مفاوضات بلا ثقة..! كيف تتحول التنازلات بين طهران وواشنطن إلى اتفاق قابل للاستمرار؟
لم تعد المفاوضات بين واشنطن وطهران مجرد محاولات لاحتواء حرب مفتوحة، بل تحولت إلى اختبار معقد لحدود التنازلات المتبادلة وقدرة الطرفين على بناء تفاهمات قابلة للاستمرار في ظل انعدام الثقة. فبين حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تقدم في الاتصالات، وتشديده في الوقت نفسه على استمرار الخيارات العسكرية وعدم استبعاد توجيه ضربات جديدة، تتكشف مفارقة المشهد التفاوضي من خلال رغبة معلنة في إنهاء المواجهة، تقابلها رسائل ضغط لا توحي بأن التصعيد خرج من الحسابات. وفي ظل استمرار الخلاف حول ترتيب الالتزامات والضمانات وآليات تنفيذها، لا يبدو أن الوصول إلى اتفاق نهائي بات مسألة وقت، بقدر ما أصبح رهنا بقدرة الطرفين على حسم الملفات التي لا تزال تفصل بين التفاهم السياسي والتسوية الفعلية. الرئيس الأميركي دونالد ترامب صرح، فجر اليوم الأحد، إن المفاوضات مع إيران “تسير بشكل جيد”، لكنه أبدى تشككه في إمكانية الوثوق بالموقف الإيراني، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ليست في عجلة من أمرها لاتخاذ قرار بشأن شن هجمات جديدة، بعدما دمرت، “جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية الإيرانية”، مضيفاً إن واشنطن لا تزال أمامها أهداف محدودة للتعامل معها، من بينها موقع جبل الفأس في محافظة أصفهان، الذي تشتبه الولايات المتحدة في ارتباطه بالأنشطة النووية الإيرانية. تصريحات تحمل دلالات تتجاوز مجرد توصيف مسار المفاوضات؛ إذ تشير إلى أن الإدارة الأميركية لا تنظر إلى التقدم الدبلوماسي باعتباره سبباً كافياً للتخلي عن أدوات الضغط العسكري، بل تتعامل مع المسارين باعتبارهما متوازيين، بحيث تستمر المفاوضات بالتزامن مع الاحتفاظ بإمكانية العودة إلى العمليات العسكرية إذا تعثرت الجهود السياسية. يرى محللون أن إحدى أبرز العقبات أمام التوصل إلى اتفاق نهائي تتمثل في طبيعة الالتزامات التي يتعين على كل طرف تقديمها، والتوقيت الذي ينبغي أن تدخل فيه هذه الالتزامات حيز التنفيذ، فضلاً عن الضمانات المطلوبة لضمان تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها. ويبين المحللون أن واشنطن تسعى إلى الحصول على التزامات واضحة وقابلة للتحقق بشأن الملفات التي تعتبرها مرتبطة بأمنها ومصالحها الاستراتيجية، بينما تبرز مسألة الضمانات المقابلة باعتبارها عنصراً مهماً في أي تفاهم مع طهران، خصوصاً فيما يتعلق بمدى استمرارية التعهدات الأميركية وعدم العودة إلى الخيار العسكري بعد تقديم إيران تنازلات أو التزامات محددة. ومن هنا، لا يقتصر الخلاف على مضمون الاتفاق المحتمل، بل يمتد إلى ترتيب تنفيذه، هل تبدأ إيران بتنفيذ التزاماتها أولا، أم تقدم واشنطن ضمانات وإجراءات مقابلة بالتزامن؟ وهل تكون التنازلات متدرجة ومرتبطة بمراحل زمنية، أم يجري الاتفاق على حزمة متكاملة تنفذ بصورة متبادلة؟ يؤكد المحللون أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في ظل غياب الثقة المتبادلة، إذ إن أي اختلال في تسلسل التنفيذ قد يدفع أحد الطرفين إلى اعتبار أن الطرف الآخر حصل على مكاسب تفاوضية من دون تقديم المقابل المطلوب، وبالتالي، فإن صياغة آلية واضحة للتحقق والرقابة وضمان الالتزام قد تكون أكثر أهمية من التوصل إلى تفاهمات سياسية عامة لا تحدد بصورة دقيقة مسؤوليات كل طرف. في القراءة السياسية لتطور الاحداث بين واشنطن وطهران، لا تبدو الخلافات القائمة محصورة في تفاصيل تقنية أو ترتيبات تنفيذية، بل ترتبط أيضا بحسابات سياسية واستراتيجية أوسع، حيث إن الولايات المتحدة تسعى إلى ضمان ألا تؤدي أي تسوية إلى إعادة إنتاج مصادر التهديد التي دفعتها إلى خوض المواجهة العسكرية، في حين تمثل الضمانات واستمرارية التفاهمات مسألة أساسية بالنسبة إلى الجانب الإيراني في أي مسار تفاوضي ينطوي على التزامات طويلة الأمد. وفي هذا الإطار، فإن تشكيك ترامب في إمكانية الوثوق بالموقف الإيراني يعكس استمرار إشكالية الثقة بوصفها أحد المحددات الرئيسية لمسار التفاوض، لذلك يؤكد مراقبون أنه حتى في حال التوصل إلى تفاهمات بشأن بعض الملفات، ستظل هناك حاجة إلى آليات عملية تمنع التراجع عن الالتزامات أو تفسيرها بصورة متعارضة. بناء على ما تقدم، فإن الاختبار الحقيقي للمفاوضات لا يكمن في مدى اقتراب واشنطن وطهران من إعلان اتفاق، بل في قدرتهما على صياغة تفاهمات تصمد أمام تضارب المصالح وهشاشة الثقة، وتحدد بوضوح ما يقدمه كل طرف وما يحصل عليه في المقابل، بعيداً عن معادلة التفاوض تحت ظلال المواجهة العسكرية. أسرة التحرير
المصدر: الوطن