شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

بعد نجاح تخليق خلية شبه حية... ماذا يخبئ المستقبل؟

تحركت كايت أدمالا على المنصة ذهاباً وإياباً، داخل «معهد تاريخ العلوم» في فيلادلفيا، بينما ظهرت على شاشة القاعة كتلة تتوهج باللون الأحمر. وكانت الباحثة ترتدي بدلة سوداء، تحمل على إحدى طيات صدرها شارة (رسماً كرتونياً لكتلة تبتسم، وهي تغرس علماً على سطح القمر). وحملت الشارة عبارة: «خطوة صغيرة لـ(سباد سيل)»، في محاكاة ساخرة لـ«سباد سيل» (SpudCell)، الاسم الذي أطلقته أدمالا، عالمة البيولوجيا الاصطناعية بجامعة مينيسوتا، على الخلية الحمراء التي تطفو فوقها. جدير بالذكر أنه يمكن لخلية «سباد سيل» أن تنمو، وتنسخ حمضها النووي، وتنقسم إلى خليتين، ثم تبدأ دورة حياتها من جديد. والمثير أن هذه الخلية صنعها البشر من مكونات جامدة لا حياة فيها. وعند الكشف عنها في يوليو (تموز)، لاقت إشادة من بعض الخبراء، باعتبارها أقرب ما وصل إليه العلم لصنع حياة من الصفر. والآن، وصلت أدمالا إلى فيلادلفيا، لعقد لقاء مع باحثين وعلماء في الأخلاقيات «العلمية»، إلى جانب ممثلين عن قطاع التكنولوجيا الحيوية والحكومة؛ إذ إن الوقت قد حان للبت في كيفية الاقتراب بـ«سباد سيل» أكثر من مفهوم الحياة، وتحديد السبل الآمنة لاستخدامها في تحسين حياة البشر. وفي حديثها أمام الجمهور، قالت أدمالا: «مع ابتكار الخلايا الاصطناعية، أصبح لدينا نظام حيوي نستطيع فهمه والتحكُّم فيه بالكامل. وهنا تحديداً تبدأ المتعة (العلمية) الحقيقية». في يوليو (تموز)، أسست أدمالا بالتعاون مع ثلاثة علماء آخرين منظمة غير ربحية تُدعى «بيوتيك»، لدعم الأبحاث المتعلقة بـ«سباد سيل». ودارت الفكرة حول تخليق خلية ذاتية الاستدامة، يمكن للباحثين دراستها وتعديلها هندسياً، لإنتاج أدوية وأغذية ووقود وغيرها من المواد، التي تعجز البيولوجيا الطبيعية عن إنتاجها. وكان اجتماع الشهر الماضي بمثابة الظهور الأول لمنظمة «بيوتيك». وأطلق العلماء على يوم الاجتماع اسم «بلومزداي» (يوم الازدهار)، على أمل أن يكون معادلاً لمصطلح «يوم القيامة». واستعرض نحو 12 منهم تفاصيل العمل الأساسي، الذي بدأوه من أجل تطوير «سباد سيل». ونجحت «سباد سيل» بالفعل في إثارة اهتمام الكثير من العلماء فور ظهورها الأول، في يوليو (تموز) الماضي، وذلك لأسباب تجاوزت قربها الشديد من أن تكون كائناً حياً بحق؛ فالحقيقة أن الخلايا الطبيعية معقدة وغارقة في الغموض، وحتى أصغر الميكروبات تحتوي على عشرات الجينات، التي لم يستوعب العلماء طبيعتها تماماً بعد. في المقابل، وبحكم بناء «سباد سيل» من الصفر، يمتلك فريق أدمالا استيعاباً كاملاً لكل جزء استخدموه. ويأملون أن يجعل هذا الفهم الشامل تعديل خلايا «سابد سيل» هندسياً أسهل بكثير من الخلايا