أعظم مغامرة في السياسة الخارجية الأمريكية منذ جيل: غادر الأمريكان العراق.. فماذا بعد؟
كريس سيرماك
ترجمة:عدوية الهلالي
بعد أكثـر من عقدين، غادر آخر أفراد القوات الأمريكية قواعدهم في العراق يوم الأربعاء. ويأتي هذا الرحيل في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط اضطرابات جديدة، مع اندلاع الحرب في إيران التي تُلقي بظلالها على العالم أجمع.
في عام 2003، غزت القوات الأمريكية العراق لإزاحة الزعيم الديكتاتوري صدام حسين من السلطة. وأدت العملية إلى احتلال أمريكي دام سنوات طويلة للبلاد، فضلاً عن الفوضى وإراقة الدماء الطائفية. وبينما غادر الأمريكيون في عام 2011، عادوا بعد ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي كان قد سيطر على أجزاء واسعة من البلاد. خلال النزاع، تشير التقديرات المتحفظة إلى أن عدد القتلى العراقيين بلغ حوالي 200 ألف قتيل، وفقًا لمشروع إحصاء ضحايا العراق، بينما فقدت الولايات المتحدة حوالي 4500 جندي.
ما الذي يخبئه المستقبل للعراقيين، وهل بإمكان الدول الغربية استخلاص أي دروس من حرب العراق بعد أن غادرت آخر القوات الأمريكية قواعدها في العراق بعد عقدين من الزمن مع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الاضطرابات بسبب الحرب مع إيران؟
ما تعلمناه في السنوات القليلة الماضية هو أننا نعيش في أوقات غير مسبوقة. ولا يستخدم المحللون هذا المصطلح باستخفاف. فالإدارة الأمريكية، التي كانت تدعو سابقًا إلى الانسحاب من الشرق الأوسط، عادت الآن إلى المنطقة. ولم تعد المنطقة ساحة حرب في مكان واحد، كما رأينا في العراق، بل تمتد الصراعات لتشمل لبنان والعراق واليمن والخليج وإسرائيل وفلسطين، وبالطبع إيران. لقد تضاعف عدد الحروب - ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في جميع أنحاء العالم - أكثر من مرتين خلال العقد الماضي،فالعالم يشتعل، ويبدو أن السياسيين غير مهتمين، أو غير قادرين، على إخماد بعض هذه النيران. لذا أعتقد أننا نعيش في أوقات عصيبة، ومن الصعب التنبؤ بكيفية انتهاء هذا الوضع، أو ما سيترتب عليه.
في هذا السياق، ومع انسحاب آخر القوات الأمريكية من العراق، كيف سينظر التاريخ إلى هذا الفصل؟ إنها بلا شك أكبر مغامرة في السياسة الخارجية الأمريكية منذ جيل. لقد كانت السفارة الأمريكية في بغداد، العراق، أكبر سفارة أمريكية في العالم بفارق كبير. وقد حظي العراق باهتمام بالغ منذ عام 2003. ومعظم المسؤولين في البنتاغون وعموم الحكومة الأمريكية كان لهم دورٌ ما في العراق. فباستثناء أفغانستان، كان العراق محور السياسة الخارجية لجيلٍ كامل.
وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا على غزو العراق واحتلاله، بدأ الأمريكيون بالانسحاب. لكنهم ينسحبون من بلدٍ بلا سيادة، وحكومةٍ عاجزة عن السيطرة على أراضيها، وجماعاتٍ مسلحة مرتبطة بإيران قادرة على إطلاق طائراتٍ مسيرة وصواريخ، ليس فقط داخل الأراضي العراقية، بل عبر الخليج، وصولًا إلى السعودية وغيرها.
وتُصنّف الحكومة العراقية باستمرار ضمن أسوأ الحكومات من حيث الفساد والتنمية البشرية. ويشعر العديد من العراقيين اليوم بالندم على الحرب ويتمنون لو لم تقع. بالطبع، هناك من يرى أن الحياة في ظل حكم صدام حسين، وفي ظل الديكتاتورية والعقوبات، كانت بالغة الصعوبة، لذا لا أعتقد أن مقارنة العراق قبل الحرب مفيدة بالضرورة. ومع ذلك، فقد دخلت الولايات المتحدة ومزقت البلاد إرباً. والآن يُترك العراقيون ليحاولوا بناء شيء ما من هذا الحطام.
والآن ما مدى النفوذ الذي لا تزال تتمتع به الولايات المتحدة في المنطقة، وأين يقف ميزان القوى الأمريكي الآن، لا سيما مع تزايد نفوذ إيران في المنطقة؟ تقول الرواية السائدة اليوم أن النفوذ الأمريكي يتضاءل في المنطقة. وفي الوقت نفسه، لا يزال الخليج يتوقع من أمريكا أن تكون ضامناً لأمنه.كما ان معظم حكومات الشرق الأوسط، من سوريا إلى لبنان وحتى العراق، لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة.
لقد كان لإدارة ترامب تأثير كبير على الحكومات الرسمية. إلا أن هذه الحكومات، من بغداد إلى بيروت، باتت أقل قدرة على السيطرة على أراضيها وشعوبها. لذا نجد دولاً تتلاشى، عاجزة عن ممارسة سلطتها، وهذه هي المناطق التي تأمل إيران في استغلالها.في الواقع، يمكن القول إن "المهمة قد أنجزت" عسكرياً. فبعد أسابيع قليلة من غزو العراق عام ٢٠٠٣، أعلن جورج بوش "إنجاز المهمة". لكن الحرب الحقيقية تندلع بعد تلك العملية العسكرية الأولية، وهذا هو حال المنطقة اليوم. وتكافح الولايات المتحدة لإعادة توحيد المنطقة لكي تحافظ على نفوذها في الشرق الأوسط.
The post أعظم مغامرة في السياسة الخارجية الأمريكية منذ جيل: غادر الأمريكان العراق.. فماذا بعد؟ appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى