مع تصاعد التهديد الحوثي للسعودية.. هل تدخل الفصائل العراقية على خط المواجهة؟
بينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية تستهدف منشآت نفطية ومطارات داخل السعودية، كان رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يصل إلى الرياض، حاملاً تعهداً بعدم السماح باستخدام أراضي بلاده لشن هجمات على المملكة، في زيارة غلب عليها الطابع الأمني، وقد تعكس قلقاً لدى صانع القرار السعودي من احتمال دخول الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران على خط التصعيد الحوثي مجدداً، وتكرار سيناريو الهجمات التي سبق أن استهدفت المملكة ونُسب إطلاقها إلى الأراضي العراقية. وخلال لقائه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الأربعاء، أكد الزيدي التزام حكومته "بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي اعتداءات أو أعمال تمس أمن المملكة ودول المنطقة"، فيما شدد ولي العهد السعودي على أهمية تعزيز التنسيق الأمني بين البلدين، وفق وكالة الأنباء السعودية "واس"، وذلك عقب سلسلة من الهجمات الحوثية على منشآت حيوية سعودية، أبرزها مطار الملك خالد الدولي بالرياض، الذي أدان رئيس الوزراء العراقي استهدافه. وفي تطور لافت بعد أسبوع من الزيارة، نقلت قناة "الحرة"، اليوم الأربعاء، عن مصادر حكومية عراقية أن الزيدي أصدر قراراً بإغلاق مكاتب جماعة الحوثي في العراق، وإبعاد الشخصيات التابعة لها الموجودة في البلاد بصورة غير قانونية. وسبقت الزيارة مباحثات أمنية أجراها رئيس جهاز الاستخبارات العامة السعودي خالد الحميدان في بغداد، خلال أغسطس/آب الماضي، تناولت التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وشهدت تأكيدات عراقية مماثلة بمنع استخدام أراضي البلاد لشن هجمات على دول الجوار. وتستند المخاوف من انخراط الفصائل العراقية في التصعيد الحوثي إلى سوابق عملياتية كشفت عنها تقارير دولية وتحقيقات أمنية عراقية خلال الأشهر الماضية، تضمنت هجمات انطلقت من العراق، ومعلومات عن مشاركة عناصر حوثية وشبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في التخطيط والتنفيذ، وهو مسار تبرز خطورته في إمكانية تجدد الهجمات من أذرع إيران في العراق واليمن، عبر خلايا مشتركة قد تعمل خارج الهياكل القيادية المعلنة للفصائل، ما يوسع نطاق المواجهة ويضع قدرة بغداد على ضبط أراضيها أمام اختبار جديد. ففي 30 يوليو/تموز الماضي، كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن مسؤولين إقليميين وتقييمات أمنية سعودية، أن عناصر من جماعة الحوثي شاركوا في هجمات على السعودية انطلقت من الأراضي العراقية، بالتنسيق مع جماعات مسلحة عراقية وتحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، وذلك عقب هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية سعودية في المنطقة الشرقية، أعقبتها ضربات سعودية أميركية مشتركة على مواقع لفصائل مسلحة داخل العراق، وبينما تبنى الحوثيون الهجمات، حمّلت الرياض رسمياً جماعات عراقية مرتبطة بإيران المسؤولية عنها، في حين أعلنت بغداد فتح تحقيق. ومثلت المعلومات التي أوردتها رويترز تطوراً في طبيعة العلاقة العسكرية بين الحوثيين والفصائل العراقية، إذ أشارت إلى مشاركة مباشرة في عمليات ضد السعودية، تتجاوز العلاقات السياسية والتدريب وتبادل الخبرات التي كانت معروفة خلال السنوات السابقة. وفي السابع من أغسطس/آب، نقلت شبكة CNN ورويترز عن مسؤول سعودي كبير تحذيرات تستند إلى معلومات استخباراتية سعودية وأميركية وإقليمية بشأن استعداد فصائل عراقية لتنفيذ هجمات منسقة مع الحوثيين ضد المملكة، بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، مسيراً إلى رصد اجتماعات ضمت عناصر عراقية وحوثية وأخرى من الحرس الثوري، إلى جانب تحركات للصواريخ والطائرات المسيّرة، واحتمال استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات عبر هجمات متزامنة من شمال المملكة وجنوبها. وجاء التطور الأبرز في العاشر من سبتمبر/أيلول، عندما استهدفت طائرات مسيّرة خط أنابيب النفط السعودي "شرق - غرب"، الذي يربط حقول النفط شرقي المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، ما أدى إلى تعليق تشغيل الخط مؤقتاً، وهو هجوم اكتسب أهمية استراتيجية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الخط في نقل النفط السعودي بعيداً عن مضيق هرمز، خصوصاً مع الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة في الخليج خلال الحرب الإقليمية. وأكدت السلطات العراقية أن الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجوم انطلقت من محافظة ميسان جنوبي البلاد، وأعلنت فتح تحقيق أمني وإعفاء قيادات أمنية في المحافظة، بينها قائد العمليات، وإحالة مسؤولين آخرين إلى التحقيق. وفي 28 سبتمبر، كشف تحقيق نشره "العربي الجديد"، استناداً إلى ثلاثة مسؤولين عراقيين في جهات أمنية ورسمية، عن نتائج أولية أكثر تفصيلاً، أفادت بوقوف مجموعة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والحوثيين وراء الهجوم، بالتعاون مع عناصر من فصيل عراقي مسلح. وبحسب المسؤولين، أطلقت أكثر من 15 طائرة مسيّرة مفخخة بصورة متزامنة من منطقة الطيب الحدودية بمحافظة ميسان، بعد دخول العناصر المنفذة إلى العراق من إيران بصورة غير قانونية، بمساعدة خلايا محلية وفرت التسهيلات اللازمة لتنفيذ العملية، قبل عودة المنفذين إلى الأراضي الإيرانية. ونقل التحقيق عن أحد المسؤولين أن العناصر العراقية التي ساعدت المجموعة ترتبط بفصيل مسلح معروف، لكن قيادته لم تكن على علم مسبق بالعملية، ولم تشارك في التخطيط أو التنفيذ، كما تحدثت المصادر عن إبلاغ طهران بنتائج التحقيقات، وتحركات عراقية لطلب مغادرة ممثلية الحوثيين من البلاد، وسط ضغوط سياسية لثني الحكومة عن اتخاذ هذا الإجراء. وتكشف هذه المعلومات عن نمط عملياتي أكثر تعقيداً، يقوم على استخدام مجموعات محدودة وخلايا عابرة للحدود تتعاون مع عناصر داخل العراق، دون اشتراط مشاركة التشكيلات المسلحة المعروفة بكامل بنيتها التنظيمية أو إعلان مسؤوليتها عن العمليات، وهي تفاصيل تكتسب أهمية في ضوء النفي الذي صدر عن فصائل عراقية بشأن ضلوعها في هجمات سابقة. وفي أعقاب هجوم سبتمبر، أعلنت السعودية أنها آثرت عدم الرد العسكري المباشر استجابة لطلب رئيس الوزراء العراقي إتاحة الفرصة لحكومته لمنع تكرار الاعتداءات، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها. وفي وقت سابق، ، نقلت قناة "الحرة"، الأربعاء، عن مصادر حكومية عراقية مطلعة، أن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أصدر قراراً بإغلاق مكاتب جماعة الحوثي في العراق، يشمل إبعاد أي شخصيات تابعة للجماعة توجد في البلاد بصورة غير قانونية وتنشط مع الفصائل المسلحة. ولم تكشف المصادر عن هويتها لعدم تخويلها التصريح لوسائل الإعلام. ويعيد هذا النمط إلى الواجهة سوابق أقدم، بينها الهجوم الذي استهدف خط النفط السعودي في مايو/أيار 2019، وتبنته جماعة الحوثي، بينما أشارت تقييمات استخباراتية أميركية إلى احتمال انطلاقه من العراق، وهو ما نفته بغداد آنذاك، فيما أعلنت جماعة عراقية تطلق على نفسها "ألوية الوعد الحق" مسؤوليتها عن هجوم بطائرات مسيّرة على الرياض في يناير/كانون الثاني 2021. وتعود جذور التنسيق العسكري بين الحوثيين والفصائل العراقية إلى سنوات سابقة، قبل أن يشهد تحولاً نوعياً خلال الحرب على غزة، وينتقل التعاون بين الطرفين من العلاقات السياسية والمالية إلى التنسيق العملياتي المباشر، والذي أعلن عنه زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في مايو/أيار 2024، قبل أن تعلن الجماعة والفصائل العراقية تنفيذ عمليات مشتركة ضد أهداف إسرائيلية في يونيو/حزيران من العام نفسه. وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ضوء ما كشفته تقارير دولية وتحقيقات عراقية خلال عام 2026 عن امتداد التنسيق إلى هجمات استهدفت السعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية. ومؤخرا أعلنت كتائب حزب الله العراقية، في بيان أصدرته في 12 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تأييدها العمليات العسكرية الحوثية ضد السعودية، مؤكدة وقوف ما وصفته بالمقاومة الإسلامية في العراق إلى جانب الجماعة، وذلك بعد الهجمات على مطار الرياض ومنشآت نفطية سعودية. وفي الداخل اليمني، تواصل جماعة الحوثي حشد المقاتلين والتعزيزات العسكرية في محافظة صعدة والمناطق المحاذية للحدود السعودية، وسط تقديرات عسكرية باحتمال توسيع المواجهة إلى عمليات برية تستهدف المناطق الحدودية في المملكة، بالتزامن