شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حقنة واحدة لإصلاح الطفرة الجينية المسببة لمرض تخزين الحديد

حقنة واحدة لإصلاح الطفرة الجينية المسببة لمرض تخزين الحديد

في خطوة قد تمهّد لعلاج جذري لأحد أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً في أوروبا نجح باحثون في تطوير طريقة جديدة لتصحيح الخلل الجيني المسؤول عن داء ترسّب الأصبغة الدموية الوراثي أو ما يعرف بـ«مرض تخزين الحديد». وقد أظهرت التجارب قبل السريرية أن التقنية تمكنت من إصلاح الطفرة المسببة للمرض، وخفض تراكم الحديد في الكبد بصورة ملحوظة. والأهم أن الباحثين انتقلوا في تطوير العلاج من استخدام النواقل الفيروسية إلى جسيمات دهنية نانوية، وهي جزيئات بالغة الصغر تستطيع إيصال أدوات التصحيح الجيني إلى خلايا الكبد بكفاءة مع بقاء مكوناتها العلاجية في الجسم لفترة قصيرة فقط. ويرى الفريق أن هذه الخطوة قد تجعل العلاج أكثر أماناً وأسهل إنتاجاً وأقل تكلفة، إذا أثبتت التجارب البشرية فاعليته. ونُشرت النتائج في دورية «Journal of Hepatology» في 10 يونيو (حزيران) 2026 بعد أن اختبر فريق من كلية هانوفر الطبية التقنية في ألمانيا خلايا بشرية وحيوانية ونموذج فأر مصاب بزيادة الحديد. • إصلاح الخلل من جذوره: يحدث داء ترسّب الأصبغة الدموية الوراثي عندما يتعطل نظام الجسم المسؤول عن ضبط امتصاص الحديد من الأمعاء. وفي أكثر من 80 في المائة من الحالات يرتبط المرض بطفرة محددة في جين (HFE) تُعرف باسم (C282Y)، وتكون موجودة في نسختي الجين الموروثتين من الوالدين. ويؤدي هذا الخلل إلى فقدان بروتين (HFE) قدرته على تنظيم امتصاص الحديد، فيستمر الجسم في امتصاص كميات تفوق حاجته. ومع مرور الوقت يتراكم الحديد في الكبد وأعضاء أخرى ما قد يؤدي إلى آلام المفاصل والسكري وتلف الكبد، بل يزيد خطر الإصابة بسرطان الكبد في الحالات المتقدمة. وتعتمد المعالجة الحالية بصورة أساسية على سحب الدم بشكل دوري ومنتظم لتقليل مخزون الحديد، وهو إجراء قد يستمر طوال حياة المريض. أما الأدوية التي ترتبط بالحديد وتساعد على التخلص منه، فقد تكون محدودة الاستخدام بسبب آثارها الجانبية. لكنّ الباحثين يحاولون هذه المرة إصلاح السبب الجيني نفسه بدلاً من التعامل مع نتائجه. • «مقص جيني» أكثر دقة: كما استخدم فريق البحث من قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد والأمراض المعدية والغدد الصماء بكلية هانوفر الطبية بألمانيا بقيادة البروفسور مايكل أوت والدكتور سايمون كروس تقنية تعرف باسم (Base Editing)، وهي إحدى تقنيات التحرير الجيني المرتبطة بنظام كريسبر/ كاس (CRISPR/Cas). وعلى خلاف الأساليب التقليدية التي قد تقطع شريطي الحمض النووي معاً، تعمل هذه التقنية على تعديل قاعدة واحدة محددة في أحد شريطي الحمض النووي (دي إن إيه) DNA، وبعد ذلك تستعين الخلية بآليات الإصلاح الطبيعية لديها لاستكمال التصحيح في الشريط الآخر ما يؤدي إلى إزالة الطفرة المسببة للمرض. ويقول الباحثون إن تجنب إحداث قطع مزدوج في الحمض النووي قد يقلل خطر ظهور طفرات غير مرغوبة. ولإيصال أدوات التصحيح إلى الكبد استخدم الفريق الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) مغلفاً داخل جسيمات دهنية نانوية. ويحمل هذا الحمض التعليمات اللازمة لإنتاج أدوات التحرير الجيني، ثم يتحلل داخل الجسم خلال فترة قصيرة. • تصحيح أكثر من نصف الطفرات: أظهرت النتائج أن التقنية تمكنت في نموذج الفئران من تصحيح ما يصل إلى 67 في المائة من القواعد الجينية المعيبة بالتزامن مع انخفاض واضح في تراكم الحديد داخل الكبد. وبلغت كفاءة التصحيح نحو 70 في المائة في خلايا كبد الفئران، ونحو 65 في المائة في خلايا كبد بشرية مشتقة من مرضى مصابين بداء ترسّب الأصبغة الدموية. ويشير الباحثون إلى أن تصحيح نحو 50 في المائة من الخلل قد يكون كافياً لإنتاج كمية مناسبة من بروتين (HFE) الوظيفي لاستعادة تنظيم امتصاص الحديد. واللافت أيضاً أن الفريق لم يرصد تأثيرات كبيرة غير مستهدفة في مناطق أخرى من الجينوم ما يشير إلى مستوى مرتفع من الدقة في التجارب التي أجريت حتى الآن. • من علاج مستمر إلى إصلاح لمرة واحدة: وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها وأمانها في البشر فقد تغير مستقبل علاج المرض جذرياً. فبدلاً من الاعتماد على سحب الدم بصورة متكررة مدى الحياة، قد يصبح من الممكن في المستقبل تصحيح الخلل الجيني نفسه بجرعة علاجية واحدة، ومنع تراكم الحديد قبل أن يؤدي إلى تلف دائم في الأعضاء. ولا يزال هذا الاحتمال في مرحلة البحث؛ إذ يتعين إجراء تجارب سريرية على البشر للتأكد من سلامة العلاج وفاعليته على المدى الطويل. لكنّ الباحثين يأملون في الانتقال إلى هذه المرحلة قريباً، كما يدرسون إمكانية استخدام تقنية التصحيح الجيني نفسها لعلاج أمراض وراثية أخرى. وقد يكون هذا التطور بداية لتحول مهم في الطب الوراثي من السيطرة على المرض بعد ظهوره إلى إصلاح الخلل الذي تسبب فيه من الأساس.

المصدر: الشرق الأوسط