اضطراب أوروبا... تعدّدت الأسباب والغلاء يهدّد استقرار القارة العجوز اقتصادياً
تواجه أوروبا مرحلة متشابكة من الضغوط الاقتصادية والسياسية، تتداخل فيها ارتفاعات أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، وتباطؤ النمو، والخلافات بين الحكومات بشأن الإنفاق والميزانيات، مع تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط واضطراب حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز.وفي الوقت الذي خرج فيه متظاهرون إلى الشوارع في عدد من المدن الأوروبية احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات العامة، تواجه الحكومات معادلة صعبة تجمع بين تخفيف الأعباء عن المواطنين، والحفاظ على الاستقرار المالي، وتمويل متطلبات الدفاع والطاقة والتحول الاقتصادي.وتكشف التطورات الأخيرة أن الاحتجاجات لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، أو اختزالها في ارتفاع أسعار الوقود وحده. ففي بعض الدول، ترتبط التحركات بمطالب الأجور والمعاشات وتكاليف الإسكان، وفي دول أخرى تتقدم قضايا التعليم والخدمات العامة والضرائب وسياسات التقشف إلى الواجهة، غير أن تزامن هذه المطالب مع صدمة جديدة في أسواق الطاقة يثير تساؤلات بشأن قدرة الحكومات على احتواء الاستياء الاجتماعي، واحتمالات انتقال الاحتجاجات إلى دول أخرى، وانعكاسات الأزمة الأوروبية على الاقتصاد العالمي. منذ دقيقتين منذ دقيقتين صحيفة «الغارديان» البريطانية تقول إن الاحتجاجات التي شهدتها أوروبا جمعت بين أسباب محلية مختلفة، شملت تدهور ظروف التعليم ونقص المعلمين في فرنسا، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة الإيجارات والإخلاء السكني في إسبانيا، إلى جانب التحركات المرتبطة بالأجور والمعاشات وتكاليف السكن في البرتغال. كما شهدت مدينة ميلانو الإيطالية احتجاجات على خلفية الأوضاع المعيشية والحرب، تخللتها أعمال عنف.وتضيف أن بعض التحركات بدأت بمطالب محددة، قبل أن تنضم إليها فئات أخرى تحمل مطالب اقتصادية واجتماعية أوسع، ما يعكس اتساع نطاق الاستياء من الضغوط التي تواجه الأسر، وإن كانت دوافع الاحتجاجات وتفاصيلها تختلف من بلد إلى آخر.وفي فرنسا، تذكر وكالة «رويترز» أن الاحتجاجات التي شارك فيها طلاب ونقابات عمالية ومجموعات من أصحاب المطالب الاجتماعية تحولت إلى أعمال شغب في عدد من المدن، وسط غضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة، وتشير الوكالة إلى أن الاضطرابات زادت الضغوط السياسية على الرئيس إيمانويل ماكرون والحكومة، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن قدرة السلطات على احتواء التوترات.الأسر والصناعةتمثل الطاقة أحد أهم الروابط بين التطورات الجيوسياسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا، فارتفاع أسعار النفط والغاز لا يقتصر أثره على فواتير الكهرباء والتدفئة والوقود، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والأسمدة والمواد الكيميائية والسلع والخدمات، بما يرفع تكاليف المعيشة ويضغط على هوامش أرباح الشركات.وفقاً لتقرير صادر عن مركز البحوث الاقتصادية والسياسات «CEPR»، نشره موقع «VoxEU» بعنوان «أسواق الطاقة تحت ضغط نقاط الاختناق: صدمة هرمز في 2026»، تسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز في واحدة من أكبر صدمات الإمدادات المادية في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. ويشير التقرير إلى أن أوروبا ليست المنطقة الأكثر تعرضاً للخسارة المباشرة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال المتجهة عبر المضيق، إذ تتجه نسبة كبيرة من تلك الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، لكنها تتأثر بالمنافسة العالمية على الشحنات البديلة.