موازنة 2027.. قروض ثقيلة ومخاوف من تقليص الإنفاق!
متابعة/المدى
حذّر باحثون اقتصاديون من اتساع العجز المتوقع في مسودة موازنة العراق لعام 2027، بالتزامن مع مخاطر تجدد الحرب في المنطقة، وسط مطالبات للحكومة بإعلان خطة طوارئ تضمن استمرار تصدير النفط وتوفير السلع الأساسية وحماية النظام المالي من صدمة جديدة.
وقال الباحث الاقتصادي نبيل المرسومي، في تدوينة تابعتها (المدى)، إن فجوة العجز المقدرة في مسودة الموازنة تبلغ نحو 43 تريليون دينار، فيما تتضمن مصادر التمويل قرابة 38 تريليون دينار من الاقتراض الداخلي والخارجي، أي ما يعادل نحو 88% من قيمة العجز.
وبذلك، لا يمثل رقما 43 و38 تريليون دينار تقديرين متعارضين، إذ يشير الأول إلى إجمالي العجز المتوقع، بينما يمثل الثاني حجم الاقتراض والأدوات التمويلية المقترحة لتغطية الجزء الأكبر منه.
وأوضح المرسومي أن الاقتراض الخارجي يبلغ نحو 16.156 تريليون دينار، بينها قرابة 8.421 تريليون دينار لقروض جديدة، و7.735 تريليوناً لقروض مستمرة، فيما يصل الاقتراض الداخلي إلى نحو 21.734 تريليون دينار.
ويتوزع التمويل الداخلي، بحسب قراءته للمسودة، بين نحو 14.743 تريليون دينار من حوالات الخزينة، وخمسة تريليونات من السندات، إضافة إلى تريليوني دينار من قروض المصارف الحكومية.
وأشار المرسومي إلى وجود خمسة تريليونات دينار مرتبطة بحساب الاتفاقية العراقية الصينية، أُدرجت، بحسب قوله، ضمن النفقات الاستثمارية وفي الوقت نفسه ضمن مصادر تمويل العجز، معتبراً أن هذه المعالجة المحاسبية قد توحي بخفض العجز من 43 إلى 38 تريليون دينار.
وحذّر من أن التوسع في الاقتراض الداخلي قد يقلل قدرة المصارف على تمويل الشركات والمشروعات الخاصة، إذ يؤدي توجيه السيولة المتاحة إلى شراء حوالات الخزينة والسندات الحكومية إلى مزاحمة القطاع الخاص على الائتمان.
كما أشار إلى أن الاقتراض الخارجي يتضمن التعامل مع جهات ودول عربية وأجنبية، بينها السعودية والكويت والصين وألمانيا وفرنسا، فضلاً عن مؤسسات تمويل دولية.
في المقابل، نفت الحكومة وجود خطة محددة لاقتراض 16 تريليون دينار من الدول الخمس المذكورة، مؤكدة أن تحسن صادرات النفط عزز الإيرادات العامة وقلل الحاجة إلى هذا النوع من الاقتراض.
غير أن النفي الحكومي لا يلغي وجود قروض وأدوات تمويل داخلية وخارجية في مسودة الموازنة، إذ أعلنت اللجنة المالية النيابية، الخميس الماضي، استضافة مدير عام دائرة الدين العام لمناقشة إجمالي الدين والضمانات والقروض المدرجة ضمن مشروع موازنة 2027.
ولا تزال الأرقام المتداولة مرتبطة بمسودة قابلة للتعديل، ولم تتحول إلى التزامات نهائية، إذ قد تتغير قيم العجز والاقتراض خلال مراجعة الحكومة للمشروع أو مناقشته داخل مجلس النواب.
وتقدر النفقات في مشروع الموازنة بنحو 217 تريليون دينار، على أساس سعر نفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل وصادرات تقارب أربعة ملايين برميل يومياً، ما يترك عجزاً يتجاوز 40 تريليون دينار.
