شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

خِطَابُ العَرْشِ.. حِينَ تَكَلَّمَ المَلِكُ بِلُغَةِ الدَّوْلَةِ وَنَبْضِ الشَّعْبِ

خِطَابُ العَرْشِ.. حِينَ تَكَلَّمَ المَلِكُ بِلُغَةِ الدَّوْلَةِ وَنَبْضِ الشَّعْبِ

لَمْ يَكُنْ مَا سَمِعْنَاهُ اليَوْمَ تَحْتَ قُبَّةِ البَرْلَمَانِ خِطَابَ عَرْشٍ تَقْلِيدِيًّا يُفْتَتَحُ بِهِ مَوْسِمٌ تَشْرِيعِيٌّ وَيُطْوَى فِي الأَرْشِيفِ، بَلْ كَانَ بَيَانَ دَوْلَةٍ فِي لَحْظَةِ اخْتِبَارٍ وَطَنِيٍّ وَإِقْلِيمِيٍّ بَالِغَةِ الدِّقَّةِ. جَاءَ الخِطَابُ فِي تَوْقِيتٍ يَعْرِفُهُ المَلِكُ جَيِّدًا، تَوْقِيتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الدَّمُ بِالتُّرَابِ عَلَى الحُدُودِ، وَيَخْتَلِطُ فِيهِ القَلَقُ بِالأَمَلِ فِي بُيُوتِ الأُرْدُنِّيِّينَ، وَتَتَكَاثَرُ فِيهِ الشَّائِعَاتُ كَمَا يَتَكَاثَرُ الغُبَارُ قَبْلَ العَاصِفَةِ. لِذَلِكَ تَرَكَ جَلَالَتُهُ لُغَةَ الإِنْشَاءِ الدِّيبَاجِيِّ، وَاخْتَارَ لُغَةَ الجِرَاحَةِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي تَضَعُ اليَدَ عَلَى الجُرْحِ مُبَاشَرَةً بِلَا تَخْدِيرٍ. وَبِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَّكَ جَلَالَتُهُ أَيْدِيُولُوجْيَا الإِرْهَابِ مِنْ جُذُورِهَا، حِينَ وَصَفَ أَصْحَابَهَا بِخَوَارِجِ هَذَا العَصْرِ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِالحُكْمِ الأَقْسَى وَالأَخْطَرِ فِي قَامُوسِ الأُرْدُنِّيِّينَ جَمِيعًا: هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنَّا، خَرَجُوا عَنْ عَائِلَتِنَا وَخَانُوا هَذِهِ الأُسْرَةَ، فَلَا مَكَانَ لَهُمْ بَيْنَنَا. وَمَنْ يَفْهَمُ تَرْكِيبَةَ المُجْتَمَعِ الأُرْدُنِّيِّ يَفْهَمُ خُطُورَةَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَفِي الأُرْدُنِّ لَا يُوجَدُ عِقَابٌ أَقْسَى مِنْ أَنْ يُقَالَ لَكَ: أَنْتَ لَسْتَ مِنْ عَائِلَتِنَا، لِأَنَّ الدَّوْلَةَ قَدْ تَسْجِنُ الجَسَدَ، أَمَّا العَائِلَةُ فَحِينَ تَطْرُدُ فَهِيَ تَسْجِنُ الرُّوحَ وَالتَّارِيخَ. لَقَدْ نَزَعَ عَنْهُمُ الجِنْسِيَّةَ الوِجْدَانِيَّةَ قَبْلَ الجِنْسِيَّةِ القَانُونِيَّةِ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الحَاضِنَةَ الاجْتِمَاعِيَّةَ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنْهَا المُتَطَرِّفُ عَادَةً، وَهَذَا