شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حين يُقتل الصحافي مرتين: مرة بالرصاص ومرة بالإفلات من العقاب

حين يُقتل الصحافي مرتين: مرة بالرصاص ومرة بالإفلات من العقاب

ريمون أبي تامر - أنطوني نعيم

رصاصة واحدة كفيلة أن تكون محاولة لمحو ذاكرة مجتمع. فالصحافي الذي يقترب من فساد محمي أو سلطة تستند إلى العنف، يصبح وجوده تهديداً لمن يريد احتكار الرواية. اغتياله يُسكت صوتاً، لكنه يوجّه رسالة إلى كل من يفكر في الاقتراب من الحقيقة: هنا تبدأ حدود الخوف.

لذا اكتسب الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر دلالته الدولية. ففي هذا اليوم من عام 2013، قُتل صحافيا إذاعة "فرنسا الدولية"، غيسلين دوبون وكلود فيرلون، في مدينة "كيدال" شمال مالي، أثناء أداء مهامهما. وبعد أسابيع، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 68/163، معلنةً هذا التاريخ يوماً دولياً لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين. كان القرار اعترافاً بأن الجريمة تتجاوز الضحية، وأن غياب المحاسبة يفتح الطريق أمام تكرارها؛ فالصحافة هي إحدى الطرق التي يرى بها المجتمع نفسه. إن المواطن الذي يُحرَم المعرفة يفقد القدرة على الاختيار والمساءلة، وكل حقيقة تُحجب تترك مساحة أوسع للسلطة كي تعمل خارج الرقابة. لذلك، يصبح قتل الصحافي اعتداءً على حق المجتمع في المعرفة، فيما يتحول الإفلات من العقاب إلى خلل في العدالة وتهديد مباشر للديموقراطية.

اعتداء على حق المجتمع في المعرفة: أرقام تكشف كلفة الصمت

لا تقتصر جريمة استهداف الصحافي على إسكات صوت إعلامي أو تغييب شاهد عن حدث فحسب، إنما تمتد تداعياتها إلى حق المجتمع بأكمله في المعرفة والحقيقة والمساءلة. وفي هذه الذكرى، تسلّط الأمم المتحدة الضوء على خطورة الظاهرة، بحيث يتخطى أثرها سقوط الضحايا إلى تهديد ركائز المجتمعات الديموقراطية وتقويض حرية تداول المعلومات.

وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة - اليونسكو، لا تزال الغالبية الساحقة من جرائم قتل الصحافيين من دون عقاب؛ إذ تشير بياناتها إلى أن 162 صحافياً قتلوا أثناء تأدية مهامهم بين 2023 و2024، وأن نحو 85% من الجرائم التي حصلت بحق الصحافيين منذ عام 2006 وأودت بحياة 1700 صحافي لم تُحلّ قضائياً. في السياق نفسه، قُتل67 صحافياً حول العالم عام 2025، وفقاً لإحصاءات منظمة "مراسلون بلا حدود"، وتصدّر قطاع غزة قائمة المناطق الأكثر دموية مسجّلاً نحو 43% من إجمالي القتلى عالمياً، جراء نار الجيش الإسرائيلي. ولا تعكس هذه النسبة مجرد إخفاق في إنفاذ القانون، وإنما تكشف عن بيئة تسمح بتكرار الاعتداءات، وتشجّع مرتكبيها على الإفلات من المحاسبة.

وتزداد خطورة الظاهرة في مناطق النزاعات المسلحة، حيث يتحوّل الصحافي من ناقل للوقائع إلى هدف محتمل بسبب ما يوثّقه من انتهاكات وجرائم. ولا تتوقف النتائج عند حدود الخطر الذي يهدد حياة الإعلاميين؛ فاغتيال الصحافي أو ترهيبه يخلقان مناخاً من الرقابة الذاتية والخوف، ويدفعان المؤسسات الإعلامية إلى تجنّب الملفات الحساسة، ويحْرُمان المواطنين معلومات أساسية تتصل بحقوقهم وأمنهم ومستقبلهم.

من هنا، أطلقت الأمم المتحدة خطة العمل بشأن سلامة الصحافيين ومسألة الإفلات من العقاب، بوصفها إطاراً دولياً يجمع بين الوقاية والحماية والملاحقة القضائية، وبهدف تعزيز بيئة آمنة وحرة للعمل الصحافي، خصوصاً في البلدان التي تشهد نزاعات أو اضطرابات. وتقوم الخطة على تنسيق الجهود بين وكالات الأمم المتحدة والحكومات، من خلال تطوير التشريعات، وتعزيز آليات الإنذار المبكر والاستجابة السريعة، إلى جانب توفير الحماية للصحافيين، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعّالة في الجرائم المرتكبة بحقهم. فالعدالة في هذه القضايا ليست امتيازاً مهنياً للصحافيين، وإنما ضمانة لحق الجمهور في الوصول إلى الحقيقة، ورسالة واضحة بأن الاعتداء على حرية الإعلام لن يتحوّل إلى جريمة بلا ثمن.