وتتمثل إحدى نقاط الضعف في الاقتصاد الأوروبي في اعتماده على أسواق الطاقة العالمية؛ فحتى إذا لم تتأثر الإمدادات المتجهة إلى أوروبا مباشرة، فإن أي اضطراب في إمدادات النفط والغاز عالمياً قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار التي تدفعها الدول الأوروبية. ويزيد انخفاض مخزونات الغاز في بعض أجزاء القارة من الضغوط، إذ يجعل إعادة ملئها قبل فصل الشتاء أكثر إلحاحاً، في وقت قد تكون فيه أسعار الطاقة مرتفعة.لماذا تختلف الأزمة الحالية عن 2022؟يوضح تقرير لمركز البحوث الاقتصادية والسياسات، أن أزمة 2026 تختلف عن الأزمة التي أعقبت الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022. ففي الأزمة السابقة، فقدت أوروبا تدريجياً جزءاً كبيراً من إمدادات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، واضطرت إلى البحث عن مصادر بديلة في ظل أسواق كانت تعاني بالفعل من ضيق الإمدادات.أما صدمة مضيق هرمز، فتتصل بتعطل مادي واسع في مسار رئيسي لتصدير النفط والغاز من الخليج، ما يطول عدداً من المنتجين في الوقت نفسه. ومع ذلك، تدخل أوروبا الأزمة الحالية في ظروف أفضل نسبياً من بعض النواحي، بعد توسيع البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، وزيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء.لكن التقرير يشير إلى أن انخفاض مخزونات الغاز، يجعل القارة عرضة لموجة جديدة من الضغوط، إذا استمرت أزمة الإمدادات العالمية. كما أن قدرة الاقتصادات الأوروبية على تحمل ارتفاع الأسعار، لا تتساوى بين الدول والقطاعات، إذ تكون الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة أكثر تعرضاً لارتفاع تكاليف التشغيل، بينما تتأثر الأسر ذات الدخول المحدودة بصورة أكبر، بارتفاع نفقات التدفئة والنقل والغذاء.ولا تنحصر تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا في تكاليف الطاقة أو المساعدات العسكرية والمالية لكييف، بل تمتد إلى أمن البنية التحتية الأوروبية والإنفاق الدفاعي وقدرة الحكومات على الحفاظ على التزاماتها المالية.ويشير مقال نشره المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية، إلى أن أوروبا تواجه مخاطر متزايدة على أمن الطاقة قبيل شتاء 2026، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع مخزونات الغاز، إلى جانب ما وصفه بتصاعد التهديدات الهجينة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية.ويضيف أن الهجمات السيبرانية، وأعمال التخريب المحتملة ضد شبكات الكهرباء والطاقة ومحطات التوليد، تفرض على الدول الأوروبية توسيع إجراءات الحماية وتبادل المعلومات، وتعزيز التنسيق بين السلطات الوطنية ومشغلي المرافق الحيوية.وتتمثل أهمية هذا البعد في أن أمن الطاقة لم يعد مسألة تتعلق بتأمين الكميات المطلوبة من الوقود فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحماية شبكات التوزيع والتوليد والتخزين، وضمان استمرار عملها في ظل التوترات الجيوسياسية. وقد تفرض هذه المتطلبات إنفاقاً إضافياً على الحكومات، في وقت تحتاج فيه إلى تمويل قطاعات أخرى، بما في ذلك الخدمات العامة والدعم الاجتماعي.كما أن استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، يضع الدول الأوروبية أمام التزام طويل الأمد، بتقديم الدعم المالي والعسكري لكييف، بينما تواجه في الوقت نفسه مطالب داخلية بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والإسكان وتحسين الدخول. ولا يعني ذلك أن أحد هذه الالتزامات يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بل إن التحدي يكمن في تحديد الأولويات وتوزيع الأعباء في ظل موارد مالية محدودة.