شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مخلوقات الله الحيّة.. عقول لا تشبه عقولنا

مخلوقات الله الحيّة.. عقول لا تشبه عقولنا

سُلطان بن خلفان اليحيائي كلما تأملنا مخلوقات الله اكتشفنا أسرارًا في هذا الكون تتجاوز تصوراتنا. فهناك مخلوقات صغيرة لا تتحدث لغتنا ولا تملك أدواتنا، لكنها تهتدي وتتواصل وتبني وتحذّر وتتكيف مع ما يحيط بها، بل تمتلك قدرات يعجز الإنسان عن محاكاتها إلا بالعلم والتجربة. فهل نعرف من أسرارها ما يبرر استهانتنا بها لمجرد أنها لا تشبهنا؟ لقد أودع الله في مخلوقاته من الهداية والقدرات ما يعينها على العيش والتعامل مع الأخطار المحيطة بها. وفي القرآن الكريم شواهد تدعونا إلى التأمل في هذه المخلوقات وما وهبها الله من خصائص تستحق النظر والتدبر. ففي سورة المائدة نقرأ قصة الغراب الذي كان سببًا في تعليم ابن آدم كيف يواري جسد أخيه. وفي سورة النحل نتأمل ما أودعه الله في النحل من هداية ودقة في بناء بيوته والاهتداء إلى غذائه. وفي سورة النمل نقرأ عن النملة التي حذّرت جماعتها من خطر قادم، وعن الهدهد الذي نقل إلى سليمان عليه السلام خبر سبأ. ويكشف هذان المشهدان عن صور من التواصل والاستجابة ونقل المعلومات. وفي سورة الحج يضرب الله مثلًا بالذباب ليبيّن عجز ما يُدعى من دونه عن خلقه واسترداد ما يسلبه. أما في سورة العنكبوت فيأتي مثل بيت العنكبوت ليكشف أن ما يتخذه الإنسان سندًا وحماية قد يكون أوهن مما يظن، وأن المظاهر لا تكفي للحكم على حقيقة القوة. هذه المخلوقات ليست نسخًا مصغّرة من الإنسان، ولا يمكن قياس قدراتها بمقياس واحد. فقد أودع الله في كل منها خصائص تناسب طبيعتها وحياتها، وربما امتلك بعضها قدرات يعجز الإنسان عن فهمها أو محاكاتها رغم ما بلغه من علم وتقدم. وليس من الحكمة أن نجعل اختلافها عنّا سببًا للاستهانة بها، أو أن يغتر الإنسان بما أُوتي من عقل وينسى أن معرفته، مهما اتسعت، تظل محدودة أمام أسرار الخلق. ولعل ما يستحق التأمل أن هذه المخلوقات تتعامل مع الأخطار بما وهبها الله من هداية وإدراك. فهي تحذّر وتستجيب وتبحث عن أسباب البقاء وتتجنب ما يهددها. وكأنها تقول لنا إن النجاة لا تعتمد على امتلاك قدرات كبيرة بقدر ما تعتمد على حسن استخدامها. وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة؛ فالإنسان الذي كرّمه الله بالعقل، ومنحه القدرة على التعلم والتخطيط وتقدير العواقب، قد يستخدم هذه القدرات في اتجاه يخالف الرحمة والعدل، ثم يمضي في طريق يعرف أنه يقوده إلى الخراب. نرى بشرًا يُحسنون قراءة الخرائط وحساب المصالح، لكنهم يغفلون عما تخفيه تلك الخرائط من بيوت تُمحى وأرواح تُزهق وأجيال تُترك لمصير مجهول.ويزداد المشهد قسوة عندما تتحول أموال الأقوياء ونفوذهم إلى دعم لمن يبطش بالآخرين، أو يصبح الصمت ستارًا يحجب الجريمة، أو تُقدَّم التبعية للغريب على أنها حكمة سياسية. ونرى إخوة تجمعهم الأرض واللغة والتاريخ، فإذا بهم يوجهون أسلحتهم إلى صدور بعضهم بعضًا، ويستنزفون مواردهم في اقتتال لا يخلّف إلا مزيدًا من الدمار. وفي المقابل، يجد العدو المتربص في انقسامهم فرصة، وفي ضعفهم منفذًا، وفي انشغالهم بصراعاتهم مجالًا لتوسيع نفوذه وإحكام قبضته. أيّ مفارقة أشد من أن تستطيع بعض المخلوقات الصغيرة تجنّب الأخطار التي تواجهها، بينما يملك الإنسان من العلم والخبرة ما يكفي لإدراك عواقب أفعاله، ثم يختار طريقًا يزيده هلاكًا؟ وأيّ عقل هذا الذي يحسن حساب المكاسب العاجلة ويغفل عن الثمن البعيد؟ وأيّ حكمة في تمويل الصراع بين الإخوة، أو تسهيل العدوان على الأبرياء، أو الخضوع لإرادة الغريب وتصوير ذلك على أنه خيار سياسي لا بديل عنه؟ هنا تتجاوز المسألة حدود الذكاء إلى كيفية استخدامه. فليست المشكلة دائمًا في عين لا ترى أو أذن لا تسمع، بل قد تكون في قلب لا يتعظ بما يرى ويسمع. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. تضعنا هذه الآية أمام مسؤولية الإنسان عن الانتفاع بما وهبه الله من إدراك؛ فامتلاك الحواس لا يعني حسن استخدامها، والمعرفة لا تحقق غايتها إذا لم تدفع صاحبها إلى فهم الحقائق والتفكير في عواقب أفعاله. وليس المقصود الانتقاص من المخلوقات، بل التحذير من أن يمتلك الإنسان وسائل الفهم ثم لا ينتفع بها في مواقفه وقراراته. ويأتي المعنى واضحًا في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. أما الإنسان فلا ترفعه عروش عالية، ولا تغنيه كثرة الأموال إذا استخدم ذكاءه لتبرير الظلم وجعل مصالحه غطاءً للقتل، أو رأى إخوته يتقاتلون فزاد الصراع بينهم بدلًا من أن يسعى إلى إيقافه. وقد تبدو بعض المخلوقات محدودة القدرات في نظرنا، لكن الله هداها إلى ما يعينها على البقاء وتجنّب الأخطار، بينما قد ينحدر الإنسان، رغم ما أُوتي من عقل وعلم، إلى سلوك يبعده عن الحكمة والرشد. وهنا تتجلى خطورة تعطيل العقل عن إدراك الحق والانتفاع به. إن قيمة العقل لا تُقاس بما يملكه من معلومات فحسب، بل بما ينتج عنه من مواقف وقرارات. فهل نستخدم ما وهبنا الله لحماية الحياة وإقامة العدل، أم نبرع في الحساب حتى نحسن تبرير ما لا يليق بالإنسان؟ ويأتي التوجيه الرباني ليضع الإنسان أمام حقيقة ضعفه مهما بلغ من قوة أو علم أو مال، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وتلك هي العبرة التي ينبغي للإنسان أن يدركها من تأمله في مخلوقات الله؛ فلا يغتر بما أوتي من عقل وعلم وقوة، ولا ينسَ أن الغرور قد يعمي صاحبه عن الحق ويقوده إلى عاقبة وخيمة. فيا أيها المغرور بما أوتيت من عقل وعلم وقوة، عُد إلى رشدك وأحسن استخدام ما وهبك الله من قدرات، ولا تستصغر مخلوقاته لمجرد أنها لا تشبهك أو لا تملك ما تملكه. فقد تسبقك مخلوقات تراها ضئيلة بحسن تصرفها فيما هُديت إليه، بينما تتعثر أنت بما تملكه من عقل حين تسخّره في الإضرار بنفسك وبغيرك. تأملها بتواضع، وتعلّم من طرائقها ما يوقظ فيك الحكمة وحسن التدبير، لعلّك تدرك أن العبرة ليست بكثرة ما تملك من قدرات، بل بكيفية توظيفها في حفظ الحياة وتجنّب المهالك. وأحسن التمعّن والتفكّر فيما أودعه الخالق الحكيم في هذه المخلوقات من آيات ودلالات، فلعلّها توقظك من غفلتك وتبدّد ما شوّش فكرك، وتعيدك إلى النظر في الكون وفي نفسك بعين المتأمل المتواضع، لا بعين المتعالي المغرور، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

المصدر: الرؤية