اتفاقية ليبيا وتركيا البحرية... هل تهزّ علاقات حفتر بمصر وأوروبا؟
بعد سنوات من رفض شرق ليبيا الاتفاق البحري مع تركيا، انقلب المشهد في بنغازي. البرلمان الذي عارض الاتفاقية وقطع العلاقات مع أنقرة صوّت بالإجماع على اعتمادها، في تحوّل يعزّز النفوذ التركي على ضفتي الانقسام الليبي، ويضع معسكر حفتر أمام حسابات إقليمية معقّدة. فالمكسب الذي حققته تركيا أثار اعتراضات حادة من مصر واليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي، فيما تتجه الأنظار إلى دور صدام حفتر في تمرير الاتفاقية، وما إذا كان التقارب مع أنقرة سيعيد رسم تحالفات شرق ليبيا.
وأعلن المتحدث باسم مجلس النواب عبد الله بليحق أن المجلس صوّت، الثلاثاء، بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم الموقّعة بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط. وألغى المجلس قراريه الصادرين عام 2020 برفض المصادقة على مذكرتي التفاهم وقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
ويأتي التحوّل بعد مسار قاده نائب قائد الجيش الوطني الليبي صدام حفتر لإعادة بناء العلاقات مع تركيا، بالتزامن مع تغيير رئاسة مجلس النواب ورحيل عقيلة صالح، أحد أبرز معارضي الاتفاقية، وانتخاب الصالحين عبدالنبي العبيدي خلفاً له، وهو شخصية سبق أن ترأست لجنة الصداقة البرلمانية الليبية – التركية.
لكن سرعة إقرار الاتفاقية أثارت تساؤلات بشأن الإجراءات البرلمانية. وينتقد رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، الخبير القانوني أحمد حمزة، في حديث لـ"النهار"، ما يصفه بغياب الشفافية، متسائلاً عن أسباب عدم بث الجلسة مباشرة، ومكان محضرها وكشف أسماء الحاضرين وعددهم، ومدى استيفاء النصاب القانوني.
ويحذّر حمزة من أن "القرارات الارتجالية وغير المدروسة" قد تخلّف تداعيات خطيرة على المشهد السياسي الهش، وتُقحم ليبيا في صراع إقليمي بالغ الخطورة، من دون تقدير كافٍ لمخاطره.
اعتراضات أوروبية ومصرية... وأنقرة ترحّب
تثير المصادقة تساؤلات حيال قدرة شرق ليبيا على تطوير علاقاته مع تركيا مع المحافظة على شراكاته التقليدية. وقبيل التصويت، التقى رئيس مجلس النواب الجديد القنصل العام اليوناني أثاناسيوس أناستوبولوس، وبحث معه تعزيز العلاقات الثنائية والهجرة غير النظامية، مؤكداً أن بلاده "لن تقبل أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية".
لكن الرد اليوناني على الاتفاقية جاء حاداً؛ إذ اعتبرت وزارة الخارجية أن المصادقة "أحادية وغير مؤسسة قانونياً"، مجددة موقف أثينا الرافض للمذكرة باعتبارها مخالفة للقانون الدولي للبحار. واتخذت قبرص موقفاً مماثلاً، ووصفت الاتفاقية بأنها "غير قانونية وباطلة ولاغية"، وتمس الحقوق السيادية لدول ثالثة.
وامتد الاعتراض إلى الاتحاد الأوروبي، إذ أعربت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن "الأسف الشديد" للمصادقة، مؤكدين أن الموقف الأوروبي منذ عام 2019 لم يتغير، وأن المذكرة تنتهك حقوق دول ثالثة وتخالف قانون البحار، وبالتالي فهي "باطلة ولا أثر لها".
وانضمت القاهرة إلى المعترضين، فأعلنت الخارجية المصرية أمس الأربعاء رفضها القاطع للتصديق، معتبرة المذكرة معدومة الأثر القانوني بالنسبة إلى مصر، وتمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. وأكدت احتفاظها بحق حماية مصالحها البحرية وفق القانون الدولي.
وتكتسب هذه الاعتراضات أهمية إضافية في ضوء اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقّع بين مصر واليونان عام 2020، وما يثيره التداخل بين التصورات المختلفة للحدود البحرية من خلافات بشأن موارد الطاقة والتنقيب في شرق المتوسط.
في المقابل، رحبت الرئاسة التركية بقرار مجلس النواب، معتبرة أنه يحمي الحقوق والمصالح المشتركة ويتيح تحديد مناطق الصلاحية البحرية على أساس عادل. وأجرى وزير الخارجية هاكان فيدان اتصالين برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وصدام حفتر، شكرهما خلالهما على قرار المجلس.