العادية. ومع ذلك، استقبل بعض العلماء «سباد سيل» بشيء من الريبة والشك، وينتظرون رؤية ما إذا كانت هذه التكنولوجيا قادرة على الوفاء بوعودها. وفي هذا الصدد، قال سيس ديكر، العالم الفيزيائي بجامعة ديلفت للتكنولوجيا: «لا أجدها دراسة مقنعة». وعبَّر ديكر عن اعتقاده بأن «سباد سيل» - في الوقت الحالي – هي في الواقع أقل مما تبدو عليه في الظاهر، موضحاً أن أدمالا وزملاءها زودوها بـ 36 جيناً، لكن جيناً واحداً فقط منها كان نشطاً خلال تجاربهم. وكان من مؤشرات التحفظ العلمي كذلك رفض دورية «سيل» العلمية، نشر ورقة بحثية تفصل ابتكار «سباد سيل». وحتى الآن، تتوفر هذه الورقة البحثية عبر الإنترنت باعتبارها مسودة أولية سابقة للنشر. وخلال اجتماع «بلومزداي»، ذكرت أدمالا أن الورقة تخضع حالياً للمراجعة في دورية أخرى. وفي أثناء انعقاد الاجتماع نفسه، أقر باحثو «سباد سيل»، وعلى رأسهم أدمالا، بأنه ما يزال أمامهم شوط كبير قبل الوصول إلى خلية ذاتية الاستدامة، يمكن لأي عالم تصنيعها من مكونات معدة سلفاً. وجدير بالذكر أن الخلايا البيولوجية على سبيل المثال، تصنع البروتينات داخل مصانع جزيئية تُعرف بـ«الريبوسومات» (ribosomes). إلا أنه كي تستخدم الخلايا هذه الريبوسومات، يتعين عليها في المقام الأول أن تتولى إنتاجها بنفسها. في المقابل، تعجز خلايا «سباد سيل» عن تصنيع ريبوسوماتها الخاصة؛ إذ يضطر العلماء (المشرفون عليها) إلى إمدادها بريبوسومات مُستخلصة من خلايا أخرى. ومع استخدام «سباد سيل» لهذه الريبوسومات في إنتاج البروتينات، تبدأ تلك المصانع الجزيئية في التهالك. من جهته، يعمل يوشيرو شيميزو، عالم البيولوجيا الجزيئية في معهد «ريكن» الوطني للأبحاث في اليابان، على معالجة هذه المشكلة، من خلال إجراء تجارب على عشرات الجزيئات، التي تتكون منها الريبوسومات، أملاً في إيجاد طريقة تحفزها على التجمع لتشكيل مصانع جديدة. وفي الوقت ذاته، يختبر باحثون آخرون بروتينات مختلفة، لمعرفة ما إذا كان بإمكانها جعل خلايا «سباد سيل» تنقسم بدقة أكبر، بينما يتقصى فريق آخر سبل جعل الحمض النووي لـ«سباد سيل» حساساً للضوء، بحيث يمكنهم تفعيل جيناتها عبر ومضات بألوان مختلفة. اللافت أن جميع مشروعات «سباد سيل» القائمة حول العالم، تجابه التحدي ذاته: كثرة الخيارات المتاحة؛ إذ توجد حلول وتركيبات لا حصر لها، عملياً، لتكوين الريبوسوم أو أي خاصية أخرى في «سباد سيل». من ناحيتها، تعمل روزانا زيا، عالمة البيولوجيا الحاسوبية بجامعة ميزوري، على تقليص هذه الخيارات، من خلال بناء نموذج افتراضي لـ«سباد سيل». وكانت زيا وفريقها قد طوروا بالفعل نماذج حاسوبية دقيقة للميكروبات الطبيعية. وشرحت زيا أنه: «لدينا القدرة على سبر أغوار هذه الأنواع من الخلايا، ورصد مواقع كل الجزيئات بدقة متناهية في كل