تضارب المواقف من الاقتراض وأموال الخليج..واحتمال بيع شركات وزارة الصناعة
بغداد/ تميم الحسن
تنفي بغداد توجهها لاقتراض 16 مليار دولار من دول بينها السعودية، التي زارها علي الزيدي الشهر الماضي، رغم أن رئيس الوزراء تحدث قبل 5 أشهر عن اقتراض أضعاف هذا المبلغ من الخليج، لمواجهة عجز قال إنه يهدد رواتب الموظفين.
هذا التناقض يثير مخاوف أطراف شيعية من إرباك الشارع مجدداً، خصوصاً بعد أزمة الدولار وما رافقها من تضارب في التصريحات الحكومية.
ولا تقتصر الشكوك داخل الإطار التنسيقي على الملف المالي، بل تمتد إلى الزيارات الخارجية، وسط اتهامات للزيدي بالمضي في تنفيذ أجندة المبعوث الأميركي توم باراك.
وبينما لا يزال بعض قادة الإطار يرون في باراك صديقاً ودرعاً واقياً من غضب ترامب، يتحفظ آخرون على اندفاع رئيس الوزراء في تنفيذ مقترحاته، خصوصاً في الملف السوري.
في المقابل، تتباين آراء سياسيين ومحللين بشأن تلك الزيارات بين من يرى أنها تنسجم مع الرؤية الإيرانية، ويشكك بقدرتها على جذب الاستثمارات في ظل وجود الفصائل المسلحة، ويعدّها آخرون ناجحة إلى حد ما، ويفتحون لها آفاقاً للتعاون الاقتصادي والإقليمي.
أزمة التصريحات والاقتراض
في أيار الماضي، وخلال دردشة مع صحفيين في القصر الحكومي، تحدث الزيدي عن عزمه زيارة دول الخليج لطلب الدعم المالي، قائلاً إنه سيطلب صناديق اقتراض بقيمة 50 مليار دولار من كل دولة، بسبب عجز كبير قال إنه يهدد قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين. لكن المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي نفى، يوم الجمعة الماضي، الأنباء المتداولة بشأن توجه العراق لاقتراض 16 تريليون دينار من عدد من الدول لسد عجز الموازنة.
وقال العبودي إن هذه المعلومات غير صحيحة، وإن العراق لا يحتاج إلى مثل هذا الاقتراض في ظل مؤشرات الصادرات النفطية. وأضاف أن الحكومة تتبنى سياسة تقوم على توظيف الإيرادات النفطية لدعم الإنفاق العام وتلبية المتطلبات المالية للدولة، مشيراً إلى أن زيادة سقف الصادرات أسهمت في تعزيز الإيرادات.
وكانت المعلومات المتداولة قد تحدثت عن قروض من السعودية والكويت والصين وألمانيا وفرنسا، لمواجهة عجز الموازنة. غير أن نفي الحكومة لا ينهي الجدل بشأن حجم الاحتياجات المالية. فبحسب تقديرات خبراء ماليين، تواجه موازنة 2027 عجزاً يبلغ نحو 43 تريليون دينار، يُتوقع تغطية 88 في المئة منه بالاقتراض، موزعاً بين أكثر من 16 تريليون دينار من التمويل الخارجي، وأكثر من 21 تريليوناً من المصادر المحلية.
وتقول أطراف شيعية تحدثت إلى (المدى) إن الزيدي بات يمثل الحلقة الأضعف داخل الإطار التنسيقي، وإن حكومته أربكت الشارع أكثر من مرة بسبب تصريحاتها وقراراتها المالية.
ويستشهد مستشار في حزب شيعي كبير بملف الاقتراض، مشيراً إلى أن نفي الحكومة جاء في وقت ظهرت فيه معلومات عن طلب بغداد تمويلاً من صندوق النقد الدولي. وهذه القروض، بحسب المستشار، لا تُمنح عادة من دون شروط، قد تشمل تقليص الدعم عن بعض الفئات، وهو ما يمكن أن يمهد لصدام جديد بين الحكومة والشارع.