وتكشف هذه الاتصالات عن أهمية التحوّل بالنسبة إلى أنقرة، التي باتت قادرة على التعامل مع المؤسسات المتنافسة في شرق ليبيا وغربها بشأن ملف استراتيجي واحد. وتزامن التصويت مع لقاء جمع الدبيبة ورئيس جهاز المخابرات التركية إبراهيم قالن، تناول التطورات السياسية والأمنية وجهود الاستقرار وملف الهجرة.
وفي إشارة إلى محاولة الحفاظ على التوازنات الخارجية، استقبل رئيس مجلس النواب الجديد القنصل الإيطالي في بنغازي فيليبو كولومبو، أمس، مؤكداً أن الاتفاقية قرار سيادي لا يمس مصالح الدول الأخرى.

حسابات صدام حفتر... ومكاسب الاتفاقية وحدودها
يرى أستاذ القانون العام في الأكاديمية الليبية للدراسات الدكتور مجدي الشبعاني، في حديث لـ"النهار"، أن الموافقة "تمثل تطوراً سياسياً مهماً"، لأنها تقلّص الانقسام المؤسسي حيال قضية تمس سيادة الدولة ومصالحها الاستراتيجية. ويعتبر أن تقارب مواقف مؤسسات الشرق والغرب "يتيح بناء موقف وطني أكثر تماسكاً، ويحدّ من قدرة الأطراف الخارجية على استثمار التناقضات الليبية".
ويؤكد الشبعاني أن التقارب "يفتح المجال لإدارة العلاقات مع تركيا على قاعدة مؤسسية أوسع، مع بقاء الانقسام السياسي قائماً". كما يشدّد على أن الموافقة السياسية "لا تحسم التقييم القانوني والفني للترسيم، ولا تضمن تحقيق عوائد اقتصادية فورية".
من جهته، يعتبر الخبير القانوني عبد الله الديباني، في حديث لـ"النهار"، أن اعتماد الاتفاقية وسحب قرار مقاطعة تركيا "يمثلان تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية الليبية، ويعكسان اتجاهاً نحو تغليب المصلحة الوطنية على التجاذبات السياسية".
ويوضح الديباني أن الاتفاقية "تفتح المجال لتثبيت الحقوق الليبية وتعزيز فرص التنقيب والاستكشاف في شرق المتوسط"، لكنه يشترط وضع استراتيجية تنفيذية واضحة تضمن الندية والمصالح المتبادلة.
أما المحلل السياسي الليبي إبراهيم بلقاسم، فيقدّم قراءة ترتبط بطموحات صدام حفتر السياسية. ويقول لـ"النهار" إن الدفع نحو تمرير الاتفاقية "يمكن فهمه في إطار محاولة تحويل التقارب الاقتصادي والتعاون المتسارع مع أنقرة إلى مكاسب سياسية وعسكرية"، تشمل شراكة محتملة في مجال التسليح، والحصول على دعم تركي لمسار "4+4" الذي ترعاه الأمم المتحدة بهدف توحيد المؤسسات والدفع نحو الانتخابات.
ويربط بلقاسم هذه الحسابات بطموحات حفتر الابن إلى السلطة، في ظل التحركات السياسية المدعومة أميركياً لإعادة ترتيب المشهد الليبي. ويعتبر أن الخطوة "تعزّز موقعه لدى تركيا، لكنها قد تفتح باب توترات جديدة مع مصر والأطراف الأوروبية".
وتبرز هنا معضلة العلاقة بين المكاسب الداخلية والخارجية للاتفاقية. فالتقارب مع أنقرة يمنح معسكر الشرق فرصة توسيع خياراته في التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي، لكنه يفرض عليه إدارة خلافات بحرية وقانونية مع دول تربطها بليبيا علاقات استراتيجية ومصالح متشابكة.
ويشير بلقاسم إلى أن الاتفاقية "قد تفتح آفاقاً لمصالح اقتصادية كبيرة، لكنها تضع البلاد أيضاً في قلب التنافس الإقليمي في شرق المتوسط، ما يجعل إدارة تبعاتها التحدي الأبرز خلال المرحلة المقبلة".
وتبقى الحسابات السياسية لصدام حفتر محوراً أساسياً لفهم التحوّل. فالمضي في الانفتاح على تركيا يتيح له توسيع شبكة علاقاته الخارجية وتعزيز حضوره في الترتيبات السياسية المقبلة، فيما تتطلب المحافظة على علاقاته مع القاهرة والشركاء الأوروبيين مقاربة دقيقة للخلافات التي أثارتها المصادقة.
وعليه، فإن الوجهة المقبلة لشرق ليبيا ستتحدد بمدى قدرة قيادته على تحويل التفاهم مع أنقرة إلى شراكة قابلة للاستمرار، مع احتواء الاعتراضات الإقليمية والأوروبية. وبين الرهان على تركيا والحاجة إلى الحلفاء التقليديين، تتكشف حدود المناورة السياسية التي يخوضها معسكر حفتر.
المصدر: النهار