لحظة زمنية». ويعكف فريقها حالياً على محاكاة ملايين الجزيئات داخل خلية «سباد سيل» واحدة، آملين أن تثمر هذه التجارب الافتراضية، خلية «سباد سيل» مطوَّرة، يمكن لأي مختبر إنتاجها بنفسه، باستخدام بروتوكول مفتوح المصدر من منظمة «بيوتيك». تطوير كيانات بيولوجية ذاتية الاستدامة يمكن تعديلها هندسياً لإنتاج أدوية وأغذية ووقود تعجز البيولوجيا الطبيعية عن إنتاجها ويستلهم العلماء فكرتهم من نظام «يونكس» ـ نظام تشغيل حاسوبي رائد، أُنشئ في سبعينات القرن الماضي. ولأنه كان بسيطاً ومفتوحاً أمام الجميع، جذب «يونكس» مجتمعاً عالمياً من علماء الحاسوب الذين استخدموه في الابتكار والتطوير. ويأمل الباحثون أن تصبح «سباد سيل» بمثابة نظام «يونكس» للتكنولوجيا الحيوية (خلية بسيطة يمكن تعديلها هندسياً بأشكال لا حصر لها من التطبيقات النافعة). ورغم أن الجزء الأكبر من اجتماع فيلادلفيا استغرق في التخطيط العلمي، فإن علماء الأخلاقيات وخبراء الأمن الحيوي ناقشوا كذلك التساؤلات الأخلاقية التي تفرضها «سباد سيل». وتتساءل لوري زولوث، اختصاصية الأخلاق البيولوجية بجامعة شيكاغو: «هل يُعد هذا خلقاً للحياة؟» من جهتها، لطالما شددت أدمالا وزملاؤها على أنهم لم يخلقوا حياة بالفعل، ويؤكدون في الوقت ذاته صعوبة وضع حد فاصل ومطلق بين ما هو حي وما هو غير حي. ومع ذلك، يدرك العلماء إمكانية إساءة استخدام «سباد سيل»، وأن ثقة الرأي العام في هذا النمط من العلوم البيولوجية قد تنهار. وأشارت زولوث إلى أن شركة «أوبن إيه آي» تأسست في البداية (تماماً مثل «بيوتيك») باعتبارها منظمة غير ربحية، مكرسة لتطوير ذكاء اصطناعي آمن لمصلحة البشرية. وتساءلت زولوث: «ما الذي انحرف عن مساره هناك؟ ولماذا بات الناس غير واثقين بالذكاء الاصطناعي عموماً إلى حد الاستعداد للتظاهر أمام مراكز البيانات؟». من جانبها، تتعامل أدمالا وزملاؤها مع ملف السلامة والأمن بجدية بالغة منذ البداية؛ فقبل تقديم «سباد سيل» على نطاق واسع، عملوا على هندسة حمضها النووي وبروتيناتها، بحيث لا يمكنها البقاء على قيد الحياة إلا عبر الاعتماد على نظام غذائي كيميائي فريد وغير موجود في الطبيعة. ويأمل الباحثون أن تضمن هذه التدابير عدم تسرب «سباد سيل» من المختبرات أو إمكانية إطلاقها كسلاح بيولوجي. وقالت أدمالا: «يمكننا حماية الأحياء والتحكم فيها عند أكثر مستوياتها جوهرية». إن الآفاق الواعدة (وربما المخاطر كذلك) تبدو هائلة فيما يتعلق بفقاعة ميكروسكوبية لا تكاد تظل حية في الوقت الحالي، حتى في ظل توفير الكثير من الرعاية والتغذية. من ناحيته، قال درو إندي، عالم البيولوجيا الاصطناعية بجامعة ستانفورد، وأحد مؤسسي منظمة «بيوتيك»: «سنحتاج إلى كل ما يمكننا نيله من التوفيق وحسن الحظ، فنحن بحاجة ماسة إليهما».

المصدر: الشرق الأوسط