حرب المضائق من وجهة نظر صينية
في بحثي عن دور للصين في أزمة المضائق العربية، والحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، توصلت إلى نتائج مهمة في تقييم هذه القوة العظمى الصاعدة إلى المركز الأول في التحولات الدولية، بما يستحق أن يتم التعريف بها، كمدخل مهم وضروري في تقدير البدائل الأكثر ثقة لمواجهة سياسات الهيمنة الجديدة التي تجتاح العالم منذ سقوط النظام الدولي، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وسأبدأ هنا بطرح نتائج هذا البحث برؤية موجزة حول استراتيجية الصين مع الإعلام كمدخل للتعرف على دورها في الأزمة الراهنة (أغلب نتائج هذا البحث مستقاة من تقارير صينية، تم ترجمتها آليا إلى العربية). لدى الصين سياسات واضحة تجاه أزمتي هرمز وباب المندب، لكنها لا تروج لها إعلاميًّا بالطريقة الغربية، والسبب ليس غياب الرغبة في التأثير، بل هو خيار استراتيجي واعٍ يعكس فهم بكين لطبيعة قوتها الناعمة، وطبيعة الجمهور الغربي، وطبيعة ما هو على المحك في هذه الأزمة تحديدًا. وبناءً على هذه الاستراتيجية لا تتبنى الصين «الضجيج الإعلامي» الغربي، لأن «الصمت» في هذه الحالة، بمنظورها، هو أيضا استراتيجية، وليس غيابًا، وخصوصًا أنها لا تريد أن تُصبح «طرفًا» في الصراع، بل لتبقى «الوسيط المقبول» من جميع الأطراف.. وهناك أسباب أخرى تتعامل معها الصين بذكاء إعلامي وسياسي يناسب الظرف. ورغم ذلك فالصين غير صامتة تمامًا، ولكن تتحدث بشكل مختلف من خلال تصريحات المتحدث باسم الخارجية، وبيانات مندوبيها في الأمم المتحدة، وكلها موجودة، لكنها مصممة للجمهور الدبلوماسي، وليس للجمهور العام. والفرق الجوهري هو في مفهوم «مَن يخاطب مَن»؛ أمريكا تخاطب جمهورها الداخلي (انتخابات، أسعار بنزين)، والعالم، عبر إعلام ضخم وصاخب؛ والصين تخاطب الحكومات والمنظمات الدولية عبر بيانات رسمية هادئة، والهدوء هو السلاح الصيني في هذه المعركة، والدبلوماسية الهادئة هي أداتها التي تجعلها مقبولة من الجميع.. أي أن الصين تستخدم استراتيجية «الصوت المنخفض» التي تتناسب مع مصالح الصين في هذه الأزمة؛ وهي البقاء فوق الاستقطاب، والحفاظ على علاقات مربحة مع جميع الأطراف، من دون أن تتحمل كلفة «الانحياز» الذي لا تستطيع تحمل تبعاته (نفوذ بكين تحت الاختبار: هل تنجح الصين في كبح جماح إيران). وبقراءة في استراتيجيات الصين حول أزمة مضيقي هرمز وباب المندب وفي مواجهة واشنطن، يمكن تقدير الدور الصيني بأنه ليس دور «التحدي العسكري المباشر»، بل دور «البديل البنيوي»، الذي يقلل من قيمة الورقة الأمريكية في المنطقة، من دون أن يحل محل أمريكا كقوة أمنية. الصين لا تريد، ولا تستطيع، أن تكون «الشرطي الجديد» للخليج؛ لكنها تبني لنفسها موقعًا لا يمكن لواشنطن تجاهله، وهو موقع الطرف الوحيد القادر على التحدث مع جميع الأطراف، والمورد الرئيسي للبديل الاقتصادي والتقني، وصاحب المصلحة الكبرى في إبقاء الممرات مفتوحة. الصين لم تنضم إلى أي تحالف عسكري بقيادة أمريكية لحماية الملاحة، ولم ترسل سفنًا حربية إلى هرمز أو باب المندب.. موقفها الرسمي في مجلس الأمن كان واضحًا، وهو: الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، ورفض الهجوم على المنشآت المدنية، وحل المشكلة من جذورها السياسية وليس بقوة السلاح (Escalation of conflict must be prevented - Chinadaily.com.cn). هذا الموقف ليس ضعفًا، بل هو حساب استراتيجي.. إذ تعتمد الصين على المنطقة لاستيراد حوالي 42% من نفطها، لكنها لا تريد أن تُجرَّ إلى صراع عسكري مفتوح مع إيران أو مع الحوثيين. وفي الوقت نفسه، لا تثق الصين في أن الانضمام إلى المظلة الأمريكية سيمنحها نفوذًا، بل سيجعلها تابعة لأجندة واشنطن.. لذلك، اختارت «الحياد النشط»، لتحافظ على علاقات مع الجميع، وتستخدم نفوذها الاقتصادي للضغط من أجل التهدئة، من دون أن تحمل راية الحرب. هنا يظهر الفارق الجوهري بين الدور الصيني والأمريكي؛ الصين لم تحمِ الممرات بقوتها البحرية، لكنها خففت الصدمة الاقتصادية بطريقة لم تستطع واشنطن فعلها. الدور الاقتصادي الصيني هنا كان في الأداء الآتي: 1- في الفترة من مارس إلى يوليو 2026م عملت الصين طوعًا على تخفيض وارداتها النفطية بمقدار 350-400 ألف برميل يوميًّا، وهو ما عوّض نصف العجز العالمي الناتج عن إغلاق هرمز. 2- وبفضل التوسع الهائل في السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة انخفض الطلب الصيني على النفط بشكل هيكلي؛ إذ في الربع الثاني من 2026م، وحدها السيارات الكهربائية استبدلت 1.5 مليون برميل يوميًّا من استهلاك النفط (مراجعة الاقتصاد الصيني: تعكس مسؤولية الطاقة لقوة كبرى من خلال تقليل واردات النفط - شبكة الاقتصاد الصينية – مترجم آليًّا من تقرير باللغة الصينية). 3- والنتيجة كانت، بينما واشنطن تتحدث عن «أزمة طاقة عالمية»، كانت الصين تتصرف كصمام أمان يمنع انفجار الأسعار؛ وهذا ما يمنحها نفوذًا كبيرًا في أي مفاوضات مستقبلية حول أمن الطاقة؛ لأن العالم يدرك أن استقرار الأسواق يعتمد جزئيًّا على قرارات بكين، وليس فقط على الأساطيل الأمريكية. الورقة الدبلوماسية.. الوسيط الذي لا غنى عنه تقارير غربية (منها صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية) وصفت الصين بأنها «الدولة الوحيدة القادرة على إقناع إيران بتقديم تنازلات نووية وإعادة فتح هرمز ([الإعلام الأوروبي عن الصين] الإعلام الفرنسي: قد تصبح الصين وسيطا رئيسيا في أزمة الشرق الأوسط - يورو نيوز أدفايزر - يورو نيوز - يوروب تايمز ... مترجم من تقرير باللغة الصينية). وهذا ليس مجرد كلام دبلوماسي، بل لأن الصين تشتري النفط الإيراني، وتحافظ على علاقات اقتصادية عميقة مع طهران؛ وفي الوقت نفسه تحافظ على شراكة استراتيجية مع المملكة السعودية (أكبر مورد نفط لها) ومع دولة الإمارات. في مجلس الأمن طالبت الصين بفتح هرمز، لكنها لم تدن إيران، بل دعت الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى المسار الدبلوماسي. هذا الموقف يضعها فوق الاستقطاب، ويجعلها مقبولة كوسيط من الطرفين (وزير الخارجية الصيني يطرح 4 مقترحات لتعزيز التعاون في إطار «مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا»). مما سبق يمكن استنتاج أن الهدف الصيني ليس «هزيمة أمريكا» في الخليج، بل تقليل قيمة الورقة الأمريكية في المنطقة، عبر بناء بدائل وظيفية تجعل واشنطن أقل قدرة على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط، وذلك: 1- بإبقاء الممرات مفتوحة نظرًا ل إلى حاجتها إلى النفط. 2- بتقليل الاعتماد على هرمز عبر تنويع مصادر الطاقة وتطوير الطاقة المتجددة. 3- ببناء نفوذ دبلوماسي دائم بحيث تصبح شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب إقليمي جديد. 4- بعدم تحمل أعباء عسكرية. الصين لا تتدخل عسكريًّا، بل تواجه بمنطق مختلف، فعندما تعرض أمريكا الأمن مقابل الولاء، فإن الصين تعرض الاستقرار الاقتصادي مقابل الشراكة. إن ما يحدث فعلا هو أن دول الخليج بدأت تدرك أن واشنطن لا تحميها، بينما الصين لا تطلب منها أن تختار، بل تقدم بديلا عمليًّا للتنمية والطاقة. هذا لا يعني أن الصين «ستطرد» أمريكا من الخليج، لكنه يعني أن النظام الإقليمي القادم سيكون أكثر تعقيدًا، إذ لا تكون واشنطن الطرف الوحيد الذي تحتفظ دول الخليج بعلاقة استراتيجية معه. وهنا نتوقف لنسأل، ما نسبة نجاح الاستراتيجية الصينية في الشرق الأوسط؟ والإجابة المختصرة تقول إنه لا توجد نسبة نجاح دقيقة قابلة للقياس في هذا الشأن، لكن المعطيات المتاحة تُظهر أن الصين حققت ما لم تحققه أمريكا بكلفة أقل بكثير، وأن معرفة النجاح هنا تتم بقياس «النفوذ» وليس «السيطرة». وبهذا الإطار الصين ناجحة جدًّا في «كسب النفوذ» من دون تحمل المسؤولية، إذ بينما تتنازع واشنطن حول إعادة هندسة بناء قواعدها المتضررة في المنطقة، وسّعت الصين نفوذها من دون نشر جندي واحد، وهذا يُثبت أن «القوة العسكرية» ليست مرادفة لـلنفوذ، بل للسيطرة. والنجاح الآخر يكمن في أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر للدول العربية، وتحظى باعتراف دبلوماسي من جميع الأطراف المتنازعة، بينما تاريخ واشنطن العسكري يمنعها من أن تكون وسيطًا محايدًا. وزاد على ذلك أن الحرب الأخيرة جعلت دول الخليج تدرك حقائق مهمة حول أمن المنطقة لم تكن واضحة سابقًا، وهذا يفتح للصين مجالا للعب دور في تشكيل النظام الإقليمي الجديد، من دون أن تحل محل أمريكا كضامن أمني أو «شرطي» المنطقة. بالمحصلة، يمكن القول إن نجاح الصين ليس في هزيمة أمريكا، بل في جعل وجود أمريكا أقل قيمة عبر تقديم بديل اقتصادي ودبلوماسي لا يمكن تجاهله.
المصدر: أخبار الخليج