وحذّر المرسومي من لجوء العراق إلى صندوق النقد الدولي لتغطية جانب من احتياجاته التمويلية، نظراً إلى أن البرامج المرتبطة بقروض الصندوق تتضمن عادة التزامات بإصلاح المالية العامة وزيادة الإيرادات وتقليص النفقات.
ورأى أن تطبيق هذه الإجراءات قد ينعكس على الدعم الحكومي المقدم للفئات الفقيرة أو الإنفاق العام وفاتورة الرواتب، إذا جرى التعامل مع الأزمة من خلال إجراءات تقشفية من دون حماية الفئات الأكثر تضرراً.
وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن شروعه في محادثات مع السلطات العراقية لإعداد برنامج تمويلي جديد، بعد تقدم بغداد بطلب للحصول على الدعم.
وقالت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك إن المحادثات تستهدف فهم أولويات الحكومة ومواطن الضعف في الاقتصاد، قبل تحديد طبيعة البرنامج الذي يمكن تقديمه، مشيرة إلى أن العراق كان يعاني من قيود تمويلية وقاعدة محدودة للإيرادات غير النفطية حتى قبل اندلاع الحرب على إيران.
وتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16% خلال العام الحالي بفعل تداعيات الحرب واضطراب صادرات الطاقة، فيما انتهى آخر برنامج تمويلي للعراق معه عام 2019، مع استمرار مدفوعات فوائد مرتبطة به حتى عام 2030.
وفي السياق نفسه، حمّل الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي الحكومة والنظام السياسي مسؤولية غياب خطط طوارئ اقتصادية معلنة لمواجهة احتمال تجدد الحرب في المنطقة.
وقال الهاشمي، في تدوينة تابعتها (المدى)، إن دول الخليج بدأت اتخاذ إجراءات احترازية لتأمين صادرات الطاقة واستمرار تدفق السلع الأساسية، ودعم المصارف والشركات، وتقليل اعتماد حركة التجارة على مضيق هرمز.
وأضاف أن تلك الدول تعمل على تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وتنويع الموردين وإيجاد طرق بديلة لاستيراد الأغذية والأدوية، في حين لا تزال الاستعدادات العراقية، بحسب قوله، غير واضحة للرأي العام.
وحذّر من انتظار اندلاع الحرب قبل التحرك عبر إجراءات سريعة ومحدودة الأثر، مشيراً إلى أن العراق سيكون بين أكثر الدول تضرراً بسبب اعتماده الكبير على عائدات النفط، ومرور الجزء الأكبر من صادراته عبر الممرات البحرية المتأثرة بالصراع.
وطالب الهاشمي الحكومة بوضع خطة تضمن تأمين السلع الغذائية والأدوية والوقود، وتوفير طرق بديلة للتجارة والتصدير، وحماية المصارف والشركات والأسواق من اضطرابات السيولة وسلاسل التوريد.
وتعرضت المالية العراقية لضغوط كبيرة خلال العام الحالي، إذ بلغ العجز الفعلي في الأشهر السبعة الأولى نحو 26.3 تريليون دينار، بعدما سجلت النفقات 65.4 تريليوناً، مقابل إيرادات بلغت 39.1 تريليون دينار.
وبلغت الإيرادات النفطية نحو 30.4 تريليون دينار، بما يعادل 78% من إجمالي الإيرادات، مقابل 8.7 تريليونات فقط من المصادر غير النفطية، ما يؤكد استمرار هشاشة الموازنة أمام أي توقف في التصدير أو تراجع في أسعار الخام.
وبين عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، واقتراض مقترح يقترب من 38 تريليوناً، واحتمالات عودة الحرب، تواجه الحكومة اختباراً مزدوجاً يتمثل في تمويل التزاماتها الحالية، وفي الوقت نفسه إعداد خطة تمنع انتقال أي صدمة إقليمية جديدة مباشرة إلى الرواتب والأسواق وأسعار السلع.
The post موازنة 2027.. قروض ثقيلة ومخاوف من تقليص الإنفاق! appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى