بلاك روك: رأس المال والقدرات الحاسوبية والطاقة الكهربائية ثلاثية قوة الإمارات
أكد إحسان خومان، الخبير الاقتصادي في معهد «بلاك روك» للاستثمار، أن استحواذ دولة الإمارات على نحو 50% من قيمة المشاريع الكبرى في منطقة الخليج منذ بداية عام 2026 يعكس قدرتها على توظيف رؤوس الأموال ضمن منظومات اقتصادية راسخة في قطاعات الخدمات المالية واللوجستية والمرافق والخدمات الرقمية، وتحويل المشاريع من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ الفعلي. وقال خومان، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن هذه الحصة الكبيرة لا تعكس حجم رؤوس الأموال التي يتم توظيفها فحسب، بل تبرز أيضاً كفاءة المنظومة الاقتصادية في الدولة وقدرتها على تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى أصول منتجة وأرباح متكررة وتدفقات نقدية، مشيراً إلى أن منطقة الخليج تشهد تحولاً أوسع من التركيز على حجم الاستثمارات إلى كفاءة توظيفها استراتيجياً. وأضاف أن دولة الإمارات تجمع بين مرونة المسارات التجارية وتطور المنظومات اللوجستية والبنية التحتية الرقمية والمرافق والخدمات المالية، ما يوفر قنوات واضحة لتحويل الإنفاق الرأسمالي إلى عوائد استثمارية. وحول العوامل التي تعزز مكانة الإمارات ودبي مركزاً إقليمياً للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي السيادي، أوضح خومان أن تطور هذا المجال يرتكز بصورة متزايدة على ثلاثة عناصر رئيسية، هي رأس المال والقدرات الحاسوبية والطاقة الكهربائية. وأشار إلى أن تحليلات «بلاك روك» ترصد استثمارات بنحو 323 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي حتى عام 2030، تشمل قدرات الحوسبة السيادية والسحابية، والأمن السيبراني، وشبكات الألياف الضوئية والكابلات البحرية، والتصنيع المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وذكر أن دولة الإمارات تُعد من أكثر دول المنطقة تقدماً في المواءمة بين رؤوس الأموال السيادية والمنصات التكنولوجية الوطنية والقدرات الحاسوبية واسعة النطاق. وأضاف أن متطلبات الذكاء الاصطناعي واسع النطاق لا تقتصر على القدرات الحاسوبية، بل تشمل أيضاً الوصول الموثوق إلى شبكات الكهرباء وأنظمة التبريد ومعدات الطاقة والمرونة السيبرانية، لافتاً إلى أن مجمع الذكاء الاصطناعي المخطط إنشاؤه في أبوظبي بقدرة 5 غيغاواط يعكس حجم متطلبات البنية التحتية المادية اللازمة لدعم هذا التوسع. وأوضح أن ذلك يوسع نطاق الفرص الاستثمارية لتشمل، إلى جانب مراكز البيانات والمنصات التكنولوجية، قطاعات المرافق وشبكات الكهرباء والاتصالات وأنظمة التبريد وغيرها من مكونات البنية التحتية الداعمة. وفيما يتعلق بتأثير تحول الاستثمارات من إنتاج الطاقة إلى البنية التحتية الرقمية في استراتيجيات المستثمرين على المدى الطويل، قال خومان إن هذا التوجه يمثل توسعاً في نطاق الدورة الاستثمارية، أكثر من كونه تحولاً بعيداً عن الاستثمار في قطاع الطاقة.