في الطريق إلى برلين
مصعب الشيخ علي
في الطريقِ الواسعِ المدى،
والمركبةُ تهتزُّ بين ذراعَي السائق الفتيّتَين،
تُتمتمُ التعاويذ بين الشفاه، وتتردّدُ
في الصدورِ المُطبقةِ من الخوف،
خشيةَ المجهولِ الذي يقتحمُ بلا استئذان،
فتُقدَّمُ النذورُ، قرابين سلامةٍ لآلهةٍ لا تُرى،
للأرواحِ العالقةِ في الفراغِ، في الذاكرة،
كأنّ ظلَّ أدراسْتيا يمرُّ خفيفاً فوق الوجوه،
يُحصي ما تبقّى من رجاء.
وتمضي، تشقُّ فضاءَ العالمِ الرّتيب،
أضلاعٌ منهكة، مَعطوبةٌ حتى الأعماق،
تتنفّسُ عبقَ ربيعٍ مؤجَّل،
يتسرّبُ من خلفِ أكوامِ الصقيع،
على الشرفات، في أمسياتِ الشتاءِ الضائعة،
كأنّ بروميثيوس لم يترك لنا سوى شرارةٍ باهتةٍ
في رمادِ هذا البرد،
معلنةً لنهارٍ تفتحُ له أذرعها المقوّسة،
تستقبلُهُ بكلِّ ما فيها من ارتجاف،
مخزونٍ في عمقِ العظام،
المرميةِ في حُفَرِ الأجداثِ المهجورة،
في الشرقِ القريب – في بيروت،
في دمشق، على ضفافِ الأنهارِ في بغداد،
حيثُ يبكي الرضيعُ، ينادي: أماه،
بلغته التي لا تُترجَم، لغة الدموعِ والدماء.
أترانا نكبر؟ نودّعُ هذا المصابَ دفعةً واحدة؟
نمحو الدمعَ اليابسَ عن الوجنات،
ونضحكُ يوماً من الأعماق،
أو ينتهي بنا الطريق إلى النسيان؟
***
يهرعون، فرادى وجماعات، متعانقين،
يستقلّون عرباتِ الترام والمراكب،
يسلكون الدروبَ الطويلة نحو المقاعد الفارغة،
أمام خشباتِ المسارح، أمام شاشاتِ السينما،
أمام زجاجاتِ الباراتِ الفارغة،
كأنّهم يسيرون خلفَ لحنٍ فقدَ مصدره،
كأثرِ أورفيوس، حين ضاع صوتهُ في الأعماق.
يحيّون ويصفّقون، دامعي العيون،
للعرضِ الأخير، لا ليستدعوا الغد،
بل ليوقظوا جمرةً خامدةً في الأعماق،
جمرةَ الذاكرة، عن الشرق، عن المأساة،
عن وجوهٍ تفترشُ الرمل،
تقتاتُ الوحلَ وأوراقَ الأشجار،
زاداً مرميّاً لهم من بقايا الحياة،
قصيّاً، نائياً، على حافة العالم.
والحلم؛ يُترَكُ غافياً، أو يُنسى،
يُحزَمُ في حقائبِ النزوح والتّرحال،
من دارٍ إلى دار، إلى مضاربَ الخيام،
حيامٌ منسوجةٌ من جلد الإبل، من بقايا العالم،
من نفطٍ، من الحضارة القاتلة.
وتلتفُّ حولها أربابُ الفضيلة،
من الغرب، عيونُها الزرقاء تلتمع،
تذرفُ الدمعَ بسخاء، تصفّقُ، ترفعُ الرايات،
في قلبِ برلين؛ وسط الفوضى المُهذّبة،
تمرُّ كأغنيةٍ غجريّة، بأزيائها الملوّنة،
تنادي جموعاً من الصمّ والبُكم،
يغرقون بين صناديقِ الحوانيت،
يطربون على صكيكِ الحلقاتِ البرونزية.
"هناك، في البلادِ البعيدة،
خلف البحار،
إخوةٌ لنا من البشر –
أعدّوا لهم زاداً من الطعام،
وأرسلوهُ مع طيورِ الحديد،
بدلاً من صناديق الرَّصاص."
ويمرُّ الموكبُ، يعبرُ بزخارفه الرنّانة،
لا يوقظُ شيئاً من مشاعر متبلدةٍ
سوى الإزعاج.
والمركبةُ تتهاوى بنا وسط الليل والشوارع،
تبحثُ عن ركنٍ تُلقي فيه تعبها،
وعن أقرب مشربٍ رخيص،
حيثُ ترتفعُ الموسيقى الشعبية،
وتُعلّقُ صور القادة والثوّار،
على شاطئٍ بعيد، في الكاريبي،
حيثُ لا تزالُ الراياتُ الحمراء
ترفرفُ فوق سوارٍ من هواءٍ ثقيل،
وفي أكفّ السواعد، يلوّح بها في الشوارع،
بين المجاري، حيث الفقر والجريمة والمخدّرات،
هوية المدن الغارقة في عالمٍ آخر
يعيش مختلاً، مضطرباً، مثلنا نحن،
خلف المشارب، بحثاً عن توازن مفقود،
يعيد لنا خيطَ اتصال، مع هذه السيول من الأجساد
المندفعة في هذا العالم المترامي الأطراف.
***
وبرلينُ تتسلّلُ إلى أعماقِنا كأغنيةٍ قديمةٍ
تجرُّنا خلفها، بين أعمدةِ الحجرِ العتيقة،
تحت أسقفِ القصورِ والمعابدِ والمتاحف،
وعند بواباتِ النصرِ القائمةِ كالأشباح،
من عصورٍ غابرةٍ لا تعود،
كأنّها بقايا حلمٍ للإمبراطورية.
والخُضرةُ على الأغصان، تزيدُها بهاءً مُريباً،
والزهرُ الملوّنُ بين الأرصفة، في الحدائقِ الواسعة،
يستدرجُ العابرين، كابتسامةٍ خادعة،
كمرآةِ نارسيس حين يغرقُ في صورته.
ونحن؛ العابرون بلا وجهة، ننتشي،
ونغرقُ في حنينٍ لأماكن كثيرة مفقودة.
المصدر: النهار