لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟
هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018. والبعض يرى أنه أهم من كل أولئك الذين سيطروا على الساحة الباريسية أيام صرعات البنيوية وما بعد البنيوية من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وسواهم. ولكن الشهرة ذهبت إليهم أكثر مما ذهبت إليه. وربما كان السبب يعود إلى أنه أمضى معظم حياته التدريسية في جامعات أميركا لا جامعات فرنسا. ولكنه حظي بالشهرة العريضة لاحقاً بل وأصبح عضواً بارزاً في الأكاديمية الفرنسية. على أي حال المسألة ليست هنا. المسألة هي أن ميشيل سير بعد أن اطلع على تاريخ الفلسفة الفرنسية على مدار العصور اكتشف الحقيقة التالية: وهي أن قسماً كبيراً من فلاسفة فرنسا تعرضوا في أثناء حياتهم للقمع والمنع والملاحقات. لقد كتبوا في أجواء من الرعب والخوف بل وحتى التهديد بالقتل أحياناً. بمعنى آخر لقد خاطروا بحياتهم من أجل تدبيج مؤلفاتهم والتعبير عن حقيقتهم وأفكارهم. ولكنهم الآن أصبحوا يشكلون مجد الفكر الفرنسي وعظمته. وأكبر دليل على ذلك ديكارت نفسه: أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. ولكنه ليس الوحيد. في الواقع إن فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر بل وحتى التاسع عشر كانوا يعيشون على حافة الخطر في معظم الأحيان ودون أي ضمانات مادية أو معنوية. ولكن بما أن الفيلسوف الفرنسي المعاصر ما عاد يعاني من أي مشكلة من هذا النوع فإننا نتوهم أن أسلافه كانوا دائماً هكذا. وهذا خطأ ما بعده خطأ. في الواقع إن فلاسفة فرنسا المعاصرين يتمتعون بكل أنواع الحريات الفكرية والضمانات المادية والمناصب الجامعية والرواتب المريحة، إلخ. ولا أحد يهددهم أو يخيفهم. وعلى هذه النعمة يحسدهم مثقفو عالم الجنوب. أما فلاسفة الماضي فشأن آخر. لنضرب على ذلك مثلاً شخصاً يدعى دولاميتري (1709-1751). وهو طبيب وفيلسوف مادي فرنسي. بمعنى أنه كان يعيش خارج إطار عقائد الكنيسة الكاثوليكية الجبارة المهيمنة على العقول آنذاك. ولذلك أدين كتابه «الإنسان الآلي» بعد نشره مباشرة من قبل كلية اللاهوت الكاثوليكي ورجال الدين. بل واضطر إلى الهرب من فرنسا آنذاك خوفاً من الاغتيال أو الاعتقال. لا ريب في أنه بالغ في التصور المادي والإلحادي للوجود ولذلك صدم عصره. وينبغي أن نتفهم ذلك. ماذا فعل هذا الفيلسوف عام 1749؟ لقد نشر كتاباً بعنوان: الإنسان الآلي. لقد راح يدرس الإنسان بصفته آلة بيولوجية وفيزيولوجية مؤلفة من وظائف عضوية مثله في ذلك مثل جميع الحيوانات والكائنات الحية. ولكن هذا التصور العلمي الفج كان سابقاً لأوانه. وكان يشكل صدمة كبيرة للوعي المسيحي الإيماني السائد. ولذلك ردوا عليه بعنف. فلم يكتفوا بحرق الكتاب علناً وإنما هموا باغتيال صاحبه. ولذلك هرب من فرنسا والتجأ إلى ملك بروسيا المستبد المستنير فريدريك الثاني الملقب بفردريك الكبير. ومعلوم أن هذا الملك الجبار كان متحرراً من العقائد التقليدية القديمة إلى حد كبير. ولهذا السبب كان يجمع حوله كل المفكرين الهاربين من القمع الأصولي الكاثوليكي الفرنسي أو المسيحي بشكل عام. ومعلوم أن فولتير ذاته لجأ عنده في فترة من الفترات. وكان معجباً بفولتير إلى أقصى الحدود ويعتبره أستاذه وقدوته. وهذا أكبر دليل على أن السلطة يمكن أن تكون معجبة بالمثقفين وبخاصة إذا كانت مستنيرة حتى ولو كانت مستبدة في تلك العصور. وهذا يعني أنه يوجد فرق كبير بين المستبد المستنير ملك ألمانيا والمستبد الظلامي لويس الخامس عشر ملك فرنسا. وهناك أيضاً الفيلسوف دولباك صديق ديدرو والموسوعيين. وهو صاحب الصالون الباريسي الشهير