ويعيد المستشار نفسه التذكير بأزمة الدولار، التي أثارت غضباً شعبياً بعد أشهر من نفي الحكومة نيتها تعديل سعر الصرف. وفي النهاية، وجد الزيدي نفسه أمام مسؤولية قرار رفع السعر، بعدما تراجع الإطار التنسيقي عن تحمل تبعاته، رغم أن مصادر تحدثت إلى (المدى) قالت إن التحالف وافق على الخطة خلال اجتماع عُقد في حزيران الماضي.
الخطوات الثلاث.. والاتفاق مع باراك
وفي ذلك الاجتماع، الذي عُقد بمنزل عمار الحكيم، تحدث الزيدي أمام قادة الإطار عن صعوبة الوضع الاقتصادي، وطرح 3 خطوات وصفها بأنها إجراءات إصلاحية للخروج من الاشتراكية.
وشملت الخطة رفع سعر الدولار، واسترداد الأموال من الفاسدين، وبيع المؤسسات الحكومية الخاسرة.
لكن تطبيق هذه الإجراءات لم يمر من دون كلفة سياسية. فقرار سعر الصرف أثار اعتراضات شعبية، فيما بقي ملف استرداد الأموال محل تساؤلات، وبدأت تظهر معلومات عن مؤسسات حكومية قد تدخل في قائمة البيع لمستثمرين، بينها شركات الجلود والنسيج.
وتقول أوساط سياسية إن هذه الخطة ارتبطت، منذ بدايتها، بتفاهمات مع واشنطن عبر توم باراك، تقوم على استقطاب استثمارات أميركية مقابل تهيئة بيئة اقتصادية وأمنية أقل تأثراً بالفساد والسلاح. وبالفعل، زار الزيدي واشنطن ثم نيويورك، وأعلن عن استثمارات بقيمة 60 مليار دولار، بالتزامن مع تمديد المهلة المتعلقة بملف السلاح حتى الصيف المقبل.
لكن الرهان على هذه الخطة بدأ يواجه أسئلة في واشنطن نفسها. فمصادر قريبة من مؤسسات أميركية تقول إن هناك مراجعة لأداء باراك في العراق والمنطقة، وإن تقييماً آخر قد تجريه وزارتا الحرب أو الخارجية بعيداً عن المبعوث الأميركي. وتضيف هذه المصادر أن أي تغيير في طريقة إدارة الملف الأميركي سيترك الزيدي، والإطار التنسيقي من خلفه، أمام اختبار مختلف، بعدما ارتبط جزء من تحركات الحكومة بتصورات باراك وتفاهماته.
بين الحماية والقلق
داخل الإطار التنسيقي، لا توجد قراءة موحدة لدور باراك. فهناك من ينظر إليه باعتباره درعاً واقياً من غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيما ينتقد آخرون اندفاع الزيدي في تنفيذ ما يصفونه بأجندته، خصوصاً في الملف السوري. وكانت زيارة الزيدي الأخيرة إلى دمشق قد أعادت هذا الجدل، بعدما تحدث باراك عن مشروع تعاون ثلاثي يضم العراق وسوريا وتركيا، ويمتد إلى مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن والبنية التحتية. ويقول مثال الألوسي، العضو السابق في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان، إن تحركات الزيدي وزياراته الأخيرة إلى دول المنطقة تثير أسئلة بشأن طبيعة الدور الذي تريد الحكومة القيام به، خصوصاً أنها باتت تضم فصائل بارزة.
ويتساءل الألوسي في حديث لـ(المدى) عما إذا كانت هذه التحركات تهدف إلى توفير نوع من الحصانة السياسية للعراق إذا تصاعدت المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة.
ورغم إقراره بأهمية الحراك الدبلوماسي في ظل التوترات الإقليمية، يرى الألوسي أن ما تخطط له الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا في المنطقة لا يمكن احتواؤه بمجرد تحركات دبلوماسية، خصوصاً إذا كانت ذات طابع إعلامي ولا تستند إلى محور استراتيجي واضح.
