شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

التلقين للأموات .. ليس لطلابنا في المدارس والجامعات!

التلقين للأموات .. ليس لطلابنا في المدارس والجامعات!

من التلقين التعليمي إلى التلقين الفكري والتطرف: ماذا كشفت جريمة قرية حمود في الكرك؟لم تعد قضية التلقين في مدارسنا وجامعاتنا مجرد قضية تربوية تتعلق بأساليب التدريس والحفظ والاستظهار، بل أصبحت قضية وطنية وفكرية تستحق أن نتوقف عندها بجدية، خصوصاً في ضوء ما شهدته قرية حمود في محافظة الكرك من جريمة إرهابية استهدفت مواطنين أردنيين آمنين في كنيستهم، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول منابع التطرف، ودور التعليم والمناهج والمؤسسات التربوية في بناء عقل الإنسان وتشكيل وعيه.لقد أثارت هذه الجريمة نقاشاً واسعاً في المملكة حول طبيعة الأفكار التي يحملها المتطرفون، ومدى تأثير البيئة التعليمية والثقافية والاجتماعية في تكوين شخصياتهم. وبرز في هذا السياق سؤال حساس: هل تتضمن مناهجنا المدرسية والجامعية أفكاراً متطرفة أو إقصائية؟، بل ذهب بعض الكتاب الى سؤال ما إذا كانت مناهجنا داعشية؟ وهل نحن أمام خلل في بعض المضامين التعليمية، أم أمام مشكلة أعمق تتعلق بطريقة التفكير والتربية والتنشئة؟إن طرح هذه الأسئلة مشروع وضروري، لكن الإجابة عنها يجب ألا تخضع للانفعال أو الاتهامات العامة، وإنما للبحث العلمي والقراءة النقدية الشجاعة.نعم التلقين للأموات، أما الأحياء فيتعلمون ويفكرون ويناقشون ويحللون ويختلفون.وهنا تكمن إحدى مشكلات التعليم لدينا؛ فنحن نطالب أبناءنا بحفظ المعلومات وتكرارها، ونقيس تفوقهم بقدرتهم على استرجاع ما ورد في الكتب، أكثر مما نقيس قدرتهم على التحليل والنقد والتمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الاختلاف المشروع والتعصب، وبين الإيمان الحقيقي والتطرف الذي يتخذ من الدين ستاراً للكراهية والعنف.فهل يكفي أن نعلّم الطالب أن يحفظ نصوصاً دينية أو تاريخية، دون أن نعلّمه كيف يفهم سياقها، وكيف يقرأها قراءة متوازنة، وكيف يميّز بين الاختلاف في الرأي والتحريض على الآخر؟ وهل يكفي أن نضع في المناهج عبارات عن التسامح والمواطنة والتعايش، إذا لم تتحول هذه القيم إلى سلوك يومي داخل المدرسة والجامعة والمجتمع؟إن أخطر أشكال التلقين ليس ذلك الذي يجعل الطالب يحفظ معلومة وينساها بعد الامتحان، بل ذلك الذي يصادر عقله، ويزرع فيه الاعتقاد بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن كل من يخالفه في الدين أو المذهب أو الرأي أو الفكر هو عدو أو خصم يستحق الإقصاء.وهذا النوع من التلقين هو الذي ينبغي أن نخشى منه، وأن نواجهه بالتعليم الواعي والحوار والتفكير النقدي.إن ما كشفته التصريحات الرسمية عقب جريمة حمود، ومنها الإشارة إلى أن أحد المتهمين كان يمنع بناته من الذهاب إلى المدارس اعتقاداً منه بحرمة تعليم البنات، يضعنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى درجة من الانغلاق الفكري تجعله يعادي حق أبنائه وبناته في التعليم، ويستبيح الاعتداء على مواطنين لمجرد اختلافهم الديني؟