وأوضح أن تحليلات «بلاك روك» تشير إلى وجود فرص للإنفاق الرأسمالي في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 2.1 تريليون دولار حتى عام 2030، يتركز أكثر من 80% منها خارج أنشطة استكشاف وإنتاج النفط والغاز. وأضاف أن الترابط بين قطاع الطاقة والبنية التحتية الرقمية يتزايد في ظل احتياجات الذكاء الاصطناعي إلى قدرات كبيرة في توليد الكهرباء وشبكات الطاقة، إلى جانب التبريد والاتصال، ما يعني أن الرقمنة لا تحل محل الطاقة كمحور استثماري، بل تنشئ طلباً هيكلياً جديداً على الطاقة والبنية التحتية. وأكد أهمية جودة التدفقات النقدية بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، مشيراً إلى أن المشاريع التي تتمتع بطلب مضمون تعاقدياً، وجدوى استراتيجية، ومراحل تنفيذ واضحة، ومشاركة فاعلة من القطاع الخاص، ستكون في وضع أفضل من الاستثمارات القائمة على توقعات مستقبلية غير مؤكدة بشأن الطاقات الاستيعابية. وحول دور تنوع المسارات التجارية لدولة الإمارات في حماية تدفقات الاستثمار في ظل الاضطرابات التي تشهدها حركة الشحن العالمية، أكد خومان أن تعدد خيارات المسارات التجارية يمثل قيمة اقتصادية مهمة، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار السلع لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الإيرادات إذا تعذر وصولها إلى أسواقها النهائية. وقال إن الاضطرابات الأخيرة عززت الأهمية الاستراتيجية للمسارات التجارية البديلة والموانئ ومرافق التخزين والبنية التحتية اللوجستية، التي لم تعد مجرد اعتبارات تشغيلية، بل أصبحت أصولاً استراتيجية. وأضاف أن دولة الإمارات تتمتع بمكانة جيدة في هذا المجال، بفضل امتلاكها بنية تحتية لوجستية راسخة وتعدد خيارات المسارات بين الشرق والغرب، إلى جانب إمكانات الوصول إلى المياه المفتوحة عبر الفجيرة، لافتاً إلى أن الجمع بين تنوع المسارات والقدرات اللوجستية يمثل عاملاً فارقاً عند تعرض ممرات الشحن التقليدية للاضطراب. وأوضح أن التنويع لا يلغي المخاطر الجيوسياسية، لكنه يمكن أن يحد من الاعتماد على نقاط منفردة قد يؤدي توقفها إلى تعطيل حركة التجارة، بما يعزز مرونة التدفقات النقدية الأساسية ووضوحها، وهما عاملان تزداد أهميتهما عند تقييم استثمارات البنية التحتية طويلة الأجل. وفيما يتعلق بدور قطاعات الخدمات المصرفية والمرافق والخدمات اللوجستية في تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى أرباح وتدفقات نقدية، قال خومان إن «بلاك روك» تصف هذه العملية بـ«الاستفادة من قنوات انتقال الإنفاق الرأسمالي»، وهو ما تناولته الشركة في أحدث تقاريرها ضمن سلسلة «رؤى عالمية» (Global Insights) لمنطقة الشرق الأوسط. وأوضح أن إجمالي الإنفاق الرأسمالي المعلن لا يمثل في حد ذاته عائداً استثمارياً، وإنما تتولد العوائد في المراحل التي يصبح فيها هذا الإنفاق قابلاً للتمويل، ومدعوماً بعقود، وقادراً على توليد تدفقات نقدية فعلية. وأشار إلى أن المؤسسات المصرفية تسهم في تمويل المشاريع وتوفير رأس المال العامل، فيما يمكن للمرافق وشبكات الكهرباء تحقيق عوائد منظمة أو تعاقدية مع ارتفاع الطلب، بينما تتيح الموانئ والبنية التحتية اللوجستية تحقيق إيرادات من خلال حجم أعمال المناولة والتعريفات والامتيازات والعقود طويلة الأجل. وأكد أن وضوح التدفقات النقدية وإمكانية استشرافها يمثلان القاسم المشترك بين هذه القطاعات، مشيراً إلى أن الفرص الاستثمارية الأقوى تتمثل في المجالات التي يمكن فيها تحويل الاستثمارات الاستراتيجية إلى إيرادات متكررة، بدلاً من الاقتصار على زيادة حجم الإنفاق. وحول الحصة المتوقعة لدولة الإمارات من إجمالي الاستثمارات الرأسمالية في منطقة الخليج، والبالغة 2.1 تريليون دولار حتى عام 2030، أوضح خومان أن هذه الاستثمارات تتوزع على خمسة محاور