شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

موسم الحمضيات والمربى وتجفيف “عولة” الطبيعة

موسم الحمضيات والمربى وتجفيف “عولة” الطبيعة

يصل الخريف إلى البليدة مبكرا نوعا ما، هنا لا يقاس دخول الفصل فقط بتبدل الطقس، وإنما بما تبدأ به البيوت من استعدادات لاستقبال موسم جديد من خيرات الأرض، رائحة الحمضيات تبدأ في الانتشار تدريجيا في الأسواق والبيوت، والبرتقال واليوسفية والليمون يتحول بعضها إلى عصائر ومربيات ومصبرات، فيما تفتح أكياس الأعشاب المجففة التي جمعت في مواسمها، لتكون جاهزة للطبخ عندما تشتد برودة الأطلس البليدي تدريجيا. في متيجة، الانتقال من الصيف إلى الخريف ليس مجرد تحول في التقويم، بل هو انتقال من موسم الاستهلاك الطازج إلى موسم الاستفادة من فائض المحاصيل، فما تجود به البساتين في وقته يدخل في وصفات منزلية متعددة، فيما تجفف الأعشاب وترتب لاستخدامها خلال الأشهر اللاحقة فالعلاقة بين سكان المنطقة والأرض منذ القديم لم تكن علاقة إنتاج زراعي فقط، بل أسست لعادات غذائية وثقافية متوارثة، لعبت فيها الأسرة، وخاصة النساء، دورا مهما في تحويل المنتجات الفلاحية إلى أطعمة منزلية تربط المطبخ بالبيئة المحلية. تشكل الحمضيات جزءا من الصورة الثقافية والغذائية للمنطقة، وليس مجرد محصول فلاحي، فقد أحصيت في حقول متيجة 44 صنفا ضمن مجموعات تشمل الكليمونتين والمندرين والبرتقال والليمون والليمون البري، واللافت أن الموسم نفسه يبدأ بأصناف مبكرة، قبل أن تتوالى بقية الحمضيات تباعا، فإن المشهد الخريفي في متيجة يبدأ من البستان قبل أن يصل إلى المطبخ: صناديق الحمضيات في الأسواق، روائح البرتقال، التشوينة، الرنج، السفرجل واليوسفية في الأزقة، ثم كميات تقتنى لتحضير وصفات منزلية متنوعة، فللمربى مكانة تتجاوز فكرة التحلية، إنه جزء من تقاليد الضيافة والتدبير المنزلي، بل إن الثقافة الشعبية المحلية حفظت عبارة: “برج معجون أحسن من كاس قازوز”، في إشارة إلى مكانة المربى التقليدي في الضيافة البليدية. الأعشاب… صيدلية تنافس عولة التوابل في ثرائها الخريف البليدي لا تفوح رائحته من البرتقال فقط، في البيوت التي ما زالت تحافظ على تقاليد المونة، توجد “عولة” أخرى أقل لمعانا من جرار المربى، لكنها شديدة الحضور في المطبخ، الأعشاب المجففة. الزعتر، الزعيترة، الإكليل، النعناع وبعض النباتات العطرية الأخرى تتجاوز كونها وصفات طبية شتوية، إذ عرف المطبخ التقليدي في المنطقة تجفيفها لاستخدامها لاحقا في إعداد الأطباق والمشروبات، وتكتسب هذه العادة معنى أكبر في البليدة بسبب الموقع الجغرافي للمنطقة وتنوع الغطاء النباتي في الأطلس البليدي، فقد أظهرت دراسة إثنوبوتانية أُجريت في منطقة حمام ملوان بولاية البليدة، اعتماد السكان المحليين على عدد كبير من النباتات الطبية، حيث أحصت الدراسة 110 أنواع تنتمي إلى 46 عائلة نباتية، مع حضور واسع للنباتات التي تستخدم في صورة منقوعات ومغليات، وهذا التنوع النباتي يفسر جانبا من خصوصية المطبخ البليدي، حيث لا تنفصل المعرفة بالنبات عن الخبرةفي الطهي، فالعشبة قد تكون توابل في طبق، أو عنصرا في وصفة تقليدية، أو مادة تجفف للاستعمال في الموسم البارد. لا تكتمل صورة الخريف البليدي من دون أسواق المدينة القديمة، في محيط “بلاصة العرب” والأسواق الشعبية، ما زالت الأعشاب والحشائش والتوابل والمنتجات المنزلية جزءا من المشهد التجاري التقليدي، حيث يعرض البركوكس والرشتة ومقارون لعمى و”الحمامة”، فضلا عن منتجات أخرى مرتبطة بالمطبخ المحلي، مثل التين المجفف وزيت الزيتون وماء الزهر، وهذه الأسواق تؤدي وظيفة تتجاوز البيع والشراء، فهي في كثير من الأحيان مكان لاستمرار الذاكرة الغذائية، حيث لا تكتفي المرأة بشراء عشبة أو ثمرة، وإنما تسأل أيضا عن طريقة استعمالها، وما الذي يمكن أن تخلط به، وهي أسئلة تحفظ معها وصفات لا توجد دائما في كتب الطبخ.

المصدر: الشروق