يُعد هجوماً على جميعها. لذلك، لا يصح إدراجه ضمن المواثيق القديمة، أو افتراض أن حداثته تضمن نجاحه.
أعلنت الدول الثلاث في 5 تشرين الأول الانتقال إلى تنفيذ التزامات الدفاع الجماعي وتسريع نشر القدرات في السعودية. وبعد ثلاثة أيام، أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن مساهمة بلاده دفاعية، مستبعداً العمليات الهجومية، ومشيراً إلى تقييم احتياجات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم التقني.
هذه الخطوات ذات دلالة، لكن إعلان التفعيل لا يساوي اكتمال القدرة العملياتية. كما أن الدفاع عن الأراضي السعودية لا يطابق تلقائياً المشاركة في حرب مفتوحة داخل اليمن أو ضد إيران. وحدود المهمة يجب أن تكون واضحة للحلفاء وللخصوم معاً.
ويمكن هذا الاتفاق أن يضيف قدرات وخيارات تفاوضية، إذا اتصل بحاجات دفاعية محددة. أما اعتباره مظلة نووية تلقائية لمجرد عضوية باكستان، فيتجاوز ما تثبته التعهدات المعلنة. والخطر أن يستبدل الخليج توقعاً غير مضمون من واشنطن بتوقع مماثل من شركاء آخرين، من دون معالجة الاعتماد على القرار الخارجي نفسه.
بهذا المعنى، يمكن الموقف المصري أن يضيف عمقاً عربياً إلى شبكة الشراكات القائمة من دون أن يصبح بديلاً عن التعاون الخليجي نفسه، أو أن يستلزم افتراض انضمام مصر إلى اتفاق لم تعلن الانضمام إليه. والمطلوب تكامل المهام والقدرات، حتى لا تتعدد التعهدات بينما تبقى فجوات الحماية هي نفسها.
إلا إن تحويل الدعوة إلى سياسة يقتضي الفصل بين حماية الدول وبين خلافاتها في الملفات الإقليمية. يجب أن يستمر التعاون في الإنذار والدفاع الجوي وتأمين الملاحة وحماية المدنيين، حتى حين تختلف العواصم في تقدير وسائل التعامل مع إيران أو الحوثيين. كذلك، لا يستلزم التعاضد إغلاق قنوات الوساطة العُمانية أو القطرية. يستطيع مجلس التعاون الخليجي جمع القدرة على الدفاع والقدرة على التفاوض، متى اتفقت دوله على غاية مشتركة. والتفاوض من داخل موقف خليجي متماسك أكثر قدرة على حماية مصالح العرب جميعاً من تفاوض كل دولة على استثناء لنفسها، وهذا كان أساس لم الشمل السعودي – الإماراتي.
الصين وتنويع الشراكات من دون افتراض مظلة بديلة
يمنح تنويع الشراكات الدول العربية مساحة حركة أوسع، لكنه يحتاج إلى تسمية دقيقة. فالشراكة التجارية والاستراتيجية مع الصين لا تعادل حلف دفاع مشترك، والنفوذ الاقتصادي على إيران لا يعني قدرة مضمونة على إلزامها بكل مطلب خليجي.
رعت بكين استئناف العلاقات السعودية - الإيرانية في آذار/مارس 2023، على أساس احترام السيادة وعدم التدخل. وفي 31 منه، طرحت مع باكستان مبادرة تدعو إلى وقف القتال، وحماية المنشآت المدنية والطاقة والمياه، واستعادة الملاحة الطبيعية في هرمز. وهذه أدوار ديبلوماسية مهمة، لكنها تختلف عن التزام خوض الحرب دفاعاً عن الخليج.
تتيح العلاقات الصينية مع الطرفين فرصة للوساطة والضغط والحوافز الاقتصادية، لكن هذه العلاقات المتعددة نفسها تجعل افتراض أن بكين ستتبنى تلقائياً التصور العربي للأمن، أو تتحمل كل كلفة تفرضها حمايته، افتراضاً غير واقعي. فالمصالح المشتركة مع الصين، كما مع أميركا، تحتاج إلى ترتيبات محددة.
يمكن التنويع المفيد أن يوزع وظائف التعاون بين الشركاء: تكنولوجيا وتدريب وتصنيع وصيانة وديبلوماسية واستثمار. غير أن تنوع الموردين يصبح عبئاً إذا أنتج منظومات لا تتبادل المعلومات أو تعتمد على سلاسل صيانة متعارضة. الاستقلال النسبي ينشأ من امتلاك القدرة على الاستخدام والاستمرار واتخاذ القرار، لا من مجرد زيادة أسماء الدول التي تبيع السلاح.
حدود الأمن القومي العربي في الشرق الأوسط الجديد
لا يمكن اختزال الأمن القومي العربي في أمن الخليج، لكن أمن االخليج هو العمود الفقري للأمن العربي. فالممرات البحرية والطاقة والتجارة تربط الخليج بالبحر الأحمر ومصر والأردن والمشرق، ويصبح انهيار الدولة أو تمدد الجماعات المسلحة في إحدى هذه المساحات مشكلة تتجاوز حدودها.
