شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

9,518 إخطار هدم ووقف بناء في الضفة خلال 11 عاماً.. الاحتلال يحاصر التوسع العمراني الفلسطيني

9,518 إخطار هدم ووقف بناء في الضفة خلال 11 عاماً.. الاحتلال يحاصر التوسع العمراني الفلسطيني

من القيود على التراخيص إلى المسارات المختصرة للهدم، تواصل سلطات الاحتلال تضييق المجال العمراني الفلسطيني، بما يهدد حق السكان في السكن والبناء والاستقرار. لم تعد إخطارات الهدم ووقف البناء مجرد إجراءات إدارية تتعلق بتنظيم الأبنية، بل تحولت إلى أداة تضبط من خلالها سلطات الاحتلال مساحة البناء الفلسطيني، وتحدّ من توسع القرى والتجمعات السكانية، وتبقي المساكن والمنشآت تحت تهديد الإزالة. ولا يقتصر أثر هذه الإخطارات على المباني المستهدفة، بل يمتد إلى استقرار العائلات، وقدرة التجمعات على توفير احتياجاتها السكنية والخدماتية والإنتاجية. وبحسب الحصيلة السنوية المنشورة في تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، بلغ مجموع الإخطارات التي وثقتها الهيئة والمؤسسات القانونية الشريكة 9,174 إخطاراً خلال الأعوام 2015–2025، إضافة إلى 344 إخطاراً خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، ليصل الإجمالي إلى 9,518 إخطاراً حتى نهاية أيلول/سبتمبر الماضي. وتستند هذه الأرقام إلى الملفات والإخطارات التي وصلت إلى الجهات المتابعة ووثّقتها، ولا تعني بالضرورة أنها تشمل جميع الإخطارات الصادرة عن سلطات الاحتلال. كما لا تمثل عدداً فريداً للمباني، إذ قد تتعدد الإجراءات بحق المنشأة الواحدة. وتبقى حصيلة عام 2026 جزئية، ولا يصح مقارنتها مباشرة بحصيلة عام كامل. تعود جذور منظومة التخطيط الحالية إلى تشريعات سابقة للاحتلال، من بينها قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية الأردني رقم 79 لسنة 1966، الذي نظم إعداد المخططات وإجراءات الترخيص عبر مستويات تخطيطية متعددة. لكن بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، أعادت سلطات الاحتلال تشكيل هذا الإطار من خلال أوامر عسكرية غيّرت صلاحيات التخطيط وآليات اتخاذ القرار. وشكّل الأمر العسكري رقم 418 الصادر عام 1971 محطة أساسية في هذا المسار، إذ ركّز صلاحيات التخطيط في مجلس تخطيط أعلى تقوده المنظومة العسكرية، وجرّد الفلسطينيين من آليات التمثيل والمشاركة التي كانت قائمة سابقاً. ومع إنشاء الإدارة المدنية عام 1981، استمر إخضاع شؤون التخطيط للبنية الإدارية للاحتلال. وبموجب ترتيبات أوسلو، بقيت صلاحيات التخطيط والترخيص في المنطقة المصنفة «ج» تحت السيطرة الإسرائيلية، وهي منطقة تتجاوز ثلاثة أخماس مساحة الضفة الغربية، وتضم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية وامتدادات القرى والبلدات ومجالات توسعها المستقبلية. ولا يتعلق الأمر فقط بالجهة التي تصدر قرار الترخيص، بل بمن يملك صلاحية تحديد حدود التجمعات الفلسطينية، ومساحات التوسع العمراني، ومواقع المدارس والطرق والمرافق العامة. ويؤدي استبعاد السكان عن المشاركة في تحديد هذه الاحتياجات إلى اتساع الفجوة بين النمو السكاني والاحتياجات الفعلية من جهة، والمخططات المعتمدة من جهة أخرى. وتعزز هذا الارتباط بين التخطيط والسيطرة على الأرض مع تطورات إدارية لاحقة؛ إذ رصدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024، إنشاء منصب وزير إضافي في وزارة الدفاع الإسرائيلية يتمتع بصلاحيات تتصل بتصنيف الأراضي والتخطيط وتنسيق عمليات الهدم. تنتج هذه المنظومة واقعاً غير متكافئ أمام الفلسطينيين الراغبين في البناء، إذ تصبح تلبية الاحتياجات السكنية أو إنشاء المنشآت الزراعية والخدماتية عرضة للملاحقة، في ظل ضيق المخططات المعتمدة وتعثر المصادقة على مخططات تلبي احتياجات التجمعات. ووثّقت الأمم المتحدة، استناداً إلى بيانات الإدارة المدنية، الموافقة على أقل من 4% من طلبات الترخيص الفلسطينية في المنطقة «ج» خلال