حماية الصحافيين بين الالتزامات الدولية وضمانات القانون اللبناني

تستند حماية الصحافيين إلى منظومة متكاملة من القواعد الدولية التي تُلزم الدول احترام سلامتهم الجسدية وحرية عملهم، وملاحقة المسؤولين عن الاعتداء عليهم.وفي مقدم هذه المرجعيات، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما منه المادتين 3 و19 المتعلقتين بالحق في الحياة وحرية الرأي والتعبير، بالإضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه لبنان عام 1972، والذي يحظر التعذيب والمعاملة القاسية أثناء القيام بمهام سلميّة .

أما في النزاعات المسلحة، فيكتسب الصحافيون حماية خاصة بموجب المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف - 1977، التي تعتبر الصحافيين العاملين في مناطق النزاع مدنيين، وتوجب حمايتهم ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية. كذلك، تشكّل قرارات مجلس الأمن 1738لعام 2006 و2222 لعام 2015 مرجعيْن أساسيْين في إدانة الاعتداءات على الصحافيين والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها.

وعلى المستوى اللبناني، يكفل الدستور في المادة13 حرية إبداء الرأي قولاً وكتابةً، من ضمن حدود القانون، فيما يشكّل قانون الإعلام الجديد الرقم 69/2026، محطة تشريعية مهمة في تعزيز الحماية القانونية للإعلاميين. فقد نصّت المادة 115 صراحةً على حظر الضغط أو التدخل أو التهديد المادي والمعنوي بهدف التأثير في العمل الصحافي، وأكدت استقلالية التحرير وحق الصحافيين في الوصول إلى المعلومات والتنقل بحرية لأداء مهامهم. والأهم أنها نصّت في فقرتها السابعة على تشديد العقوبات الجزائية المنصوص عنها في قانون العقوبات عند وقوع أي إيذاء أو اعتداء جسدي أو لفظي وأي تهديد بحق الصحافي بسبب نشاطه المهني.

وتبقى أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالقتل والإيذاء والاعتداء على الحرية الشخصية أساساً للملاحقة الجزائية بحسب طبيعة الفعل وظروفه. غير أن قيمة هذه النصوص لا تُقاس بمجرد وجودها، وإنما بمدى تطبيقها واستقلال التحقيقات وفاعلية القضاء في محاسبة المسؤولين، بصرف النظر عن مواقعهم ونفوذهم.فحماية الصحافي ليست حماية لفئة مهنية فحسب، وإنما صون لحق المجتمع في المعرفة، وضمانة لعدم تحوّل الحقيقة إلى ضحية أخرى للإفلات من العقاب.

المكسيك: حين تتواطأ الجريمة مع الصمت

خارج ساحات الحرب، تكشف المكسيك وجهاً آخر للخطر: صحافة محلية تواجه الكارتلات وشبكات المصالح السياسية والاقتصادية. فوفق تقرير منظمة Article 19، قُتل سبعة صحافيين واختفى صحافي واحد خلال عام 2025، في بلد تتداخل فيه الجريمة المنظمة مع ضعف مؤسسات الحماية والمحاسبة.

كانت ميروسلافا بريتش تعرف خطورة هذا التقاطع. فقد تناولت في تحقيقاتها صلات الجريمة المنظمة بالسياسة المحلية في ولاية "تشيواوا"، قبل أن تُقتل أمام منزلها في آذار 2017. أُدين مشاركون في الجريمة، وحُكم على أحدهم بالسجن خمسين عاماً، فيما بقيت مسؤولية من يُشتبه في أنه أمر بالقتل موضع ملاحقة. في المقابل، وبعد أقل من شهرين، قُتل خافيير فالديس، مؤسس مجلة "ريودوس" الاستقصائية، في "سينالوا". كان يكتب عن الجريمة المنظمة والفساد والسياسة. وأظهرت التحقيقات الفيدرالية أن قتله صدر بأمر من قيادي في كارتل سينالوا؛ وقد أُدين منفذون، فيما بقيت محاسبة الآمر بالقتل غير مكتملة.

وتُظهِر القضيتان أن الجريمة المنظمة تستهدف الصحافي حين يقترب من شبكاتها، لكن مسؤولية الدولة تبدأ حين تعجز عن حمايته، وتتضاعف حين تفشل في كشف جميع المتورطين ومحاسبتهم. فالجريمة تزرع الخوف، والإفلات من العقاب يمنحه شرعية الأمر الواقع.

في الثاني من تشرين الثاني، لا نحصي القتلى وحدهم. نحصي أيضاً الحقائق التي دُفنت معهم، والأسئلة التي أُسكِتت، والمساحات التي خسرها المجتمع من حريته. فحين يُقتل الصحافي، يبقى السؤال مفتوحاً: من يحاكم الحقيقة حين يعجز القضاء عن محاكمة قاتلها؟

المصدر: النهار