الذي كان يجتمع فيه المثقفون وتدور فيه المناظرات والمناقشات الفلسفية الأكثر جرأة. وقد منعت أكثر كتبه أو حرقت على رؤوس الأشهاد من قبل الأصوليين العتاة الذين اتهموه بمعاداة الدين والخروج عليه كلياً. والواقع أن تصوره للعالم والتاريخ كان علمياً وفلسفياً محضاً ولا علاقة له بالتالي بالرؤية الدينية أو اللاهوت المسيحي المهيمن. ونضرب على ذلك مثلاً ديكارت نفسه الذي لم يكن ملحداً قط على عكس البارون دولباك. وإنما كان مؤمناً بالله والقيم الدينية والأخلاقية العليا إيماناً قوياً لا يتزعزع. ومعلوم أنه أشهر فيلسوف أنجبته فرنسا على مدار تاريخها كله. ولكن على الرغم من كل إيمانه واحترامه للدين فإنه اضطر للعيش خارج فرنسا هرباً من ضغط الأصوليين المتشددين؛ وذلك لأن إيمان الفلاسفة غير إيمان عامة الشعب. لقد عاش معظم حياته في هولندا الليبرالية المتسامحة دينياً. وهناك نشر كتابه الشهير «مقال في المنهج» دون توقيع، خوفاً من ملاحقات رجال الكنيسة وكليات اللاهوت والشريعة. ولا ينبغي أن ننسى ذلك المسكين جان جاك روسو الذي تآلبت عليه الظروف من كل النواحي وأقضت مضجعه. لقد لاحقوه حتى جننوه. ومعلوم أنه دبج مؤلفاته التنويرية والعبقرية الكبرى في جو من الرعب والوحدة الكاملة والعزلة المطلقة. كانوا ينظرون إليه شزرا من عدة جهات وكانت الظروف ضده والسكاكين تسن عليه وتتربص به. ومع ذلك فقد أتحفنا بروايته الخالدة: «هيلويز الجديدة» أي قصة مجنون ليلى الجديدة بشكل من الأشكال. كما أتحفنا بكتاب «التربية إميل»، وكتاب «العقد الاجتماعي»، وكتاب «الاعترافات» أو المذكرات الشهير الذي يبلى الزمن ولا يبلى. وكل ذلك تم في جو من الخوف والملاحقات البوليسية الضارية. وقد وصل بهم الأمر إلى حد أنهم رجموه بالحجارة وكسروا نافذة بيته، بل ووصلت الحجارة لحجرة كبيرة إلى جانب السرير الذي ينام عليه. وكل ذلك حصل لأنه يكتب شيئاً جديداً مخالفاً للأفكار الشائعة عن الدين والعقيدة والتربية والسياسة. ونضرب على ذلك مثلاً «لامارك» مكتشف نظرية التطور حتى قبل داروين. فقد حاصره منافسوه وحساده المدعومون من قبل السلطة. وقد شاهده أحدهم وهو يشهق بالبكاء أمام نابليون طالباً العفو والمغفرة. لقد أذلوه وسحقوه بسبب عبقريته المتفجرة التي لم يستطيعوا تحملها. ألم يقل المتنبي: وأما عن أوغست كونت فحدث ولا حرج. فمؤسس الفلسفة العلمية الوضعية التي سيطرت على فرنسا لاحقاً لم يعش حياة هادئة على عكس ما نتوهم. فقد طردوه من مدرسة البوليتكنيك الباريسية الشهيرة فعاد مقهوراً ومدحوراً إلى مدينته الأصلية في مونبلييه على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ومن كثرة ما لاحقوه واضطهدوه بعدئذ أوصلوه إلى حافة الجنون. بل ودخل مستشفى الأمراض العقلية لفترة قبل أن يصحو ويسترد توازنه وعافيته. ولكن كل هذا لم يمنعه من تأليف كتبه الأساسية وبخاصة مؤلفه الكبير: دروس في الفلسفة الوضعية. والقائمة طويلة: قائمة المثقفين المنبوذين والملاحقين والمضطهدين لسبب أو لآخر. ولا نستطيع تعدادهم جميعاً هنا. ولكن سوف نتوقف مع ميشيل سير عند هذه الملاحظة القيمة. يقول الفيلسوف الكبير ما يلي: إن أبناء العائلات والذوات لا يمكن أن يصبحوا فلاسفة أو عباقرة إلا فيما ندر. لماذا؟ لأنهم يعيشون في بحبوحة من العيش ولا يعانون من عراقيل الحياة وصعوباتها ومشقاتها. وحدهم أولئك الذين عركتهم الحياة وصهرتهم في أتونها مرشحون لإنجاز الأعمال الفلسفية الكبرى. كيف يمكن لشخص لم يعرف من الحياة إلا وجهها السهل المريح أن يصبح فيلسوفاً؟ كيف يمكن لشخص لم يمت ألف موتة قبل أن يكتب حرفاً واحداً أن يصبح مفكراً عبقرياً؟
المصدر: الشرق الأوسط