الفترة بين عامي 2015 و2019. وتكشف هذه النسبة حجم القيود التي تواجه الفلسطينيين في الحصول على تراخيص البناء، حتى في الحالات التي يمتلكون فيها الأراضي. وتتخذ الإخطارات أشكالاً متعددة، أبرزها أوامر وقف العمل التي تعطل استكمال البناء، وأوامر الهدم التي تضع المنشأة تحت تهديد الإزالة، إلى جانب ما يعرف بـ«الفرصة الإضافية»، التي قد تكون مرحلة لاحقة في ملف سابق. وخلال عام 2025، سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 615 إخطاراً بوقف العمل، و227 أمراً بالهدم، و120 فرصة إضافية، إلى جانب أنواع أخرى من الإخطارات. وتبقي هذه الإجراءات استثمارات الأسر ومدخراتها ومصادر رزقها معلّقة، حتى في الحالات التي لا ينفذ فيها الهدم بصورة فورية. وفي سياق تسريع تنفيذ عمليات الإزالة، برز الأمر العسكري رقم 1797 المتعلق بإزالة الأبنية الجديدة، والذي صدر عام 2018 وبدأ تطبيقه في تموز/يوليو 2019، بعد رفض الطعن المبدئي فيه. وأنشأ الأمر مساراً مختصراً لإزالة البناء غير المرخص في المنطقة المصنفة «ج»، وفق شروط تتعلق بمرحلة إنشاء المبنى والمدة الزمنية التي مضت على اكتماله. ويشمل ذلك الأبنية التي لم تكتمل إقامتها، أو التي لم يمضِ على اكتمالها ستة أشهر، فيما تخضع المباني السكنية لشروط إضافية تتعلق بإشغالها والمدة التي انقضت على ذلك. ويتيح هذا المسار إصدار أمر الإزالة بعد مهلة قصيرة تبلغ 96 ساعة، وفق إجراءات التبليغ وطلب الإلغاء، لكنه لا يعني أن الهدم ينفذ تلقائياً بمجرد انتهاء المهلة. وتكمن خطورة هذا الإجراء في تقليص الوقت المتاح للاعتراض والدفاع القانوني، إذ يرتبط إلغاء القرار بإثبات وجود ترخيص، أو عدم انطباق شروط الأمر على المبنى، أو وجود عيب جسيم يستوجب إلغاءه. كما أن مجرد التوجه إلى تسوية الوضع التخطيطي لا يُعد طلباً لإلغاء أمر الإزالة، ولا يكفي تقديم طلب غير مستوفٍ لمتطلبات الإثبات لوقف التنفيذ. ورغم بقاء اللجوء إلى القضاء ممكناً من حيث المبدأ، فإن قصر المهلة وضيق أسباب الاعتراض يضعان أصحاب المنشآت أمام تحديات قانونية كبيرة. لذلك تبرز أهمية توثيق تاريخ التبليغ، وحالة البناء والإشغال، والاحتفاظ بالصور والمستندات ذات الصلة، والتحرك القانوني قبل انتهاء المهل المحددة. وتختلف الإجراءات المطبقة في القدس الشرقية عن المسارات المعمول بها في المنطقة «ج»، حيث تستخدم سلطات الاحتلال منظومة التنظيم والبناء التابعة لبلدية الاحتلال، بما يشمل أوامر الهدم والغرامات وتحميل أصحاب المساكن تكاليف إزالة منازلهم. كما ينبغي التمييز بين الهدم بذريعة مخالفات التنظيم والبناء، والهدم العقابي أو التدمير خلال العمليات العسكرية، لاختلاف الأساس القانوني والإجراءات المرتبطة بكل حالة. وتظهر البيانات السنوية استمرار إصدار الإخطارات، مع تفاوت أعدادها من عام إلى آخر؛ إذ ارتفعت من 701 إخطار عام 2015 إلى 1,333 إخطاراً عام 2023، وهي الحصيلة الأعلى خلال الفترة المذكورة، بزيادة بلغت 90.2% مقارنة بعام 2015. وانخفض العدد إلى 939 إخطاراً عام 2024، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 991 إخطاراً عام 2025. ولا يعني التراجع في سنة معينة بالضرورة انخفاض تهديد الهدم، إذ تتداخل في هذه الحصيلة ملفات سابقة وإجراءات متجددة، كما تختلف أوقات صدور الإخطارات ووصولها إلى المؤسسات وتوثيقها. وعلى المستوى الجغرافي، تصدرت محافظة الخليل قائمة المحافظات خلال الأعوام 2015–2025 بواقع 2,697 إخطاراً، تلتها بيت لحم بـ1,310، ثم رام الله والبيرة بـ1,118، والقدس بـ929 إخطاراً. واستحوذت المحافظات الأربع على نحو ثلثي الحصيلة المكانية المنشورة. وخلال الأعوام 2023–2025 وحدها، سجلت المحافظات الأربع 1,992 إخطاراً من أصل 3,263، أي نحو 61% من الإجمالي. كما ارتفعت الإخطارات المسجلة في محافظة رام الله والبيرة من 83 إخطاراً عام 2023 إلى 169 عام 2025، ما يبرز أهمية متابعة التغير في توزيع الإخطارات بين المحافظات، وعدم