ويتساءل الألوسي عما إذا كان الانفتاح العراقي تحركاً وطنياً تحكمه المصالح بعيداً عن العقد العقائدية، أم محاولة إيرانية لتقديم صورة مختلفة عن واقعها وتوفير غطاء سياسي لها أمام الضربات الأميركية المحتملة.
استثمارات بلا بيئة مستقرة
ولا تتعلق الشكوك بالسياسة وحدها. فالألوسي يرى أن استقطاب الاستثمارات الإقليمية والدولية يظل صعباً في ظل استمرار الصراعات الداخلية وغياب الاستقرار.
ويشير إلى الخلافات بين أربيل وبغداد، واستمرار وجود السلاح والفصائل، فضلاً عن مشكلات سنجار وما يصفه بفرض إرادات إيرانية على مناطق في سنجار والسليمانية وأربيل.
ويقول إن هذه الملفات تجعل العراق يبدو، في نظر المستثمرين، بلداً غير مستقر سياسياً، بل حكومة قد تكون نهاياتها قريبة. وبحسب الألوسي، فإن محاولات الزيدي لجلب الاستثمارات لا تبدو حتى الآن كافية لإقناع الدول المجاورة. ويشبهها بتاجر يعرض بضاعته بأسعار أقل، فيما يغفل السياسيون في بغداد أن الاستثمار لا يقوم على الزيارات والوعود وحدها.
فالمستثمر، بحسب رأيه، يحتاج إلى استقرار سياسي وداخلي، وجمارك منتظمة، ونظام مصرفي مستقر، وهي شروط يقول إنها غير متوفرة حالياً في العراق.
رؤية مختلفة للزيارات
في المقابل، يقدم الدبلوماسي السابق غازي فيصل قراءة أكثر تفاؤلاً لتحركات الزيدي، معتبراً أن الزيارات الإقليمية والدولية تفتح ملفات واسعة للتعاون الاقتصادي والسياسي، ولا يمكن اختزالها في كونها استجابة لتوجهات أميركية. ويشير فيصل إلى أن زيارة واشنطن، التي وصفها بالمهمة، تضمنت توقيع عقود واجتماعات مع شركات أميركية كبرى في قطاعات الطاقة والصناعات البتروكيمياوية، فضلاً عن بحث العلاقات مع البنوك والمصارف والمستثمرين. كما يضع ضمن هذا المسار زيارات الزيدي اللاحقة إلى إيران وتركيا وقطر، وما تحقق في زيارات السعودية والأردن ودمشق، إلى جانب زيارته فرنسا، التي شملت صفقات تتعلق بطائرات رافال ومنظومات الدفاع الجوي. ويرى فيصل أن هذه التحركات يمكن أن تفتح الطريق أمام شراكات اقتصادية عراقية مع سوريا والأردن والسعودية وتركيا، وتدعم مشاريع النقل والطرق والجسور والاتصالات، فضلاً عن منافذ جديدة لتصدير النفط.
ويضيف أن العراق، الذي يفترض أن يصل إنتاجه النفطي إلى 10 ملايين برميل يومياً، يحتاج إلى تنويع اقتصاده وعدم الاكتفاء بتصدير النفط الخام.
ويعتبر الدبلوماسي السابق أن أهمية تحركات الزيدي تكمن في إمكانية الانتقال من الاتفاقات الثنائية إلى تكامل اقتصادي إقليمي، يمكن للعراق أن يؤدي دوراً محورياً فيه.
ويبرز في هذا السياق مشروع التعاون الثلاثي بين العراق وسوريا وتركيا، الذي تحدث عنه باراك، باعتباره محاولة لتشكيل نواة اقتصادية إقليمية تمتد إلى الصناعة والزراعة والطاقة والخدمات والبيئة. ويقول فيصل إن هذا المشروع يمكن أن يقدم نموذجاً مختلفاً للتعاون في الشرق الأوسط، عبر ربط الاقتصادات الثلاثة بمشاريع مشتركة.
The post تضارب المواقف من الاقتراض وأموال الخليج..واحتمال بيع شركات وزارة الصناعة appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى