شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

محيي الدين نجم.. حينَ يغدو الأسرُ حكايةَ عمرٍ والشهادةُ خاتمة الوفاء

محيي الدين نجم.. حينَ يغدو الأسرُ حكايةَ عمرٍ والشهادةُ خاتمة الوفاء

يبقى محيي الدين نجم رمزاً للصمود الفلسطيني الشامخ، وشاهداً حياً على تضحيات الحركة الأسيرة في أزقة قرية "سيريس" جنوب مدينة جنين، يتردد صوت حكايةٍ فلسطينيةٍ لا تشبه غيرها؛ حكاية رجلٍ ولد في قرية سيريس الهادئة في 20 أيلول 1965 ، نذر هذا الرجل من زهرة شبابه ونضجه اكثر من تسعة عشر عاماً خلف قضبان السجون، ليختم رحلته الصابرة شهيداً رافعا راية الحق، شاهداً على ظلم الاحتلال وقسوة سجانة. إنه الاسير الشهيد محيي الدين فهمي سعيد نجم (أبو احمد)، الذي ترجل عن صهوة الحياة في الرابع من أيار/مايو 2025، لتتحول سيرته إلى وثيقة إدانة صارخة لسياسات القتل البطيء والإهمال الطبي الممنهج لسلطات سجون الاحتلال . لم تكن حياة محيي الدين نجم مجرد سنوات تُحسب على روزنامة العمر، بل كانت مسيرة نضال ومقاومة وصبر واحتساب ،فقد تم اعتقاله للمرة الأولى في 3 مايو 1993 ،وافرج عنه في 17 أكتوبر 2010، حيث تنقل محي الدين بين سجون الاحتلال، وتعرف على مئات الاسرى الذين صاغ معهم علاقة صداقه واخوه، ولم يمض على اعتقال محي الدين بضع سنوات حتى فقد والده عام 1998 ، ليحرم محي الدين من وداع والده ، أمضى محي الدين ما مجموعه اكثر من 19 عاماً متفرقة في معتقلات الاحتلال. وفي الثامن من آب/أغسطس 2023، أُعيد اعتقاله ليُحتجز تحت سيف "الاعتقال الإداري" دون تهمة أو محاكمة، في وقت تحولت فيه المعتقلات إلى زنازين للابادة والانتقام، ففرضت إدارة السجون حصاراً مشدداً على الأسرى المرضى، وحرمتهم من أبسط مقومات العلاج والدواء المعتاد، مما أدى إلى تدهور خطير ومفاجئ في صحة الشهيد محي الدين نجم ، الذي كان يعاني من عدة مشاكل صحيه ، وكان من المقرر اجراء عمليه جراحيه له قبل الاعتقال ، إضافه لتعرضه للضرب والتعذيب القاسي مع اول ايم حرب غزه، وادى ضربه إلى احداث مشاكل صحيه في جسده وهاصه في رأسه الذي تعرض لعدة ضربات قاسيه جدا ، وزاد وضعه الصحي صعوبه مما أدى إلى نُقل على إلى مستشفى "سوروكا" حيث فاضت روحه إلى بارئها وهو في الستين من عمره. الصحفي والكاتب والباحث: عمل أبا احمد بالصحافه والكتابه التي اشتغل على تطويرها بشكل ذاتي خلال وجوده في الأسر والتقائه بعدد كبير من الصحفيين والأكاديميين . فقد صاغ محي الدين مئات المقالات والتقارير التي تناولت فلسطين وقضيتها ، وأبدع بالكتابه عن الأسرى ومعاناتهم، وتنقل في الكتابه والنشر في اكثر من موقع ومكان ومدونه، وكثيرا ما كان يستخدم الأسماء الوهميه والرموز بدلا عن استخدام الاسم الصريح حتى يتجنب ملاحقة الاحتلال له . بعيداً عن أرقام المعتقلين والتقارير الحقوقية، كان "أبو احمد" يشكل رقماً جميلا في قلوب عارفيه. في بيته الصغير وبين أفراد عائلته، كان زواجه من السيدة منى أبو زيد وأبوته لستة من الأبناء والبنون (منية، مجد، مسك، أحمد، أسيد، وإسلام) تجسيداً لدور الأب الحنون والزوج الوفي الذي لم تُغير السنوات العِجاف قلبه السَمْح. فقد عرفته "سيريس" بأخلاقه العالية، وبرّه المشهود بوالدته، وحرصه المتواصل على صلة الرحم وخدمة أهل قريته ونشر الخير في محيطه. وجاءت لحظة استشهاده لتزيد من مفارقات هذا الوجع، إذ ارتقت روحه شهيدا في الوقت نفسه الذي كانت تُعقد فيه جلسة محكمة لتثبيت اعتقاله الإداري، وكأنّ قدره أن يبرهن للجميع أن حريته لن تنزعها أحكام السجان، بل نالتها روحه الصاعدة إلى السماء. ولم تتوقف قسوة الاحتلال عند حرمان أسرته منه في حياته، بل امتدت لتطال جثمانه الطاهر بعد مماته، إذ تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثمانه ضمن سياسة "مقابر الأرقام" محاولةً حرمان عائلته من وداعه ومواراته الثرى في مسقط رأسه. وكان آخر ما نشره الشهيد محي الدين قبل اعتقاله ومن ثم استشهاده : يا رب ..تناديك كل خلية من خلايانا بها كل حين وكل وقت فكيف تعجز السنتنا ان تنشغل بها عمن سواك ؟ يا رب ..توجعنا مشاغل الحياة وتنهش عقولنا مشاكلها ومنغصاتها فكن معينا لنا ان ننشغل بغذاء الارواح ونتعالى عن آلام الجسد يا رب..حلق بنا كالفراشات خفيفة الوزن تبحث عن النور الدائم يا رب ..كن لقلوبنا كالندى صباح كل ربيع اصرف عقولنا وارواحنا عن خشخشة الصلصال ولزقة الطين يا رب..امنحنا حياة البساطة مع غنى وثراء المعرفة وعمق النظر في سر الحياة والكون يا رب..مهما تعاظمت الاوجاع ومهما نزفت اعمارنا من اشواك الطريق وتقلبات الزمان فهي في رحابك متعة يا رب..لا تطرد عقولنا وقلوبنا من كنفك ومعيتك. يا رب..فجر طاقات عقولنا في فن ابداع اداء واجبنا نحو رسالة الانسانية والعزة والكرام وتحقيق الغاية يا رب ..لا تتركنا في الحياة كحبات الرمال تذروها الرياح في الصحاري القاحلات يبقى محيي الدين نجم رمزاً للصمود الفلسطيني الشامخ، وشاهداً حياً على تضحيات الحركة الأسيرة. لقد رحل الجسد، لكنّ الأثر الطيّب والذكرى العطرة المتروكة بين أبناء شعبه وقريته ستظل شعلةً تنير طريق الحرية لكل الأسرى والشهداء.

المصدر: وكالة القدس