هل تستطيع المدن خفض التلوث الضوئي؟
الفكرة الأساسية: نعم، تستطيع المدن خفض التلوث الضوئي من دون تعتيم شوارعها، إذا فرّقت بين الضوء الذي يحتاج إليه الناس والضوء الذي يتسرّب إلى السماء والنوافذ والموائل الطبيعية. الحلّ يجمع إطفاء الإنارة غير الضرورية، وتوجيه المصابيح نحو الأرض، وتنظيم سطوع اللوحات والواجهات ومواعيد تشغيلها، مع إبقاء الرؤية الآمنة أولوية في تصميم الطرق والأرصفة. لماذا يهمّ؟ الإضاءة الليلية تتجاوز فاتورة الكهرباء، فهي تجذب الطيور المهاجرة وتربكها، وتؤثر في الحشرات، وتحجب النجوم. والمفارقة أن استبدال المصابيح القديمة بأخرى اقتصادية قد يخفض استهلاك الطاقة، لكنه لا يضمن تراجع التلوث الضوئي إذا زاد عدد المصابيح أو سطوعها أو امتدت ساعات تشغيلها. هكذا يمكن أن تتحول وفورات الكفاءة إلى مبرر لإضافة مزيد من الضوء. بالأرقام — تجربة توسان: استبدلت هذه المدينة الأميركية نحو 18 ألف مصباح شارع بتقنية "ليد" (LED) خلال 2016–2017، تزامناً مع خفض إجمالي الضوء الصادر عن المنظومة بنحو 63%. هذه نسبة انخفاض التدفق الضوئي وليست نسبة توفير الكهرباء. وقدّر الباحثون تراجع الإشعاع الضوئي المتجه صعوداً من المدينة بنحو 7%، بينما بقيت نتائج قياس توهج السماء متفاوتة بين المواقع. الخاصة من ذلك هي أن تحديث المصابيح يمكن أن يساعد، لكن أثره يحتاج إلى قياس، ولا يشمل تلقائياً إنارة العقارات والإعلانات. - الإطفاء الانتقائي: إطفاء المكاتب الفارغة والزينة بعد انتهاء الحاجة إليها يزيل استهلاكها خلال ساعات الإطفاء. حسابياً، إطفاء تجهيز قدرته كيلوواط واحد خمس ساعات يوفر خمسة كيلوواط ساعة يومياً؛ وهذا مثال حسابي، لا نتيجة تجربة بلدية. - توجيه الإنارة: استخدام وحدات محجوبة من الأعلى يحدّ من تسرب الضوء إلى السماء والمنازل. لكن التوجيه وحده لا يخفض استهلاك الكهرباء ما لم يسمح بتقليل القدرة أو عدد المصابيح. - التحكم والتوقيت: مؤقتات وحساسات وتعتيم ملائم للحركة، مع اختيار ضوء دافئ وتجنب السطوع الزائد. وهذه تتوافق مع مبادئ "دارك سكاي" وجمعية هندسة الإضاءة للإنارة المسؤولة. الطيور — مكسب قابل للتقدير: حللت دراسة منشورة في عام 2021 بيانات اصطدام الطيور بمركز "ماكورميك بلايس" في شيكاغو طوال 21 عاماً. وقدّرت أن تقليل مساحة النوافذ المضاءة إلى أدنى المستويات المسجلة تاريخياً يمكن أن يخفض النفوق بنحو 60% في هذا الموقع. النسبة تقدير مبني على نموذج، وليست نتيجة مضمونة لكل مدينة. وتدعم الدراسة إطفاء إنارة المباني غير الضرورية، خصوصاً في ليالي الهجرة الكثيفة، حين تتجمع عوامل الخطر. الحشرات — الضرر يتجاوز التجمع حول المصباح: وجدت دراسة بريطانية منشورة في "ساينس أدفانسز" في عام 2021 أن وفرة يرقات العث كانت أقل بنسبة 47% في الأسيجة النباتية المضاءة، و33% في الحواف العشبية، مقارنة بمواقع مماثلة غير مضاءة. هذه نتائج محلية تخص يرقات العث، ولا تعني انخفاض جميع الحشرات بهذه النسب. لكنها تظهر أن الأثر قد يصل إلى نمو الحشرات ووفرتها، بما ينعكس على وظائفها البيئية والغذاء المتاح لكائنات أخرى. اللوحات والواجهات — تنظيم منفصل: تقدم فرنسا نموذجاً لتقييد الإنارة التجارية، فتُطفأ واجهات عرض المتاجر عند الواحدة صباحاً كحد أقصى، أو بعد ساعة من انتهاء إشغال المكان إذا استمر لاحقاً، مع ضوابط لإعادة تشغيلها. وتخضع الإعلانات واللافتات المضيئة لقواعد إطفاء واستثناءات محددة. الفكرة القابلة للنقل إلى مدن أخرى هي فصل الحاجة التجارية إلى الظهور عن الحاجة العامة إلى إنارة الطريق، فلا تبقى الشاشة الإعلانية مضاءة لمجرد أن الشارع يعمل. الحلّ يجمع إطفاء الإنارة غير الضرورية، وتوجيه المصابيح نحو الأرض، وتنظيم سطوع اللوحات والواجهات ومواعيد تشغيلها، مع إبقاء الرؤية الآمنة أولوية في تصميم الطرق والأرصفة سؤال الأمان: دراسة شملت 62 سلطة محلية في إنكلترا وويلز، باستخدام بيانات 2000–2013، لم تجد أدلة قوية على أن استراتيجيات خفض إنارة الشوارع ارتبطت بزيادة الحوادث أو الجريمة. لكنها لا تثبت أن الإطفاء آمن في كل موقع، ولا تختزل شعور السكان بالأمان في سجلات الشرطة. ما ينبغي مراقبته: تبدأ الخطة المقترحة بتجربة محدودة تحافظ على إنارة المعابر والتقاطعات والأرصفة ومحطات النقل، وتخفض الفائض تدريجياً. ويُقاس نجاحها باستهلاك الكهرباء، والرؤية والوهج، والحوادث وشكاوى السكان، ورصد الطيور والحشرات. بذلك، يصبح القرار قابلاً للتعديل وفق النتائج الفعلية لكل حي.
المصدر: النهار