النمو الاقتصاديوتزيد المؤشرات الاقتصادية من صعوبة التعامل مع الاحتجاجات، إذ لا تواجه أوروبا صدمة أسعار منفصلة عن بقية الاقتصاد، بل تتزامن الضغوط التضخمية مع نمو محدود وتفاوت في الأداء بين الدول. ووفق تقرير صندوق النقد الدولي حول «آفاق الاقتصاد العالمي»، يتوقع أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو 1.1 % عام 2026، مقارنة بـ1.2 % عام 2025، على أن يبلغ 1.2 % في 2027. كما أشار التقرير إلى توقعات بوصول التضخم في منطقة اليورو، إلى 3.1 % بـ 2026، و2.8 % خلال 2027، بما يتجاوز هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 %.وتشير هذه التوقعات إلى أن ارتفاع الأسعار قد يستمر في الضغط على القدرة الشرائية، في وقت لا يوفر فيه النمو الاقتصادي المحدود، زيادة قوية في فرص العمل والدخول، يمكن أن تعوض الأسر عن ارتفاع نفقاتها، عدا عن أن استمرار التضخم قد يحد من قدرة البنك المركزي الأوروبي على خفض أسعار الفائدة، بالسرعة التي ترغب فيها الشركات والأسر.كما أن التفاوت بين الاقتصادات الأوروبية يجعل الصورة أكثر تعقيداً، لاسيما وأن الدول تختلف في مستويات الدين العام، وقدرتها على تقديم الدعم المالي، وهيكلها الصناعي، واعتمادها على واردات الطاقة، ومدى تعرضها للتوترات السياسية. لذلك، لا يمكن افتراض أن جميع الدول ستشهد معدلات التضخم نفسها، أو أن الاحتجاجات ستتخذ المسار ذاته في مختلف أنحاء القارة.وإلى جانب الضغوط الاقتصادية، تواجه أوروبا صعوبة في بناء توافق سياسي، بشأن كيفية توزيع تكاليف الأزمة وتمويل الأولويات المتنافسة. فالدول الأعضاء تختلف في مواقفها من سياسات الطاقة والدعم الحكومي والإنفاق الدفاعي والميزانية الأوروبية، كما تتأثر حساباتها بالانتخابات الداخلية والضغوط التي تواجهها الأحزاب الحاكمة.وأشارت مجلة «بوليتيكو» إلى أن الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبات في التوصل إلى اتفاق بشأن ميزانيته طويلة الأجل، بالتزامن مع الحاجة إلى تأمين تمويل إضافي لأوكرانيا، والتعامل مع الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية، الصادرة عن الولايات المتحدة والصين.وأضافت المجلة أن الخلافات السياسية داخل عدد من أكبر الاقتصادات الأوروبية قد تقلص مساحة التوافق بشأن الملفات المشتركة، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات انتخابية في دول رئيسية. ووفق التقرير، فإن تعثر المفاوضات بشأن الميزانية قد يمتد إلى 2027 إذا لم يتم التوصل إلى تسوية، بما يزيد صعوبة الاتفاق على أولويات الإنفاق في ظل التنافس بين احتياجات الدفاع والطاقة والسياسات الاجتماعية.ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة لأن الأزمة الحالية تتطلب استجابة تتجاوز حدود كل دولة منفردة، فأسواق الطاقة مترابطة، والسلع ورؤوس الأموال تنتقل عبر الحدود، كما أن قرارات الدعم المالي قد تؤثر في المنافسة بين الشركات الأوروبية نفسها. وإذا امتلكت بعض الحكومات قدرة أكبر من غيرها على دعم الصناعات والأسر، فقد تتسع الفجوات داخل السوق الموحدة.دعم محدود وتنسيق أكبروعلى المستوى الرسمي، تسعى المؤسسات الأوروبية إلى احتواء آثار ارتفاع الأسعار، من دون العودة إلى الاعتماد المفرط على الدعم العام غير المستهدف، الذي قد يخفف الأعباء موقتاً، لكنه يرفع التكاليف المالية ويضعف الحوافز لترشيد استهلاك الطاقة.وقالت المفوضية الأوروبية، في عرضها لإجراءات مواجهة أزمة الطاقة المحدث في أكتوبر 2026، إن اضطرابات الشرق الأوسط رفعت أسعار الوقود الأحفوري، وإن الاتحاد يعمل على مساعدة الدول الأعضاء في حماية الأسر والشركات من قفزات الأسعار.وأوضحت أن أمن الإمدادات لا يزال مستقراً، رغم استمرار المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار وتقلب الأسواق.
المصدر: الرأي