شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

نصفُ قرنٍ... وباسمة

نصفُ قرنٍ... وباسمة

جمعَني بها، منذ عرفتُها قبل نصف قرن (1976)، تَمَسُّكها بالكلاسيكية أُصولًا شعريةً ونُظُمًا وقواعد. وطيلة نصف قرن، لم تَخُن هذا التمسُّك، فلم أَقرأْ لها قصيدةً إِلَّا وفيها جديدٌ "مشغُول" من داخل الأُصول. وهنا عبقرية الكلاسيكية: تَعبُرُ من جيلٍ إِلى جيل، وتمضي في أَناقتها، جديدةً مع كل جيل.

منذ كتابها الأَول "مع الحب حتى الموت"، كانت باسمة صوتًا مشغولًا مغايرًا في كلاسيكيَّته الأَنيقة. وما جاء بعده من كتُب، رسَّخَ هذا المسار، وتنصَّع أَكثر، حتى غدت باسمة بَطولي شاعرة شاعرات العالم العربي. خاصرَت تجارب فدوى طوقان ونازك الملائكة، ورسَّخت تجربتها في ريادتها اللبنانية.

وفي حقبةٍ (طيلةَ الستينات والسبعينات) تفشَّت خلالها موجات الحداثة وبِدَع الشعر "الحديث" بتسميات "الشعر المنثور" و"قصيدة النثْر" و"النثْر الشعري"،... بقيَت قصيدتُها "حديثة" في قالب الكلاسيكية الناضح بالجمال. لم تُغْرِها التجارب من حولها ولو من أَقربين. صداقتُها الطويلة مع يوسف الخال لم تأْخُذْها إِلى تجارب مجلته ("شعر"). وصداقتُها الطويلة مع أُنسي الحاج لم تجذبْها إِلى تجاربه في قصيدة "النثْر". بقيَت على صداقاتها الأَدبية إِنما أَيضًا على قناعاتها بأَن الشعر لا يقتبل "الموجات" الأَدبية ولا التيارات الـمُصاحبة. بقيَت تكتب القصيدة الكلاسيكية الأُم، وتُنصِّع قصيدتها بالقوالب الكلاسيكية، حتى سطَعَت قصائدُها بالحلَّة الأَرقى والأَبقى والأَنقى، متشدِّدةً بالانتماء والانضواء في عراقة العَروض أَوزانًا وبحورًا وقوافيَ تتأَنَّقُ من قصيدةٍ إِلى أُختها.

وما أَقوله عن قصيدتها، أَقوله بإِيمانها ذاته عن لوحتها الكلاسيكية هي الأُخرى بشفافية الخطوط والأَلوان والتعابير. ذلك أَن الكلاسيكية أُمٌّ لكل إِبداع، سواء وقَّعه ميكالانج أَو هوغو أَو بودلير، مصطفى فرُّوخ أَو الياس أَبو شبكة أَو الأَخطل الصغير. وليس إِيمان سعيد عقل بشعرها سوى تأْكيد على إِيمانه التاريخي بأَن الكلاسيكية لا إِلى انتهاء: تُولَد مع كل فجرٍ، وتبقى جديدةً مع كل غروب، وتُطلُّ جديدة بالنضارة ذاتها في الفجر التالي، ومع كل فجر.

عظمة الكلاسيكية أَنها تبقى نابضةً ثابتة في جلالها. ليست "موجة" تعلو وتتباهى وتنشر فُقاعاتها، ثم تبلغ الشط فتتكسَّر على الحصى ويبتلعها الرمل فتختفي. الكلاسيكية حبَّةُ اللؤْلؤ في قلب المياه، لا تتأَثر بموجةٍ تعلو ولا بأُخرى تهبط وتختفي. الكلاسيكية هي الديمومة النابضة من عصرٍ إِلى عصر، وستبقى نابضةً في كل عصرٍ آتٍ.

الأَساس هو امتلاكُ أُصول الكلاسيكية: لغةً عريقةً بنتَ عصرها، تعبيرًا جميلًا نقيًّا ناصعًا، وتراكيبَ متجدِّدةً بارعةً من ضمن الأُصول، تتكسر على شاطئها الموجات والتيارات والتجارب.

وحدها تبقى: نبضةٌ راسخةٌ في الأُصول (والقيَم أُصول، والأَخلاق أُصول، والفضائل أُصول) والشعرُ أُصول تتطوّر من جَوَّانية المبادئ فتتجدَّد مبادئها مع كل جيل.

في جيلنا نحن، صورةٌ راسخةٌ آتيةٌ من مستقبل الشعر المحافظ على متانة الأُصولِ ابنةِ العصور العميقة.

صورةٌ رسَمَتْها بريشة وُثقى: قصيدةُ باسمة بطولي.

باسمة بطولي (وكالات)

المصدر: النهار