تحكُّم القائمة العربية عند تشكيل حكومة الكيان برجحان كفة الميزان
في المشهد السياسي لدولة الكيان الذي حاول -دومًا- تصدير صورةٍ لديمقراطيةٍ متماسكة، تتكشف اليوم حقيقة بنيوية أعمق من المتوقع يبدو فيها المجتمع منقسم على ذاته، ويقف -بالرغم ممَّا كان يُتصنَّع من مظاهر التآخي- في مفترق طرق تأريخي، فها هو -في ضوء نتائج انتخاب أعضاء الكنيست الذي يمثله- عاجز عن حسم قضية تشكيل الحكومة المتحكمة في تحديد هويته ورسم الخطوط العريضة لمستقبله.لقد جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الصهيونية الأخيرة لتؤكد -بجلاء- وقوع دولة «الكيان الصهيوني» في مأزقٍ دستوريٍّ غايةً في الاستعصاء، إذ لم يتمكن أيٌّ من المعسكرين المتنافسين -«معسكر اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو وحلفائه من المتدينين والقوميين المتطرفين»، و«معسكر وسط اليسار بتحالفاته الهشة»- من تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة بمفرده، ولم تكن هذه النتيجة مجرد تعادل حسابي، بل هي تعبير عن انشطار عمودي في المجتمع الصهيوني بين مشروعين متناقضين للدولة، مشروع علماني ليبرالي يريد التطبيع مع العالم، ومشروع ديني استيطاني يريد ابتلاع الأرض بالطول والعرض.وفي خضم هذا الانسداد، برزت حقيقة سياسية طالما حاولت المؤسسة الصهيونية طمسها أو التقليل من شأنها وهي حقيقة أنَّ «القائمة العربية» -بكل مكوناتها- أصبحت حجر الزاوية المتحكمة في لون الحكومة القادمة، وبيضة القبان التي لا يمكن تجاوزها، فبعد أن استنفد المعسكران كل أوراقهما في استقطاب الأحزاب الصغيرة، وجدا نفسيهما مضطرين، رغم أنفهما، إلى خطب ودِّ القائمة العربية.وإنَّ هذا الاضطرار يحمل دلالة رمزية وسياسية عميقة مفادها أنَّ الأحزاب الصهيونية التي بنت مجدها الانتخابي لعقود على شيطنة «العربي» واعتباره طابورًا خامسًا وتهديدًا ديموغرافيًّا، تجد نفسها اليوم تقف على بابه تستجدي دعمه، فمعسكر اليمين الذي رفع شعار «العرب يزحفون إلى صناديق الاقتراع» كتهديد، ومعسكر الوسط الذي حاول تهميش الصوت العربي تحت يافطة «حكومة صهيونية خالصة»، كلاهما اليوم يدرك أنَّ مفتاح الكنيست موجود في جيب النائب العربي.وهنا يكمن التحول الاستراتيجي، فالوضع المتأرجح وغير المسبوق منح القائمة العربية كرتًا رابحًا تأريخيًّا، لم يتوفر لها بهذا الوضوح وبهذا الشكل من قبل، فالقائمة لم تعُد مجرد كتلة معارضة ترفع شعارات من على مقاعد المعارضة، بل أصبحت قوة تقريرية قادرة على منح الشرعية وسحبها، وهذا يضعها أمام لحظة تأريخية مفصلية تستوجب أعلى درجات الحكمة والوحدة.وإنَّ الشرط الأساسي والموضوعي لتحويل هذا الكرت الرابح إلى إنجاز تأريخي خالد هو التوحد، فـ«القائمة العربية» إذا دخلت مفاوضات تشكيل الحكومة موحدة وغير مجزأة، وبموقف تفاوضي واحد، فإنها ستكون قادرة على فرض شروط لم يكن بالإمكان فرضها -قبل سنوات معدودات- حتى في أحلام المنام، ووحدة الصف هنا ليست خيارًا تكتيكيًّا يهدف إلى تحقيق مكسب وقتي، بل هي ضرورة وجودية، لأنَّ تفتيت الصوت العربي هو ما تريده تمامًا مؤسسة الكيان لإفراغ هذه اللحظة التأريخية من مضمونها.وماذا يمكن أن تطلب القائمة العربية الموحدة؟إنَّ المجال واسع لتحسين الظروف الحياتية والمعيشية للمواطن الفلسطيني في كافة بقاع فلسطين المحتلة، فعلى المستوى الداخلي «في أراضي 48» يمكن اشتراط إقرار خطة قومية لمكافحة الجريمة المنظمة التي تفتك بالمجتمع العربي بتواطؤ مكشوف من جهاز الشرطة، ووقف سياسة هدم البيوت العربية في النقب والمثلث والجليل، والاعتراف بالقرى المسلوبة الاعتراف، وزيادة الميزانيات للتعليم والصحة والسكن، وإلغاء قانون «كامينتس» الذي يحرم الفلسطيني من حقه في تأمين السكن وقانون القومية العنصري الذي يقرُّ التنكيل بـ«العربي» وتقديس «المستوطن».أما على المستوى الأوسع، في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن القائمة تملك القدرة على فرض خطوط حمراء تتمثل في: وقف اقتحامات المسجد الأقصى المبارك، وتجميد الاستيطان، ورفع الحصار عن قطاع غزة، ووقف سياسة الاعتقال الإداري وهدم منازل المقاومين، وإدخال المساعدات الإنسانية دون قيد أو شرط، وهذه ليست مطالب خيالية، بل هي أثمان سياسية منطقية لمن يريد أصوات العرب ليشكل حكومته.وإنَّ المفارقة الكبرى أن من كان يُعتبر هامشًا أصبح متنًا، ومن كان يُقصى أصبح هو من يُقصي ويُدني وإن بشكلٍ ضمني، فتحكم القائمة العربية بميزان تشكيل الحكومة يثبت أنَّ الوجود الفلسطيني في الداخل ليس وجودًا عابرًا أو طارئًا يمكن تجاوزه، بل هو حقيقة ديموغرافية وسياسية راسخة قادرة على شلِّ النظام السياسي برمته إذا قررت القائمة العربية ذلك.لذلك، فإن الكرة اليوم في ملعب القائمة العربية، كونها أمام لحظة اختبار يبرهن على نضجها السياسي، وقدرتها على تحويل الأصوات إلى حقوق وتحويل المقاعد إلى كرامة، فإذا أحسنت استغلال هذا الظرف المتأرجح، فإنها لن تُحسِّن فقط ظروف المواطن الفلسطيني، بل ستعيد تعريف قواعد اللعبة السياسية في فلسطين المحتلة بأكملها، وتثبت أنَّ إرادة الشعب العربي الفلسطيني العميق الجذور الراسخ البنيان الشامخ الأركان، حتى وهو تحت الاحتلال، قادرة على ترجيح كفة الميزان.
المصدر: 26 سبتمبر