إن هذه العقلية لا تُواجه بمجرد تغيير كتاب مدرسي، ولا بمجرد حذف فقرة أو إضافة درس عن التسامح، بل تحتاج إلى مراجعة شاملة للبيئة التي تنتج التعصب، وللخطاب الذي يبرره، وللأساليب التي تجعل الإنسان أسير فكرة واحدة لا يقبل مناقشتها.ومن هنا، فإن الجدل الذي أثير في الأردن حول ما إذا كانت بعض المناهج تتضمن مضامين داعشية أو أفكاراً متطرفة يجب ألا يُقابل بالتخوين أو الإنكار المسبق، كما يجب ألا يتحول إلى اتهام شامل للتعليم الأردني أو لمؤسساته. المطلوب أن نفتح كتبنا ومراجعنا، ونقرأها، ونحدد النصوص موضع الاعتراض، ونناقشها في سياقها، ونخضعها لمراجعة تربوية وفكرية متخصصة وشفافة.لقد أكّد المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، في أعقاب الجريمة، أن المناهج الأردنية تقوم على المواطنة والمساواة واحترام الأديان والتنوع والاعتدال، ودعا إلى تقديم الانتقادات بصورة محددة، من خلال تعيين الكتاب والصف والنص محل النقاش. وهذا موقف يفتح الباب أمام مراجعة موضوعية ينبغي أن تكون متاحة للمجتمع والباحثين والتربويين.لكن القضية أوسع من المناهج وحدها.فالمدرسة التي لا تسمح للطالب بالسؤال، والجامعة التي لا تشجع الحوار وتعتبر مهمة الأستاذ الجامعي عند باب غرفة المحاضرة، والمعلم الذي يعتبر الاختلاف معه خروجاً عن الأدب، والأستاذ الذي يطلب من طلبته ترديد آرائه بدلاً من مناقشتها، كلها بيئات لا تساعد على بناء العقل النقدي المستقل.وفي المقابل، لا يمكن أن نغفل دور الأسرة والمسجد والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والبيئة المحيطة في تشكيل الوعي، خصوصاً أن الفكر المتطرف يستطيع أن يتسلل إلى العقول من خارج المؤسسات التعليمية، عبر خطاب التحريض والتكفير والمقاطع والمنشورات التي تقدم أفكاراً مغلقة ومضللة.ولعل أهم درس ينبغي أن نتعلمه من جريمة حمود هو أن الأمن وحده، على أهميته وضرورته، لا يكفي للقضاء على جذور الفكر المتطرف. فالأجهزة الأمنية تحمي المجتمع من الجريمة، والقضاء يحاسب مرتكبيها، لكن المؤسسات التربوية والثقافية والشبابية والدينية مطالبة بأن تسهم في حماية العقول من الأفكار التي تبرر الجريمة قبل وقوعها.إننا لا نريد مناهج تصنع طلبة يحفظون التسامح، بل مناهج تصنع مواطنين يمارسونه. ولا نريد تعليماً يعلّم أبناءنا كيف يكررون الإجابات، بل تعليماً يعلّمهم كيف يطرحون الأسئلة ويبحثون عن الحقيقة ويرفضون الكراهية.وأخيراً، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: هل مناهجنا داعشية أم لا؟ بل أيضاً: هل مناهجنا ومدارسنا وجامعاتنا تنجح في بناء إنسان يحترم الحياة والاختلاف والكرامة الإنسانية؟ وهل نمنح أبناءنا الأدوات الفكرية التي تحميهم من الاستقطاب والتطرف والتكفير؟إن جريمة قرية حمود يجب ألا تمر بوصفها حادثة أمنية مؤلمة فحسب، بل ينبغي أن تكون مناسبة وطنية لمراجعة جادة وشجاعة لكل ما يتصل بتربية الأجيال وبناء الوعي.فكفى تلقيناً لأبنائنا في المدارس والجامعات؛ فالتلقين للأموات، أما الأحياء فيفكرون ويسألون ويناقشون. والأوطان لا يحميها فقط من يحمل السلاح دفاعاً عنها، بل يحميها أيضاً من يحمل عقلاً مستنيراً، وقلباً يتسع للآخر، وضميراً يرفض أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، أو أن تتحول الكراهية إلى جريمة.

المصدر: عمون