شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بعلبك - الهرمل في السرايا: حين يكسر البقاع عزلة الهامش بلغة الدولة

بعلبك - الهرمل في السرايا: حين يكسر البقاع عزلة الهامش بلغة الدولة

لم يكن مشهد أروقة السرايا الحكومية، خلال استقبال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام يوم أمس وفداً موسعاً من فعاليات وعشائر بعلبك، والبقاع الشمالي، وعرسال، والقاع، ودير الأحمر، وشليفا، وبريتال مجرد محطة بروتوكولية في ألبوم الوفود المناطقية التقليدية. فالحدث، بحمولته الوطنية والتنوعية، اختزل تحولاً فارقاً في منهجية التعاطي البقاعي مع السلطة المركزية، معلناً الانتقال من زمن "الزبائنية الفردية" والمراجعات الضيقة إلى زمن النضال المؤسساتي الجامع الذي يضع الدولة أمام التزاماتها البنيوية.فقد حمل الوفد، الذي ضم نحو 55 شخصية عابرة للاصطفافات الطائفية والمناطقية، مذكرة مطالب موحدة لم تقف عند حدود الشكوى الإنمائية، بل غاصت في جراحة الأزمات الهيكلية للمحافظة؛ وفي صدارتها تسوية الملف العقاري الشائك ونقل ملكيات الأراضي المتوارثة منذ عقود لتطويق النزاعات العائلية، وتسهيل رخص البناء والآبار الزراعية، وإصدار المراسيم التطبيقية لزراعة القنب الطبي، وصولاً إلى تعزيز الجهاز القضائي وإنشاء مجمع موحد للدوائر الرسمية ومؤسسة مياه مستقلة للمحافظة.استقبال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وفداً موسعاً من فعاليات وعشائر بعلبك.هذا التحول الميداني يعكس نضجاً في الوعي الاجتماعي بالمنطقة، وهو ما اختصره الأستاذ طارق دندش لـ "النهار" برصدٍ مكثّف حين أكد أنها: "أول تجربة يتجه فيها أبناء المنطقة متّحدين حول مطلبٍ واحد وبصفٍّ متماسك، بعد أن كانت الزيارات سلفاً تقتصر على مطالب شخصية ضيقة لا تُقدّم ولا تؤخّر"، محذراً من أن غياب يد الدولة عن حل الملف العقاري المعقد منذ 60 عاماً سيبقي الأهالي في دائرة الاستنزاف والنزاعات، ومتوقفاً عند التجاوب الحكومي المبشر بإطلاق مشروع نفق ضهر البيدر قريباً.وفي عمق القراءة السياسية للعلاقة الشائكة بين الطرف والمركز، جاء موقف الاستاذ هيثم الدبس ليضع اليد على أصل الأزمة التاريخية، مؤكداً أن حشد كل أطياف المنطقة وعائلاتها جاء ليحقق هدفاً جوهرياً وهو: "بناء ثقة مفقودة مع الدولة اللبنانية، إذ لم نعتد في هذه المنطقة على رؤية الدولة إلا من خلال الجابي والشرطي"، مكرساً منطق التمسك بمؤسسات الشرعية والقضاء والإنماء كمرجعية حصرية للبقاعيين.استقبال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وفداً موسعاً من فعاليات وعشائر بعلبك.وعلى المستوى الإجرائي، تقاطعت المطالب مع رؤية معمارية لهيبة الدولة عبر عنها المحامي ميشال ضاهر، الذي توقف عند البُعد التنفيذي للزيارة لافتاً إلى أن: "أهم ما تمخض عن اللقاء هو التعهد الجدي والرسمي لدولة الرئيس سلام بتلزيم نفق ضهر البيدر وتحديد موعد المناقصة في العاشر من تشرين الثاني المقبل"، ومؤكداً أن المطالبة بمجمع موحد للعدلية والسرايا وبمؤسسة مياه مستقلة تهدف إلى تجسيد الحضور المادي للدولة في منطقة متمسكة بالوحدة الوطنية.أمام هذا الطرح المكتمل، التقاط رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام الإشارة بالإعلان عن سلسلة خطوات تشمل فض عروض نفق بيروت - البقاع في 10 تشرين الثاني، وتفعيل الهيئة الناظمة للقنب الهندي، وقرب تشغيل مطار القليعات، مشدداً على أن "الإنماء المتوازن" ليس خياراً بل هو شرط استقرار وبسط للسيادة.استقبال رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وفداً موسعاً من فعاليات وعشائر بعلبك. وبين مطالب البقاع الموحدة وتعهدات السرايا المحددة، تُفتح صفحة جديدة يُقاس نجاحها بمدى الالتزام الحكومي بالمهل الميدانية المعلنة.وبذلك، يكون أهالي بعلبك - الهرمل قد ألقوا الكرة في ملعب السلطة بأرقى أسلوب وطني جامع؛ ليبقى المحك الحقيقي والميداني رهناً بمدى التزام الحكومة بوعودها ومواعيدها المعلنة، ونقل العلاقة مع البقاع من خانة "الوعود الرسمية" إلى خانة "التنفيذ الفعلي".

المصدر: النهار