استراتيجية. وأشار إلى تخصيص 135 مليار دولار لبناء القدرات السيادية، بما يشمل القدرات الحاسوبية الرقمية والسيادية والذكاء الاصطناعي المادي والتصنيع المتقدم والبنية التحتية الأمنية والأبحاث وعلوم الحياة، إلى جانب 147 مليار دولار للبنية التحتية الوطنية وتعزيز المرونة، بما في ذلك الخدمات اللوجستية والموانئ والطيران والطاقة وشبكات الكهرباء والمياه وتحلية المياه. وأضاف أن قاعدة الموارد والصناعات تستحوذ على 177 مليار دولار، وتشمل أنشطة استكشاف وإنتاج الطاقة والصناعات التحويلية والغاز الطبيعي المسال والكيماويات والمواد، فيما تبلغ الاستثمارات المخصصة للتنويع الاقتصادي 87.5 مليار دولار، وتشمل السياحة والتطوير الحضري والإسكان والفعاليات. كما تشمل التقديرات 23 مليار دولار لتعزيز المرونة البشرية والبيئية، بما في ذلك الأمن الغذائي والصحي والمرونة المدنية وإدارة النفايات والبنية التحتية البيئية. وشدد خومان على أن هذه الأرقام تمثل تقديرات تحليلية تراكمية للاستثمارات على مستوى الحكومات والشركات المملوكة للدولة والشراكات بين القطاعين العام والخاص ورؤوس الأموال الخاصة، ولا تمثل توقعات للميزانية الحكومية أو التزامات استثمارية خاصة بدبي وحدها. وفيما يتعلق بدبي، قال خومان إن الفرصة تتجاوز استضافة مشاريع بعينها، لتشمل تمويل دورة الاستثمار الوطنية وربط مكوناتها وتوفير الخدمات الداعمة لها، بالتوازي مع تطوير القدرات الحضرية والتجارية المحيطة بها، مشيراً إلى أن الأولوية تتمثل في تحديد المجالات التي يمكن أن يتحول فيها هذا الإنفاق إلى طلب مستدام وتدفقات نقدية. وأضاف أن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمستثمرين يتمثل في تحديد المجالات التي يمكن من خلالها تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى عوائد بأعلى قدر من الكفاءة، لافتاً إلى أن المنظومات الراسخة في دولة الإمارات في مجالات الخدمات المالية واللوجستية والمرافق والخدمات الرقمية توفر قنوات واضحة نسبياً لتحقيق ذلك. وحول العامل الرئيسي الذي يدفع المستثمرين العالميين إلى النظر إلى اقتصاد دولة الإمارات باعتباره مؤشراً على الاتجاهات التي يُرجح أن ترسم ملامح العقد المقبل، أكد خومان أن الدولة تجمع عدداً من التوجهات الاستثمارية الهيكلية، تشمل الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، وتنامي الطلب على الكهرباء، والبنية التحتية التجارية التي تتسم بالمرونة، وتطور أسواق رأس المال، ومواصلة التنويع الاقتصادي. وقال إن ذلك يجعل الإمارات نموذجاً مهماً لدراسة تساؤل أوسع يشغل المستثمرين حول العالم، يتمثل في مدى القدرة على تحويل الاستثمارات الاستراتيجية بكفاءة إلى إنتاجية أعلى وتدفقات نقدية مستدامة للقطاع الخاص. وأوضح أن تحليلات «بلاك روك» تحدد خمس منظومات مترابطة لتحقيق القيمة في منطقة الخليج، تشمل الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، والمرونة في توفير البدائل الاستراتيجية، وتعزيز مرونة قطاعي الطاقة والصناعة، والنمو الحضري الانتقائي، والمرونة البشرية والبيئية. ولفت خومان إلى أن العديد من هذه التوجهات بدأت تتلاقى بالفعل بصورة واضحة في دولة الإمارات، مؤكداً أن هذا التلاقي يمنح الدولة أهمية خاصة باعتبارها تقدم نموذجاً متكاملاً لكيفية إعادة تشكيل الروابط بين رأس المال والتكنولوجيا والطاقة والعوامل الجيوسياسية.
المصدر: البيان