انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4%... جرس إنذار يستدعي الإصلاح واستعادة الثقة
لا يمكن اختصار انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% برقم إحصائي عابر، فهو يعكس عمق الأزمة البنيوية التي يواجهها لبنان في ظل غياب الإصلاحات الجوهرية، واستمرار عدم اليقين السياسي والأمني والمالي، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقطاع المصرفي. Advertisement ويؤكد رئيس MIDEL وعميد كلية إدارة الأعمال في USJ الدكتور فؤاد زمكحل في حديث لـ"لبنان 24" أنّ تداعيات الانكماش تتجاوز تراجع الناتج المحلي، لتطال الاستهلاك والاستثمار والإنتاج وفرص العمل والقدرة الشرائية، فيما تضعف قدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات إضافية بعد سنوات من الأزمات المتراكمة. وتكمن خطورة الوضع، بحسب زمكحل، في تزامن الانكماش مع ارتفاع الأسعار وكلفة المعيشة والإنتاج، ما يزيد مخاطر الركود التضخمي. فالمؤسسات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، تواجه ارتفاعاً في كلفة الطاقة والنقل والتشغيل مقابل تراجع الطلب وضعف التمويل، فيما ترزح الأسر تحت مداخيل محدودة ونفقات متزايدة. وهكذا تتشكّل حلقة مفرغة: تراجع القدرة الشرائية يخفض الاستهلاك، فتتراجع إيرادات المؤسسات وتقلّص استثماراتها وموظفيها، فتتراجع القدرة الشرائية مجدداً. ويتابع: رغم قدرة القطاع الخاص على الصمود والتكيّف، فإنّ الصمود لا يمكن أن يكون بديلاً من السياسات الاقتصادية الفاعلة. فالنمو المستدام لا يتحقق بالمبادرات الفردية والتحويلات الخارجية والاستهلاك النقدي وحدها، بل يحتاج إلى استثمارات منتجة، وقطاع مصرفي فاعل، ومؤسسات عامة موثوقة، وبنية تحتية حديثة، وقضاء مستقل، وبيئة تشريعية مستقرة. وفي غياب ذلك ترتفع مخاطر إقفال المؤسسات وهجرة الكفاءات وانتقال الرساميل إلى أسواق أكثر استقراراً، فتتضرر فرص النمو المستقبلية لا النشاط الحالي فقط. أزمة ثقة تتطلب إصلاحات فعلية ويشدّد زمكحل على أنّ ضخّ الأموال أو زيادة الإنفاق العام أو فرض ضرائب ورسوم إضافية لا يكفي لإعادة تحريك الاقتصاد، لأنّ الأزمة أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة سيولة. فالمستثمر، لبنانياً كان أم أجنبياً، يحتاج إلى الاستقرار والشفافية وحماية حقوقه، وهي شروط لا تتوافر من دون معالجة أزمة القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة المالية العامة، وتعزيز استقلالية القضاء، ومكافحة الفساد، وإرساء قواعد عادلة وواضحة للاستثمار والمنافسة. كما أنّ تحميل المؤسسات المنتجة والمواطنين أعباء ضريبية إضافية، من دون إصلاح الإنفاق العام وتحسين الخدمات، قد يعمّق الانكماش بدل احتوائه. وبحسب زمكحل، تتطلّب المعالجة الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى رؤية اقتصادية وطنية ترتكز على تحفيز الاستثمار والإنتاج، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الصادرات، والاستفادة من طاقات اللبنانيين المنتشرين، إلى جانب شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص قائمة على المساءلة والشفافية. ويتابع: لبنان لا يفتقر إلى الكفاءات والفرص، بل إلى الاستقرار والثقة والقرارات الإصلاحية التي تحوّل إمكاناته إلى نمو مستدام. ويختم: يكمن الخطر الأكبر في أن يصبح الانكماش والفقر وإقفال المؤسسات وهجرة الشباب واقعاً مألوفاً، فيخسر الاقتصاد تدريجياً قدرته الإنتاجية ورأسماله البشري وموقعه التنافسي. وعليه، فإنّ انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4% ليس مجرد مؤشر سلبي، بل جرس إنذار يستدعي تحرّكاً جدياً. ويبقى التحدي في توافر الإرادة السياسية والاقتصادية لإطلاق الإصلاحات واستعادة الثقة، بدل الاكتفاء بإدارة التراجع، ما يجعل النهوض أكثر صعوبة وكلفة مع مرور الوقت.
المصدر: لبنان 24