مع استمرار الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة. وتثير هذه التحركات تساؤلات بشأن طبيعة الإسناد الذي قد تسعى الجماعة للحصول عليه من حلفائها العراقيين إذا اتسعت المواجهة، وفي هذا السياق، يؤكد الصحافي والباحث المتخصص في شؤون الحوثيين عدنان الجبرني، في تصريح خاص لـ"المصدر أونلاين"، أن الفصائل العراقية تدخل ضمن الحسابات العسكرية للحوثيين، في ظل مستوى متقدم من التنسيق بين الطرفين، تطور من التعاون عبر الحرس الثوري الإيراني إلى علاقات عملياتية مباشرة. ويوضح الجبرني أن الحرب على غزة شكلت محطة مهمة في تطور هذا التنسيق، من خلال إنشاء غرفة عمليات مشتركة وتبادل الخبرات والتدريب العسكري، مشيراً إلى وجود عناصر حوثية في معسكرات عراقية، وانتقال عناصر من كتائب حزب الله إلى صنعاء للتدريب في بعض المجالات العسكرية. ويرى أن أي تصعيد واسع ضد السعودية يحتاج إلى ضوء أخضر إيراني، حتى لو تولت الفصائل العراقية والحوثيون تنفيذ الهجمات، باعتبار أن قرار توسيع المواجهة يرتبط بحسابات إقليمية أوسع وتقدير طهران للكلفة المترتبة عليه. ويربط الجبرني بين الهجمات السابقة التي انطلقت من العراق باتجاه المنشآت النفطية السعودية وبين ما يصفه برسائل تصعيد مبكرة وجهتها الفصائل العراقية والحوثيون، ومن ورائهما إيران، إلى المملكة. لكنه يعتبر أن الرد العسكري السعودي والتحركات الأمنية والدبلوماسية مع بغداد، بما فيها زيارة رئيس الاستخبارات السعودية إلى العراق، ثم زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الرياض، أسهمت في إيجاد حالة من الردع لدى الفصائل المسلحة، إلى جانب الضغوط التي مارستها الحكومة العراقية لمنع انخراطها في المواجهة. ويعتقد الجبرني أن هذه الضغوط ربما أدت إلى تأجيل تحرك عسكري أوسع للفصائل العراقية، دون أن تنهي احتماله، خصوصاً إذا تعرض الحوثيون لضغوط ميدانية كبيرة، أو تراجع مستوى الضغط المفروض على تلك الفصائل. من جهته، يرى الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة الموصل، والمتخصص في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية، الدكتور فراس إلياس، أن احتمال تدخل بعض الفصائل المسلحة العراقية في المواجهة يبقى قائماً، لكنه يؤكد أن ذلك "لا يعني بالضرورة وجود قرار بفتح جبهة عسكرية جديدة"، مشيراً إلى أن الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي إلى تقديم إسناد عسكري مباشر أو غير مباشر تحكمه حسابات إيرانية وإقليمية معقدة. ويحذر إلياس، في تحليل نشره على حسابه بمنصة "إكس"، من أن بعض الفصائل قد تنظر إلى التصعيد اليمني باعتباره فرصة لإعادة تفعيل معادلة "وحدة الساحات"، خصوصاً إذا تعرض الحوثيون لانتكاسات ميدانية مؤثرة في تعز ومحيط باب المندب، وهو ما قد يضع العراق أمام مواجهة لا تتصل بمصالحه الوطنية، ويهدد علاقاته المتنامية مع السعودية. ويضيف أن إيران قد تجد في تحريك بعض حلفائها العراقيين وسيلة لتخفيف الضغط العسكري عن الحوثيين أو توسيع الضغط الإقليمي على الرياض وواشنطن دون الانخراط المباشر في المواجهة، لكنه يربط هذا الاحتمال بحسابات التصعيد وكلفته على طهران. ويعتبر إلياس أن الخطر الأكبر يتمثل في "احتمال تحويل الأراضي العراقية إلى جبهة إسناد عسكري ضد السعودية"، بما يضع العراق أمام اختبار لسيادة الدولة وقدرة حكومته على منع استخدام أراضيه في الصراعات الإقليمية. وتأتي هذه التقديرات في وقت تشهد فيه المواجهة بين السعودية والحوثيين تصعيداً متواصلاً، بعدما أعلنت الجماعة، الأربعاء، تنفيذ هجمات بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة على منشآت تابعة لشركة أرامكو في الظهران والرياض، إلى جانب مطار الملك خالد الدولي، ونقلت أسوشييتد برس عن مسؤولين إقليميين أن الهجوم ألحق أضراراً بمكاتب لكبار المسؤولين التنفيذيين في مقر أرامكو بالظهران. وتضع هذه التطورات بغداد أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على ترجمة تعهداتها السياسية إلى إجراءات تحول دون استخدام أراضيها في عمليات عسكرية، سواء نفذتها فصائل معروفة أو خلايا مشتركة تتحرك خارج تسلسلها القيادي المعلن، بينما تواجه الرياض احتمال اتساع التهديدات إلى أكثر من جبهة إذا تجددت الهجمات من العراق بالتزامن مع التصعيد الحوثي.
المصدر: المصدر أونلاين