أميركا تضغط بالعقوبات لدفع مبادرات التسوية السياسية في ليبيا
لا تبدو التحركات الأميركية الأخيرة في ليبيا منفصلة عن مساعي واشنطن لإعادة ترتيب المشهد السياسي؛ إذ يتزامن تصعيد الضغوط على الأطراف المعرقلة للتسوية بالتلويح بالعقوبات، مع تحركات دبلوماسية تستهدف تقريب مراكز النفوذ في شرق البلاد وغربها، والجمع بين التفاوض والضغط. وتبلور أحدث تأكيد لهذا التوجه على لسان السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الجمعة، الذي ربط بين قرار مجلس الأمن الداعم لنتائج لجنة «4+4» والمبادرة الأميركية، والتدابير العقابية المنصوص عليها في القرار رقم 2174. وخلال جلسة مجلس الأمن للتصويت على تمديد ولاية البعثة الأممية لمدة عام، حرص والتز، الجمعة، على تأكيد رسالة صارمة، مفادها أن الأشخاص الذين يعرقلون الانتقال السياسي أو يقوضونه «قد يواجهون الإدراج على قوائم العقوبات»، مشدداً على أن واشنطن لن تتردد في فرض «عواقب وخيمة». وسبق أن برز الموقف نفسه خلال جلسة مجلس الأمن في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حين شددت نائبة الممثل الأميركي للشؤون السياسية لدى الأمم المتحدة، جينيفر لوسيت، على إمكان إخضاع المعرقلين لعقوبات المجلس. ويعكس هذا النهج، بحسب مراقبين، رغبة واشنطن في منع تحول التفاهمات المطروحة إلى ترتيبات لتقاسم النفوذ بين القوى المتنافسة، دون خطوات عملية لتوحيد المؤسسات، وتهيئة البلاد للاستحقاق الانتخابي، بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي والعسكري. وبحسب عضو المؤتمر الوطني السابق، نادية الراشد، فإن سياسة «الصبر الاستراتيجي»، التي اتبعتها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في ليبيا باتت تقترب من نهايتها، مشيرة إلى احتمال اتجاه واشنطن لسحب الغطاء السياسي عن شخصيات ليبية، وفرض إجراءات عقابية. وأوضحت الراشد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن دوائر تعطيل التسوية لا تقتصر على التيارات الآيديولوجية، المتثلة في أنصار الإسلام السياسي ذوي الامتدادات العسكرية، بل قد «تشمل أيضاً شخصيات سياسية وقادة ميليشيات ومجموعات غير مؤدلجة، تحركها مصالح اقتصادية وشبكات نفوذ، ورجال أعمال يستفيدون من استمرار الانقسام». وضربت الراشد مثالاً لمؤشرات اتساع أدوات المساءلة الأميركية بقرار وزير الخارجية، ماركو روبيو، منع المسؤول السابق بجهاز الشرطة القضائية الليبي أسامة المصري (نجيم) وزوجته وأفراد أسرته من دخول الولايات المتحدة، على خلفية اتهامات بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويواجه نجيم مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في 18 يناير (كانون الثاني) 2025، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة منذ فبراير (شباط) 2015. وسبق أن صدر حكم قضائي ليبي بسجن نجيم 7 سنوات و4 أشهر، بعد إدانته بتعذيب سجناء في طرابلس، في تطور يضيف بعداً قضائياً محلياً إلى الملاحقات الدولية المرتبطة بالقضية. ورغم اختلاف الأساس القانوني للإجراء الأميركي عن العقوبات الأممية، فإن القرار يعكس توسيع واشنطن نطاق أدوات المساءلة الفردية، دون أن يعني ذلك تجميد أصول نجيم، أو فرض حظر مالي عليه، أو إدراجه تلقائياً على قوائم العقوبات الدولية، وفق مراقبين. هذه الإجراءات تفرض نفسها تزامناً مع مبادرة يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، «تستهدف تقريب مواقف القوى النافذة في شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى تفاهم بشأن السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام». وتقوم التصورات المتداولة للمبادرة على تفاهم بين معسكر رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، والقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر، مع طرح صيغة لتقاسم السلطة تتضمن استمرار الدبيبة وإسناد موقع قيادي إلى صدام حفتر. لكن هذه الترتيبات لم تعلن رسمياً في صورة اتفاق نهائي، أو وثيقة أميركية متكاملة، كما تتوازى مع هذه المبادرة مع مسار لجنة «4+4»، الذي ترعاه البعثة الأممية، ويعالج الخلافات المؤسسية والقاعدة الدستورية والانتخابية، وتوحيد المؤسسات. من جهته، يرى رئيس حزب «ليبيا الكرامة»، أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة بنغازي، يوسف الفارسي، أن الرسالة الأميركية بشأن معاقبة معرقلي الحوار تمثل نقطة محورية؛ إذ لا يمكن لأي مبادرة سياسية أن تنجح دون إجراءات حقيقية تجاه المعطلين. وقال الفارسي عبر منشور على «فيسبوك» إن الحوار وحده لا يكفي، مؤكداً أن الضغط الدولي ضروري لضمان الالتزام بالتفاهمات، ومنع استمرار المماطلة، معتبراً أن التلويح بالعقوبات يمكن أن يدفع الأطراف إلى التعامل بجدية مع الاستحقاقات السياسية. ولا تبدو الرسائل الأميركية، من منظور الراشد، منفصلة عن الاهتمام الأميركي بليبيا، وبموقعها الاستراتيجي في شرق المتوسط وأمن الطاقة، فضلاً عن حسابات النفوذ الدولي في أفريقيا في ظل الحضور الروسي، معتبرة أن هذه العوامل تجعل استقرار ليبيا، وتوحيد مؤسساتها، جزءاً من المصالح الأميركية. وبين المبادرة السياسية والتهديد بالعقوبات وإجراءات المساءلة الفردية، تسعى واشنطن إلى الاحتفاظ بأكثر من ورقة للتأثير في المشهد الليبي، لكن نجاح هذا النهج يظل مرتبطاً بمدى استعداد القوى المتنافسة للانتقال من تقاسم النفوذ إلى تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.
المصدر: الشرق الأوسط