ماذا يريد صندوق النقد من الاقتصاد السوري؟
لا يبدأ إصلاح الاقتصاد من الحصول على القروض والمساعدات، بل من امتلاك صورة دقيقة عن واقعه ومشكلاته وقدرته على إدارة موارده، وفي هذا السياق، تكتسب عودة التعاون الفني بين سوريا وصندوق النقد الدولي والتحضير لمشاورات المادة الرابعة أهمية تتجاوز الجانب الإجرائي، لتطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات الاقتصادية السورية على توفير البيانات الموثوقة، وتقييم السياسات المتبعة، وتحديد الاختلالات التي تحتاج إلى معالجة. الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أكد لـ”الوطن”، أن مشاورات المادة الرابعة تمثل المراجعة الدورية التي يجريها صندوق النقد الدولي لاقتصاد كل دولة عضو، وتنتهي بتقرير يقيّم سياساتها ويُناقش في مجلسه التنفيذي، موضحاً أن أهمية استئناف هذه المشاورات بالنسبة لسورية كبيرة، ولا سيما أن آخر مشاورات مكتملة معها تعود إلى عام 2009، وأن الصندوق ربط استئنافها بتحسين الإحصاءات. وتتيح هذه المشاورات إجراء تقييم اقتصادي شامل يستند إلى البيانات المتاحة، ويتناول السياسات الاقتصادية والمالية، والتحديات التي تواجه الاقتصاد، والمخاطر التي قد تؤثر في استقراره، ومن شأن ذلك توفير قراءة مؤسسية للاقتصاد السوري تساعد على تحديد مواطن الخلل وأولويات الإصلاح. التعاون الفني لا يعني الحصول على قرض وفي توضيحه لطبيعة التعاون الجاري، شدد عبد الكريم على ضرورة التمييز بوضوح بين التعاون الفني وأي برنامج تمويلي، فالصندوق يقدم في هذا الإطار الخبرة والاستشارات والتدريب، وليس قرضاً، مشيراً إلى أن سوريا لم تطلب رسمياً حزمة إنقاذ، وأن أي طلب من هذا النوع سيكون مشروطاً بتحليل للدين وربما إعادة هيكلته ومفاوضات مع الصندوق. وبالتالي، فإن التعاون الفني لا يمثل اتفاقاً على تقديم تمويل، ولا يضمن تدفق الأموال إلى الاقتصاد السوري، إذ يركز على تطوير القدرات الفنية وتحسين أدوات التحليل والتخطيط، بينما يخضع أي برنامج تمويلي محتمل لمسار مختلف يتطلب تقييماً للأوضاع المالية والاقتصادية ومفاوضات بشأن شروطه، ومن المهم عدم الخلط بين الاستفادة من خبرة الصندوق الفنية والحصول على قرض أو حزمة دعم مالي، فلكل مسار متطلباته وإجراءاته، ولا يعني التقدم في أحدهما تحقق الآخر. تقييم دولي قد يكشف نقاط الضعف ويرى عبد الكريم أن استئناف مشاورات المادة الرابعة سيمنح الاقتصاد السوري تقييماً دولياً مستقلاً يمكن أن تعتمد عليه المؤسسات المانحة والمستثمرون، لكنه لا يمثل تمويلاً ولا ضماناً لتدفق الاستثمارات، وقد يتضمن ملاحظات نقدية لا تتفق مع الرواية الرسمية. وهنا تبرز أهمية التعامل مع نتائج التقييم بوصفها مدخلاً لتطوير السياسات الاقتصادية، لا مجرد تقرير يصدر عن مؤسسة دولية، إذ إن القيمة الأساسية لهذه المشاورات تكمن في توفير تقييم مستقل للسياسات الاقتصادية السورية، بينما تبقى الاستفادة منه مرتبطة بمدى التعامل مع نتائجه وتحسين جودة البيانات وتطوير السياسات على أساسها. انعكاسات الإصلاح تبدأ من إدارة المال العام ويشكل تطوير البيانات والإحصاءات أحد المتطلبات الأساسية لتحسين التقييم الاقتصادي، إذ يصعب بناء سياسات دقيقة أو تقديم صورة موثوقة عن الاقتصاد في ظل نقص المعلومات أو عدم تحديثها بصورة منتظمة، ومن هنا تبرز أهمية التعاون الفني في دعم قدرات المؤسسات المعنية على جمع البيانات وتحليلها، وتطوير التقارير الدورية المتعلقة بالاقتصاد الكلي والمالية العامة. كما أن انتظام نشر المعلومات وإتاحتها بصورة واضحة وقابلة للتحقق يساعد المؤسسات المانحة والمستثمرين على تقييم الأوضاع الاقتصادية بصورة أفضل، لكن تحسين البيانات وحده لا يكفي لبناء الثقة، بل ينبغي أن يترافق مع سياسات اقتصادية واضحة، وإفصاح منتظم عن نتائج تنفيذها، وقدرة على معالجة الاختلالات التي تكشفها التقييمات الاقتصادية. المواطن لن يلمس الأثر بصورة فورية وعلى مستوى المواطن، أوضح عبد الكريم أن هذا التعاون لن ينعكس على الرواتب أو الأسعار بصورة مباشرة أو سريعة، لأن أثره المحتمل غير مباشر ويحتاج إلى وقت، وأضاف إنه يقلل احتمال اللجوء إلى طباعة النقود لتغطية عجز غير متوقع، ما يحمي القدرة الشرائية ويساعد على انتظام تمويل الرواتب والخدمات العامة، لأن الإنفاق يُخطط على موارد مؤكدة، كما يحمي الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية من التقلبات المفاجئة. وتظل هذه النتائج المحتملة مرتبطة بنجاح الإصلاحات في تحسين التخطيط المالي ورفع دقة التوقعات وتعزيز القدرة على إدارة الموارد العامة، ولذلك لا يمثل التعاون الفني حلاً فورياً للمشكلات المعيشية، بل أحد المسارات التي قد تسهم، إذا استُكملت بإصلاحات عملية، في تحسين إدارة الاقتصاد على المدى المتوسط. في المحصلة، تتيح عودة التعاون الفني مع صندوق النقد الدولي فرصة لتطوير أدوات التحليل الاقتصادي وتحسين البيانات وتعزيز الشفافية، فيما تشكل مشاورات المادة الرابعة مدخلاً لتقييم السياسات الاقتصادية السورية بصورة مستقلة. غير أن تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المانحة، يحتاج إلى نتائج قابلة للقياس وبيانات موثوقة وسياسات واضحة يمكن تقييمها ومتابعة تنفيذها، فالتعاون مع مؤسسة دولية يمثل فرصة لتحسين البيئة الاقتصادية، لكنه لا يشكل وحده ضمانة للتمويل أو تدفق الاستثمارات.
المصدر: الوطن