من الحطب إلى زيت السيارات التالف.. أزمة الغاز تدفع العائلات في تعز نحو ممارسات تتسبب في مخاطر صحية
مع كل وجبة تحاول سارة محمد إعدادها لأسرتها، تجد نفسها أمام معاناة تبدأ من البحث عن أسطوانة الغاز وتنتهي بإشعال الحطب، بعدما جعلت الندرة وارتفاع الأسعار الحصول على الغاز المنزلي أمرًا يفوق قدرة كثير من الأسر، وبين تصاعد الدخان تعيش سارة معاناة مضاعفة، فلم يعد إعداد وجبة يومية مهمة اعتيادية، بل عبئًا إضافيًا يثقل حياة الأسرة ويعرّض أفرادها لمخاطر صحية. تقول سارة محمد في حديثها لـ" المصدر أونلاين" إن الحصول على الغاز المنزلي أصبح معاناة يومية بسبب ندرته وارتفاع أسعاره، مضيفة: «لم نعد قادرين على توفيره بشكل منتظم، ما اضطرنا إلى العودة لاستخدام الحطب لإعداد الطعام، ونقضي ساعات في جمع الحطب وإشعال النار، في ظل ظروف معيشية صعبة وغياب البدائل المناسبة». سارة نازحة في مدينة تعز مع زوجها وأطفالها الأربعة، دفعتها الظروف والمضايقات في مناطق مليشيا الحوثي إلى السكن في منزل متضرر من الحرب وقريبًا من خطوط التماس شمال المدينة، منزل لا يتوفر فيه أدنى مقومات الحياة، فآثار الحرب ما زالت شاهدة على جدران المنزل ونوافذه المحطمة، فلا نوافذ تقيهم برد الشتاء ولا غاز لطهي الطعام، قصة واحدة من بين مئات القصص لأسر تتسابق لقطع الأشجار وتأمين طهي الطعام، في مدينة محاصرة. زيت السيارات التالف.. وقود بديل ومخاطر مضاعفة مع وصول سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 30 ألف ريال، لم تعد الخيارات محصورة في الحطب فحسب، إذ دفعت الحاجة بعض المواطنين إلى استخدام زيت السيارات التالف لتشغيل مواقد الطهي كبديل يومي، غير مدركين للمخاطر الناتجة عن احتراقه. وفي تصريح خاص لـ«المصدر أونلاين»، حذر الدكتور عبدالمغني المسني من المخاطر الصحية الناجمة عن لجوء الأسر إلى حرق الحطب والكراتين واستخدام زيت السيارات التالف للطهي، موضحًا أن هذه المواد تطلق عند احتراقها ملوثات ومركبات ضارة، قد تؤدي إلى أمراض تنفسية ومضاعفات صحية خطيرة، خصوصًا لدى الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن. وقال المسني: «حرق زيت السيارات التالف أخطر بكثير من استخدام الحطب، لما ينتج عنه من أبخرة ومركبات هيدروكربونية ومعادن ثقيلة وجسيمات دقيقة، بعضها مواد مسرطنة، ولا ينبغي إطلاقًا استخدامه بديلًا لغاز الطهي أو داخل المطابخ». من جانبه، حذر الطبيب شاكر رزاز، في تصريح خاص لـ«المصدر أونلاين»، من أن استنشاق الأدخنة الناتجة عن احتراق الحطب والفحم والمواد الأخرى قد يسبب تهيجًا في الشعب الهوائية والسعال وضيق التنفس، ويؤدي إلى تفاقم حالات الربو والحساسية وأمراض الصدر، لا سيما لدى الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض الجهاز التنفسي. وأضاف رزاز «التعرض المتكرر لأدخنة الحطب والفحم والزيوت المستعملة، خصوصًا داخل المنازل سيئة التهوية، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، كما أن بعض الغازات الناتجة عن الاحتراق قد تسبب الصداع والدوار وفقدان الوعي، وقد تصل في حالات التعرض الشديد إلى الوفاة». ولا تتوقف تداعيات أزمة الغاز عند المخاطر الصحية، بل تمتد إلى زيادة الأعباء المعيشية على الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. موسى الشرعبي موطن آخر يسكن في مدينة تعز المحاصرة، يجد نفسه أمام معاناة لا نهاية لها، في العمل الذي بات شبه متوفقًا منذ بداية الأحداث الأخيرة، إذ أنه يعمل على دراجته النارية لتوفير متطلبات المعيشة لأسرته، لكن أزمة الوقود فاقمت معاناته كثيرًا.. بنبرة حزينة يقول: "إن الغاز المنزلي لم يعد متاحًا كما كان في السابق، وإن أسعاره، حتى عند توفره، أصبحت تفوق قدرتي على شرائه، الأمر الذي دفعنا إلى استخدام الحطب ووسائل الطهي التقليدية". ويضيف في حديث لـ "المصدر أونلاين" قوله: «أصبحنا نتحمل أعباء إضافية لتوفير الغاز لإعداد وجباتنا اليومية، فكان الحطب حلًا اضطراريًا وأحيانًا نضطر إلى شراء الحطب بأسعار مرتفعة من الأسواق أو نخاطر بحياتنا إلى أماكن قريبة من خطوط التماس لقطع الأشجار من هناك، ودراجتي النارية واقفة، البترول سعره غالي، أدخل منه مصاريف الوجبات فقط». وتضاعف هذه الظروف معاناة الأسر، إذ تضطر إلى تخصيص جزء إضافي من دخلها المحدود لتأمين بدائل للطهي، أو تحمل مشقة جمع الحطب وإشعال النار، في وقت باتت فيه تلبية الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة. وتكشف أزمة الغاز المنزلي عن جانب آخر من الضغوط التي تواجهها الأسر في ظل الحصار الذي تفرضه مليشيا الحوثي على المدينة، إذ لم يعد البحث عن الغاز مجرد مسألة تتعلق بتوفير احتياجات المطبخ، بل أصبح مرتبطًا بالصحة والسلامة والقدرة على تحمل تكاليف الحياة اليومية. وبينما تحاول الأسر التكيف مع الأزمة بما هو متاح، تبقى البدائل التقليدية والمواد المحترقة مصدر قلق متزايد، خصوصًا عندما تُستخدم داخل المنازل دون احتياطات كافية، ولا تقتصر معالجة المشكلة على التحذير من المخاطر، بل تتطلب تخفيف أزمة الوقود وتوفير خيارات آمنة تمكّن الأسر من إعداد طعامها دون تعريض صحتها للخطر.
المصدر: المصدر أونلاين