شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ميخائيل نعيمه... أكان أحقّ بنوبل من كثيرين؟

ميخائيل نعيمه... أكان أحقّ بنوبل من كثيرين؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} فاروق غانم خداج بمناسبة ذكرى ميلاده في 17 تشرين الأول لو كان ميخائيل نعيمه حيًّا اليوم، لكان من حقّنا أن نطرح اسمه بقوّة في النقاش حول جائزة نوبل للآداب، وأن نسأل: أليس في تجربته ما يجعله جديراً بهذا الاعتراف العالمي؟ وهل يمكن أن تكون تجربته أحقّ بالتقدير من تجارب أدبية حظيت باهتمام واسع؟ ليس السؤال مطالبةً بالجائزة لأنّ صاحبها عربي، بل دفاع عن كاتب جمع بين التجديد النقدي والتأمّل الفلسفي، وجعل الأدب وسيلةً لمساءلة الإنسان وأفكاره، لا مجرّد صنعة لغوية. في «الغربال»، لم يكتفِ نعيمه بإصدار الأحكام على النصوص، بل وضع المعايير النقدية نفسها موضع مساءلة. فالنقد عنده لا يستقيم بالاكتفاء بسلامة اللغة أو الالتزام بقواعد موروثة، بل يحتاج إلى النفاذ إلى روح العمل، وفهم تجربته، واكتشاف ما يضيفه إلى الحياة الأدبية. ولم يكن رفضه للتقليد قطيعةً مع التراث، بل اعتراضاً على تحويله إلى قوالب جاهزة تعفي الكاتب من التجربة والابتكار. ومن هنا، تجاوز الكتاب حدود الأحكام على النصوص إلى الدعوة لتحرير الذائقة الأدبية، وإعادة النظر في العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين القاعدة والإبداع. وقد انسجم هذا التوجّه مع حركة الرابطة القلمية التي أسهمت في توسيع أفق الكتابة العربية وربطها بالتجربة الفردية وأسئلة الإنسان الحديث. وفي «مرداد»، انتقل نعيمه إلى فضاء آخر، تتقدّم فيه الأسئلة الروحية والفلسفية على الحدث التقليدي. فالسرد هنا ليس غايةً مستقلة، بل وسيلة لاختبار الأفكار المتعلقة بالمعرفة والحقيقة والتحوّل الداخلي. وتكمن أهمية هذا المنحى في أنّ العمل لا يكتفي بتقديم إجابات جاهزة، بل يضع القارئ أمام أسئلة تتصل بوعيه بنفسه وبالعالم من حوله. غير أنّ القيمة الأدبية لا تُقاس بعمق الفكرة وحده؛ إذ لا بدّ من النظر أيضًا في كيفية تجسيدها فنيًّا، وفي قدرتها على التحوّل من تأمّل ذهني إلى تجربة يشارك القارئ في اكتشاف دلالاتها. أمّا «سبعون»، سيرة نعيمه الذاتية، فتتيح قراءة العلاقة بين التجربة الشخصية وتشكّل الرؤية الأدبية والفكرية. فالسيرة، حين تتجاوز تسجيل الوقائع، تصبح فرصةً لفهم المسار الذي صنع الكاتب، والتحوّلات التي أعادت تشكيل نظرته إلى الحياة. ومن خلال هذه الأعمال المختلفة في أجناسها وغاياتها، تتضح ملامح مشروع لا يفصل الأدب عن أسئلة الوجود، ولا ينظر إلى الكتابة بوصفها مهارة لغوية منفصلة عن التجربة الإنسانية. لكن هل تكفي هذه السمات للقول إنّ نعيمه كان أحقّ بنوبل من كثيرين؟ هنا ينبغي التمييز بين تقدير قيمة منجزه والدخول في مفاضلة بينه وبين كتّاب آخرين. فالأول يمكن الدفاع عنه بقراءة أعماله وتحليل رؤيته وأثره، أمّا الثاني فيحتاج إلى مقارنة محدّدة بين تجارب أدبية مختلفة، تراعي طبيعة كل تجربة وسياقها التاريخي والفني. ولا يصحّ أن تتحوّل المقارنة إلى ترتيب اعتباطي للأسماء، أو أن تصبح الشهرة وحدها معيارًا لتقدير الأدب. من خصوصية اللغة إلى أفق الإنسانية أتاحت تجربة المهجر لنعيمه الاحتكاك