الاكتفاء بالأرقام الإجمالية. ولا تعني صدارة محافظة من حيث العدد المطلق أنها الأعلى بالضرورة من حيث نسبة المنشآت المهددة، إذ يتطلب قياس كثافة الاستهداف مقارنة الأعداد بحجم السكان والمنشآت والمساحات العمرانية، فضلاً عن تحديد المواقع والقرى التي تتركز فيها الإخطارات. وتتضح خطورة الإخطارات عند ربطها بالضغوط الأخرى التي تواجه التجمعات الفلسطينية، من الاستيلاء على الأراضي وإغلاق الطرق وتقييد الوصول إلى المراعي ومصادر المياه. فاجتماع هذه الإجراءات يضعف قدرة السكان على الحفاظ على مقومات حياتهم، ويحد من استمرار الأنشطة الزراعية والرعوية، ويزيد كلفة البقاء في المناطق المستهدفة. ولا يقتصر الضرر على أصحاب المنشآت التي تتلقى الإخطارات، بل يمتد إلى مستقبل التجمعات ونموها الطبيعي. فالأسرة تحتاج إلى مساكن جديدة مع ازدياد عدد أفرادها، والقرية تحتاج إلى مدارس وشبكات مياه وطرق ومرافق عامة ومنشآت توفر فرص العمل والإنتاج. وتظهر البيانات المنشورة لعام 2025 أن المنازل والمنشآت السكنية شكلت 736 إخطاراً، أي نحو 74.3% من إجمالي الإخطارات خلال العام. ويعكس ذلك حجم الضغط الواقع على الحق في السكن، وما يرافقه من مخاوف مستمرة لدى العائلات بشأن مصير منازلها وإمكانية توسيعها أو تحسينها. كما يفرض استمرار التهديد أعباءً لا تظهر في أعداد الإخطارات وحدها؛ فقد تتردد الأسرة في استثمار مدخراتها في منزل مهدد بالهدم، أو تؤجل أعمال الترميم والتوسعة، فيما تضيق الخيارات السكنية أمام الأجيال الجديدة، وتتزايد الضغوط على المساحات العمرانية القائمة. وفي التجمعات الريفية والرعوية، قد يؤدي استهداف حظيرة أو خزان مياه أو منشأة زراعية إلى إضعاف مقومات الإقامة والعمل، بما يجعل أثر الإخطار متجاوزاً للخسارة المادية المحتملة إلى تهديد القدرة على الاستمرار في المكان. وعلى الصعيد القانوني، لا تمنح الأوامر العسكرية التي تصدر بموجبها إخطارات الهدم مشروعية دولية تلقائية. إذ تلزم المادة 43 من لائحة لاهاي سلطة الاحتلال بإدارة الحياة العامة واحترام القوانين القائمة، ما لم يمنعها مانع مطلق. كما تحظر المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تدمير الممتلكات، باستثناء الحالات التي تقتضي فيها العمليات العسكرية ذلك بصورة مطلقة. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن التدخل في تنظيم البناء يجب أن يكون ضرورياً فعلاً لمصلحة السكان، ومتوافقاً مع القانون وحقوق الإنسان، بما يميزه عن التدمير المحظور. وتكفل المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في السكن الملائم. وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن سياسة الترخيص والهدم التمييزية بحق الفلسطينيين تشكل تمييزاً محظوراً. وتتصل هذه الانتهاكات أيضاً بحماية السكان من النقل القسري؛ إذ أوضحت المحكمة أن غياب القوة الجسدية المباشرة لا ينفي الطابع القسري للرحيل، عندما لا يبقى أمام السكان خيار حقيقي سوى مغادرة أماكن إقامتهم. وفي ظل هذه المعطيات، تبرز أهمية متابعة الإخطارات وتوثيقها، ليس بوصفها إجراءات منفصلة، بل باعتبارها ملفات تكشف أثر منظومة التخطيط والقيود المفروضة على البناء في مستقبل التجمعات الفلسطينية. كما تكتسب المتابعة القانونية التي تنفذها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والمؤسسات الشريكة أهمية في حماية المنشآت وكشف مسار كل ملف، وتوثيق ما يترتب على هذه الإجراءات من آثار سكنية واقتصادية واجتماعية. وتتطلب قراءة حجم الظاهرة بصورة دقيقة ربط كل إخطار بنوعه والمنشأة المستهدفة وموقعها وتاريخ تبليغها والاعتراضات والقرارات اللاحقة بشأنها، وصولاً إلى معرفة مصير الملف. فهذه التفاصيل تتيح التمييز بين المنشآت التي حُميت من الهدم، وتلك التي تأجل تنفيذ قراراتها أو تجدد تهديدها، وتقدم صورة أوضح عن أثر القيود المفروضة على حق الفلسطينيين في البناء والسكن والبقاء على أرضهم.

المصدر: وكالة القدس