يحتاج المشروع العربي، لذلك، إلى التمييز بين دوائره. تستطيع الدول الخليجية أن تبني تعاوناً دفاعياً أشد كثافة، وتستطيع مجموعة عربية أوسع أن تتعاون في الملاحة والإمداد والصناعة والتفاوض. أما الأمن الإقليمي فيتطلب، في نهاية المطاف، ترتيبات تتعامل مع دول الجوار غير العربية ومصالحها ومصادر تهديدها. ولا يستلزم ذلك انتظار إجماع شامل كي تبدأ خطوات محددة.
الحد السياسي الأول لهذا الأمن هو استقلال القرار: لا تصبح الأراضي العربية مساحة مباحة لتبادل الرسائل بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ولا تتحول التهدئة الأميركية - الإيرانية إلى اتفاق تُترك خارجه مخاوف الدول التي تعرضت للهجمات. المشاركة العربية في التسويات ضرورة مرتبطة بتحمل الكلفة، وليست طلباً شكلياً لحضور الطاولة.
الحد الثاني هو اتساق معيار السيادة: ينبغي رفض الاعتداء الإيراني على الخليج، والتعديات الإسرائيلية على الأراضي العربية، وتحويل الجماعات المسلحة إلى أدوات تتجاوز قرار الدولة. لا يستقيم أمن عربي يعرّف السيادة بحسب هوية المعتدي، أو يستثني فلسطين ولبنان وسوريا واليمن من نعمة الاستقرار.
الحد الثالث هو أمن السكان: تميّزت دول الخليج العربي في توسيع مظلة الأمان الاجتماعي - الاقتصادي - الأمني لمواطنيها، رغم الاختراقات التي حققتها الاعتداءات الحوثية السافرة على الرياض مثلاً. فالحماية المدنية والثقة العامة وقدرة الاقتصاد على الاستمرار عناصر في القوة الوطنية، لا ملفات تكميلية تُبحث بعد انتهاء العمليات.
لا ينبغي أن تنتهي المراجعة إلى مشروع لمواجهة دائمة مع إيران. فالمطلوب قدرة تمنع الاعتداء وتجعل التفاوض أكثر توازناً، ثم ترتيبات قابلة للتحقق بشأن الملاحة وعدم استهداف البنى المدنية واحترام السيادة. فالردع يوفر الحماية للمسار السياسي، والمسار السياسي يمنح الردع غاية تتجاوز الاستعداد للحرب التالية.
من التعهدات الدفاعية إلى قدرة عربية قابلة للاختبار
البداية العملية ممكنة قبل الوصول إلى تسوية إقليمية كبرى: البناء على شبكات الإنذار والتعاون القائمة، وسد فجوات تبادل المعلومات، ووضع ترتيبات معلنة للمساندة عند الاعتداء، وتطوير مخزونات وقدرات صيانة وإصلاح مشتركة. ويجب أن تكون مسؤوليات القرار والتمويل واضحة، حتى لا يتوقف التنفيذ عند أول خلاف. وتحتاج منظومة أمن الطاقة إلى معايير خليجية لحماية المنشآت واستعادة تشغيلها، وخطط مشتركة للمياه والكهرباء والطيران والتجارة. كما تحتاج الشراكة مع واشنطن إلى تحديد مسبق لما يشمله الدفاع وما لا يشمله، وآليات التشاور قبل عمليات يمكن أن تنقل التصعيد إلى الأراضي العربية.
سياسياً، ينبغي أن تتجه القوة العربية المشتركة إلى حماية الدول ومنع توسع الحرب وفرض حضور مصالحها في التفاوض. فعدد الضربات التي يشارك فيها الحلفاء ليس المقياس الوحيد للالتزام، فالأهم هو انخفاض قدرة المعتدي على الإضرار بالمجتمعات، وارتفاع قدرة هذه المجتمعات على الصمود والاستمرار والتعافي.
هنا تستعيد رسالة محمد بن راشد موقعها أساساً للمعالجة: إدارة الخلاف شرط للعمل المشترك، والمؤسسات هي التي تمنح التقارب قدرة على الاستمرار وقت الأزمات. ويضع الموقف المصري هذه الفكرة أمام اختبار عربي عملي: هل تستطيع الدول تحويل المصالح المتشابكة إلى مسؤوليات دفاعية واضحة، من دون انتظار تطابق سياساتها أو اكتمال إجماع إقليمي؟
تبقى الولايات المتحدة شريكاً أساسياً، وتبقى الصين وغيرها مصادر فرص وتأثير. لكن حدود الأمن العربي ستتحدد بقدر ما يمتلك العرب من قدرة على حماية مصالحهم وصوغ التسويات التي تمسهم. تبدأ هذه القدرة من خليج لا تسمح دوله للخلاف بأن يعطل حماية بعضها، وتمتد إلى عمق عربي، تتقدم فيه مصر، يربط التضامن بأدوات التنفيذ. عندها يصبح العرب شركاء في صنع الاستقرار، لا ممولين لكلفته ومنتظرين لقرار حمايتهم.
المصدر: النهار