بثقافات مختلفة، من دون أن يفقد صلته بلغته العربية. ولم يحتج إلى التخلّي عن خصوصيته كي يطرح أسئلة تتجاوز بيئته؛ فالعالمية لا تتحدّد بجنسية الكاتب أو مكان إقامته، بل بقدرة عمله على الاحتفاظ بفرادته ومخاطبة قارئ من ثقافة أخرى. ولا يصبح الأدب عالميًا لمجرّد تناوله موضوعات إنسانية عامة، بل حين يمنح تلك الموضوعات صياغة فنية خاصة تجعلها قابلة للفهم والتأويل خارج سياقها الأول. وليس الحديث عن صلة نعيمه بنوبل افتراضًا محضًا؛ إذ يوثّق الأرشيف الرسمي للجائزة ترشيحه عام 1974. وهذه الحقيقة تمنح السؤال بُعدًا تاريخيًا، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات استحقاق الجائزة أو تحديد موقعه مقارنةً بغيره. فالترشيح واقعة تاريخية، أمّا الحكم على القيمة الأدبية فيحتاج إلى قراءة المنجز نفسه، والنظر في قدرته على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية. في تقديري، كان نعيمه جديرًا باهتمام عالمي أوسع، وتقدّم أعماله أسبابًا وجيهة لإعادة النظر في مكانته ضمن النقاش حول كبار كتّاب القرن العشرين. فقد جمع بين الحسّ النقدي والتأمّل الفلسفي، وسعى إلى وصل الأدب بتجربة الإنسان وأسئلته. غير أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نحوّل هذا التقدير إلى حكم نهائي بأنّه أحقّ من أسماء بعينها، ما لم نضع الأعمال موضع المقارنة ونناقشها وفق معايير واضحة. ويبقى السؤال الأوسع: هل نالت التجارب الأدبية العربية ما تستحقّه من اهتمام عالمي؟ لا يمكن اختزال المسألة في جائزة واحدة، لأنّ الحضور الأدبي خارج اللغة الأم يتأثر أيضًا بحركة الترجمة، واهتمام الناشرين، ونشاط المؤسسات الثقافية، واستعداد النقّاد والجامعات لتقديم هذه الأعمال إلى قرّاء جدد. وقد يكون محدودية انتشار الكاتب نتيجة ضعف وصول أعماله، لا دليلًا على ضعف قيمتها؛ كما أنّ الانتشار الواسع لا يشكّل، في ذاته، برهانًا على التفوّق الفني. من هنا، تقع على الثقافة العربية مسؤولية تتجاوز المطالبة باعتراف متأخّر. فترجمة أعمال نعيمه ترجمةً متقنة، وإتاحتها في طبعات مدروسة، وتقديمها إلى الجامعات والمنتديات النقدية، من شأنها أن تفتح المجال أمام قراءة تتجاوز الاحتفاء التقليدي إلى الحوار والمقارنة. فالعالمية ليست صفة نمنحها لأنفسنا، بل أفقًا يتحقّق حين تدخل الأعمال في تفاعل حيّ مع قرّاء وثقافات مختلفة، من دون أن تفقد خصوصيتها. في ذكرى ميلاده، لا نحتاج إلى الاكتفاء باستعادة سيرة ميخائيل نعيمه أو تعداد مؤلّفاته، بل إلى إعادة قراءة مشروعه واختبار ما بقي من أسئلته النقدية والإنسانية. فالجائزة لا تصنع عظمة الكاتب، ولا يكفي غيابها للحكم على قيمة تجربته. لكنّها تظلّ مناسبة للتساؤل عن المعايير التي يُقاس بها المنجز الأدبي، وعن قدرة المؤسسات الثقافية على إيصال أصوات مختلفة إلى العالم. أكان نعيمه أحقّ بنوبل من كثيرين؟ يظلّ السؤال مفتوحًا أمام المقارنة النقدية الجادّة، لكنّ تجربته تستحقّ قراءة تتجاوز حدود الذاكرة المحلية. فالأدب الذي يطرح أسئلة الإنسان بصدق فني وفكري يستحقّ أن يُقرأ ويُناقش ويُختبر في كلّ زمان، وأن يُمنح فرصة الوصول إلى العالم الذي خاطبه بلغته الخاصة. كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

المصدر: النهار