هُوَ أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الرَّدْعِ، لِأَنَّ الإِرْهَابِيَّ لَا يَخَافُ السِّجْنَ كَمَا يَخَافُ أَنْ يَمُوتَ مَنْبُوذًا بِلَا عَشِيرَةٍ وَلَا بَيْتِ عَزَاءٍ. وَمِنْ مَشْهَدِ الدَّمِ إِلَى مَشْهَدِ السِّيَاجِ الَّذِي يَحْمِيهِ، انْتَقَلَ المَلِكُ بِسَلَاسَةِ القَائِدِ الَّذِي يَعْرِفُ أَرْضَ المَعْرَكَةِ، فَقَالَ: الأُرْدُنُّ كَانَ وَسَيَبْقَى عَصِيًّا عَلَى كُلِّ مُعْتَدٍ، وَمَهِيبًا فِي وَجْهِ كُلِّ غَضِّ طَرْفٍ عَنْ تَارِيخِهِ. وَهَذِهِ لَيْسَتْ جُمْلَةً بَلَاغِيَّةً لِلاسْتِهْلَاكِ المَحَلِّيِّ، بَلْ هِيَ رِسَالَةٌ جِيُوسِيَاسِيَّةٌ لِمَنْ يَقْرَأُ الخَرِيطَةَ مَقْلُوبَةً، وَيَظُنُّ أَنَّ صِغَرَ المَسَاحَةِ يَعْنِي صِغَرَ الدَّوْرِ. كَمْ مَرَّةً قَالُوا فِي غُرَفِ التَّحْلِيلِ فِي الخَارِجِ إِنَّ الأُرْدُنَّ عَلَى الحَافَّةِ؟ وَكَمْ مَرَّةً بَقِيَ الأُرْدُنُّ وَسَقَطَتْ رِهَانَاتُهُمْ؟ إِنَّهَا مُعَادَلَةُ البَقَاءِ الأُرْدُنِّيَّةِ الَّتِي لَا تُكْتَبُ فِي الكُتُبِ: كُلَّمَا اشْتَدَّ الضَّغْطُ فِي الخَارِجِ، ازْدَادَ التَّمَاسُكُ فِي الدَّاخِلِ. ثُمَّ جَاءَ الانْتِقَالُ الأَذْكَى وَالأَعْمَقُ سِيَاسِيًّا فِي الخِطَابِ كُلِّهِ، وَهُوَ الانْتِقَالُ مِنْ لُغَةِ السِّلَاحِ وَصَلَابَةِ الجُنْدِ إِلَى لُغَةِ القَلْبِ وَدِفْءِ الشَّعْبِ. فَالدَّوْلَةُ الَّتِي تَمْلِكُ الجَيْشَ الأَقْوَى لَا تَسْتَمِرُّ بِالبُنْدُقِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّعْبِ الَّذِي يَحْمِلُ البُنْدُقِيَّةَ فِي وَعْيِهِ قَبْلَ يَدِهِ. لِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ المَلِكُ يَا جَيْشِي، بَلْ قَالَ: شَعْبِي وَسَنَدِي، أَنْتُمْ مَوْضِعُ ثِقَتِي، وَأَهْلِي وَعَشِيرَتِي أَمَانَةٌ فِي عُنُقِي. إِنَّهَا لَحْظَةُ تَحَوُّلٍ مِنَ الشَّرْعِيَّةِ الدُّسْتُورِيَّةِ إِلَى الشَّرْعِيَّةِ العَاطِفِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ، حَيْثُ يَسْتَمِدُّ المَلِكُ قُوَّتَهُ لَا مِنْ نَصٍّ مَكْتُوبٍ، بَلْ مِنْ عَهْدِ دَمٍ وَوَفَاءٍ يَرْبِطُ الهَاشِمِيِّينَ بِكُلِّ بَيْتٍ أُرْدُنِّيٍّ مُنْذُ مِئَةِ عَامٍ. جَيْشُنَا مِنْ قُرَانَا وَبَوَادِينَا وَمُخَيَّمَاتِنَا، وَشَعْبُنَا هُوَ احْتِيَاطُ الجَيْشِ عِنْدَ الخَطَرِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ أَنَّ دُوَلًا تَمْلِكُ جُيُوشًا أَضْخَمَ سَقَطَتْ، وَبَقِيَ الأُرْدُنُّ. وَحِينَ أَضَافَ أَنَّ مَصْلَحَةَ المُوَاطِنِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي صُلْبِ كُلِّ قَرَارٍ لَا عَلَى هَامِشِهِ، كَانَ يُوَجِّهُ أَمْرَ عَمَلِيَّاتٍ لِلْحُكُومَةِ وَالمَجْلِسِ: تَوَقَّفُوا عَنْ إِدَارَةِ الأُرْدُنِّ كَشَرِكَةٍ بِالأَرْقَامِ، وَأَدِيرُوهُ كَبَيْتٍ بِالأَمَانَةِ، لِأَنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تُهْمِلُ شَعْبَهَا تَخْسَرُ سِيَاجَهَا قَبْلَ أَنْ تَخْسَرَ سِلَاحَهَا. وَلِأَنَّ البَيْتَ لَا يَقُومُ بِالحُبِّ وَحْدَهُ، بَلْ بِالعَدْلِ الَّذِي يَحْمِي الحُبَّ مِنَ الانْكِسَارِ، جَاءَتِ الجُمْلَةُ المِفْصَلِيَّةُ الَّتِي انْتَظَرَهَا الشَّارِعُ: لَا حَصَانَةَ لِمَنْ يُسِيءُ اسْتِخْدَامَ مَنْصِبِهِ أَيًّا كَانَ، فَهَيْبَةُ الدَّوْلَةِ وَسِيَادَةُ القَانُونِ تَتَقَدَّمَانِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. هَذِهِ لَيْسَتْ جُمْلَةً بُرُوتُوكُولِيَّةً، بَلْ هِيَ إِعَادَةُ ضَبْطِ المَصْنَعِ لِلدَّوْلَةِ الأُرْدُنِّيَّةِ، وَإِعْلَانُ قَطْعٍ مَعَ مَرْحَلَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ تَغْطِيَةِ التَّقْصِيرِ تَحْتَ عُنْوَانِ الظَّرْفِ، وَتَرْضِيَةِ المَسْؤُولِ عَلَى حِسَابِ المُوَاطِنِ. المَلِكُ يَقُولُ بِوُضُوحٍ: المَنْصِبُ لَيْسَ جَاهًا وَلَا غَنِيمَةً، بَلْ هُوَ مَسْؤُولِيَّةٌ أَمَامَ اللَّهِ وَالنَّاسِ، وَهَيْبَةُ الدَّوْلَةِ لَيْسَتْ أَنْ يَخَافَكُمُ النَّاسُ، بَلْ أَنْ يَثِقَ النَّاسُ أَنَّكُمْ سَتُحَاسَبُونَ مِثْلَهُمْ. وَبِدُونِ هَذِهِ الثِّقَةِ لَا اسْتِثْمَارَ يَنْجَحُ، وَلَا إِصْلَاحَ يَعْبُرُ، وَلَا شَابٌّ يَبْقَى. فَالعَدَالَةُ هُنَا هِيَ البِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ الضَّمَانُ لِكَيْ لَا يَتَحَوَّلَ الهَمُّ العَامُّ وَالقُنُوطُ العَامُّ إِلَى إِحْبَاطٍ عَامٍّ، بَلْ إِلَى مُحَاسَبَةٍ عَادِلَةٍ تُعِيدُ لِلنَّاسِ ثِقَتَهُمْ. وَفِي ذُرْوَةِ الخِطَابِ، كَرَّرَ المَلِكُ كَلِمَةً وَاحِدَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَأَنَّهُ يَدُقُّ نَاقُوسَ الخَطَرِ: المِيَاهُ، المِيَاهُ، المِيَاهُ، إِنَّ أَمْنَنَا المَائِيَّ أَوْلَوِيَّةٌ وَطَنِيَّةٌ. لِمَاذَا ثَلَاثًا؟ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ المِلَفَّ مِنْ تَقَارِيرِ المَانِحِينَ وَأَدْرَاجِ الوَزَارَاتِ إِلَى غُرْفَةِ القَرَارِ السِّيَادِيِّ العُلْيَا. فِي السِّيَاسَةِ مَنْ يَمْلِكُ المَاءَ يَمْلِكُ القَرَارَ، وَمَنْ يَعْطَشُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَاوِضَ. وَرِسَالَةُ المَلِكِ لِلْخَارِجِ قَبْلَ الدَّاخِلِ: أَمْنُنَا المَائِيُّ خَطٌّ أَحْمَرُ كَحُدُودِنَا، وَلَنْ نَتْرُكَ رَقَبَةَ الأُرْدُنِّيِّ فِي يَدِ أَحَدٍ. أَمَّا الخَاتِمَةُ فَكَانَتْ هَاشِمِيَّةً خَالِصَةً لَا تُشْبِهُ خَوَاتِيمَ الخُطَبِ، حِينَ وَقَفَ وَلِيُّ العَهْدِ بِجَانِبِ أَبِيهِ، فَقَالَ المَلِكُ جُمْلَةَ المِئَوِيَّةِ الثَّانِيَةِ: ثَابِتُونَ عَلَى مَوْقِفِنَا، مُتَمَسِّكُونَ بِعُرُوبَتِنَا، كَمَا كَانَ أَبِي مِنْ قَبْلِي وَسَيَكُونُ ابْنِي مِنْ بَعْدِي. إِنَّهَا لَيْسَتْ خَاتِمَةً، بَلْ وَثِيقَةُ عَهْدٍ لِثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ، تَقُولُ لِلْعَالَمِ: نَحْنُ الهَاشِمِيُّونَ لَا نُغَيِّرُ جِلْدَنَا، وَلَا نَبِيعُ قُدْسَنَا، وَلَا نَنْسَى دَمَنَا. الحُسَيْنُ أَوْصَى، وَعَبْدُاللَّهِ حَفِظَ، وَالحُسَيْنُ الشَّابُّ سَيُكْمِلُ. وَهَكَذَا تَكَلَّمَ المَلِكُ اليَوْمَ، لَمْ يَفْتَتِحْ دَوْرَةً بَرْلَمَانِيَّةً، بَلْ فَتَحَ عُيُونَنَا عَلَى مُعَادَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَاضِحَةٍ: دَوْلَةٌ قَوِيَّةٌ لَا تُهَادِنُ فِي أَمْنِهَا، وَعَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَنْكَسِرُ فِي وَحْدَتِهَا، وَقَانُونٌ فَوْقَ الجَمِيعِ لَا يَسْتَثْنِي أَحَدًا. مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى فِي هَذِهِ العَائِلَةِ فَلْيَحْمِهَا بِدَمِهِ، وَلْيَحْتَرِمْ قَانُونَهَا، وَلْيَضَعِ الأُرْدُنَّ أَوَّلًا وَأَخِيرًا، وَمَنْ لَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَالأَبْوَابُ مُشْرَعَةٌ وَالصَّحْرَاءُ وَاسِعَةٌ، أَمَّا الأُرْدُنُّ فَبَاقٍ.. بَاقٍ بِشَعْبِهِ الَّذِي هُوَ سَنَدُهُ، وَبِجَيْشِهِ الَّذِي هُوَ سَيْفُهُ، وَبِمَلِيكِهِ الَّذِي هُوَ قَلْبُهُ، وَبِوَصِيَّةِ الحُسَيْنِ الَّتِي لَا تَمُوتُ. حَمَى اللَّهُ الأُرْدُنَّ عَزِيزًا عَصِيًّا، وَحَمَى شَعْبَهُ الأَبِيَّ، وَقِيَادَتَهُ الهَاشِمِيَّةَ، وَجَيْشَهُ العَرَبِيَّ وَأَجْهِزَتَهُ الأَمْنِيَّةَ.

المصدر: الدستور