مقايضة السمعة بالحقوق.. اتهامات بالخيانة للضغط على النساء وانتزاع ممتلكاتهن
بغداد / اماني الحسن
تتحول الخلافات الزوجية في بعض القضايا المعروضة أمام محاكم الأحوال الشخصية العراقية إلى نزاعات تتجاوز المطالبة بالحقوق الزوجية، إذ تلجأ بعض الأطراف إلى توظيف الاتهامات بالخيانة الزوجية للضغط على النساء وإجبارهن على التنازل عن حقوقهن المالية وممتلكاتهن الخاصة. وتكشف شهادات نساء تعرضن لهذه الممارسات عن أساليب تتراوح بين الاستعانة بشهود يُتهمون بالإدلاء بشهادات كاذبة، وتلفيق المحادثات الإلكترونية، وصولا إلى استخدام الإجراءات القضائية وسيلة للضغط والابتزاز.
وتكتسب هذه الممارسات خطورتها من حساسية الاتهامات المرتبطة بالسمعة في المجتمعات المحافظة، حيث تجد بعض النساء أنفسهن أمام ضغوط اجتماعية وعائلية تدفعهن إلى التخلي عن حقوقهن في المؤخر والنفقة والحضانة، أو التنازل عن عقاراتهن وحصصهن من الإرث، خشية استمرار النزاع وتداول الاتهامات داخل المجتمع. وتروي رقية، وهي أم لثلاثة أطفال، تفاصيل خلافها مع زوجها الذي تتهمه باستخدام دعوى الخيانة الزوجية لإجبارها وعائلتها على تقديم تنازلات مالية وعقارية، بعد اكتشافها زواجه من امرأة أخرى.
وتقول رقية: «عندي ٣ جهال، اكتشفت زوجي تزوج عليّ، ومن تعاركت وياه لزمني وبقى يضرب بيّ. بهالوقت شريكه بالشغل وابن عمه كان بالبيت حاول يحميني منه، ومن طلعت من البيت رحت اشتكيت عليه. من اشتكيت رفع دعوى عليّ اتهمتني أني وابن عمه عنا علاقة وطلب إجراء فحص، وراح جاب شهود يقولون هم سمعوا يصيح أنه لقفني ويا ابن عمه. بعدها راح دفع شدتين للفحص حتى يطلع أكو علاقة، وأجا الفحص يقول أي. أني تخبلت ورجعت طلبت إعادة الفحص وطلع ماكو علاقة، هنا اضطريت أرضخ إله حتى يتنازل؛ خلاني اتنازل عن عقار باسمي وخلا أبوية يتنازل عن عمل داخلين بيه شراكة، وهسه هو متهني بحياته وأني اللي متعذبة».
وتشير رواية رقية إلى تعرضها للعنف الجسدي، قبل أن تواجه اتهاما بالخيانة الزوجية تقول إنه استند إلى شهادات غير صحيحة ونتيجة فحص تدعي أن زوجها دفع رشوة للتأثير فيها. ورغم حصولها، بحسب شهادتها، على نتيجة مختلفة بعد إعادة الفحص، فإنها اضطرت إلى التنازل عن عقار مسجل باسمها، فيما تنازل والدها عن عمل كان شريكا فيه، مقابل موافقة الزوج على التنازل عن الدعوى.
وتكشف هذه التجربة، وفق ما ترويه صاحبتها، عن تداخل العنف الجسدي والاقتصادي مع الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالسمعة، إذ استمر تأثير الاتهام حتى بعد ظهور نتيجة الفحص الثاني، وانتهى النزاع بخسارة المرأة وعائلتها ممتلكات وحقوقا مالية.
وفي محافظة ديالى، تقدم وداد، البالغة من العمر 34 عاما، شهادة أخرى عن استخدام الاتهام بالخيانة الزوجية خلال النزاعات الأسرية، مؤكدة أن زوجها لجأ إلى هذا الاتهام بعدما طلبت الطلاق منه.
وتقول وداد: «زوجي اتهماني بالخيانة لأن ردت أطلك منه، راد يذلني. كان القاضي يعرف أني مظلومة بس ما قدر يسوي شيء، فغرمني مليون».
وتعكس شهادة وداد شعورها بالعجز أمام الإجراءات القضائية، إذ تؤكد أن القاضي كان مدركا للظلم الذي تعرضت له، لكنه لم يتمكن من إنصافها، بحسب روايتها، وانتهت القضية بفرض غرامة مالية عليها مقدارها مليون دينار.
وتثير هذه الحالة تساؤلات بشأن قدرة الإجراءات القضائية على التعامل مع الاتهامات التي قد تُستخدم للضغط على أحد طرفي النزاع الأسري، ومدى إمكانية التمييز بين الشكاوى القائمة على أدلة فعلية وتلك التي تُقدم بقصد الإضرار بالطرف الآخر.
وفي محافظة الديوانية، تتخذ إحدى الوقائع التي ترويها امرأة تدعى منى، وهو اسم مستعار، مسارا مختلفا، بعدما اتهمت زوجها باستخدام هاتفها الشخصي لتلفيق مراسلات مع رجل آخر، على خلفية خلاف بشأن حصتها من إرث عائلتها.
وتقول منى: «زوجي رادني أتنازل عن ورث من أهلي إله وأني ما قبلت، أخذ جهازي وكام يراسل ولد واشتكى عليّ، دخلت سجن سنة ظلم».
وبحسب روايتها، بدأ الخلاف عندما طالبها زوجها بالتنازل عن حصتها من الميراث لمصلحته، لكنها رفضت، قبل أن يستولي على هاتفها ويستخدمه في مراسلة شخص آخر، ثم يتقدم بشكوى ضدها، انتهت بدخولها السجن لمدة سنة.
وتسلط هذه الشهادة الضوء على مخاطر استخدام المحادثات الإلكترونية في النزاعات الأسرية، خصوصا عندما يدعي أحد الأطراف انتحال هويته الرقمية أو استخدام أجهزته دون موافقته. وتبرز في هذه الحالات أهمية الفحص الجنائي الرقمي لتحديد مصدر المراسلات وهوية مستخدم الجهاز، والتحقق من سلامة الأدلة المقدمة إلى القضاء.
كما تطرح الواقعة تساؤلات بشأن الإجراءات المعتمدة في فحص الأدلة الإلكترونية، ومدى قدرتها على كشف التلاعب أو انتحال الهوية، خاصة عندما ترتبط الاتهامات بخلافات مالية تتعلق بملكية المرأة وحقوقها في الإرث.
ويرى المحامي علاء جاسب، من محكمة الديوانية، أن بعض الممارسات التي تشهدها النزاعات الزوجية ترتبط بالتوجيهات القانونية التي يتلقاها المتخاصمون، مشيرا إلى أن بعض المحامين يسهمون في تصعيد الخلافات عبر تقديم نصائح تشجع على استخدام أساليب ملتوية ضد الطرف الآخر.
ويؤكد جاسب أن «ما نسبته 70% من تطور هذه المشاكل واحتدامها يعود إلى التوجيهات القانونية؛ حيث يساهم بعض المحامين في إرشاد موكليهم لارتكاب هذه الأساليب والتكتيكات الملتوية. فالنزاع بين الأزواج لم يعد يقتصر على تحصيل الحقوق والواجبات التشريعية، بل تحول إلى معركة إخضاع وإكسار يسعى فيها كل طرف لإجبار الآخر على الاستسلام الكلي، مما يفتح الباب لاستخدام كافة الأساليب غير الأخلاقية المتاحة إجرائيا».
وتشير إفادة المحامي إلى دور بعض الممارسات القانونية في تأجيج النزاعات الأسرية، عندما تتحول الإجراءات القضائية إلى وسائل للضغط والمساومة، ويصبح الهدف من الخصومة دفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات تتجاوز أصل الخلاف.
وعلى المستوى التشريعي، يثير استخدام الاتهامات بالخيانة الزوجية في النزاعات الأسرية إشكالات تتعلق بتطبيق بعض مواد قانون العقوبات العراقي، وفي مقدمتها المادة 377 المتعلقة بجريمة الزنا، إذ يمكن أن تؤدي الشكاوى المقدمة استنادا إليها إلى اتخاذ إجراءات تحقيق وتوقيف، وما قد يرافقها من ضغوط نفسية واجتماعية على النساء المتهمات.
وفي الحالات التي تتضمن ادعاءات بتلفيق الأدلة أو الاستعانة بشهود زور أو فبركة محادثات إلكترونية، قد تتحول الإجراءات القضائية نفسها إلى مصدر ضغط يدفع المرأة إلى التفكير في التنازل عن حقوقها لإنهاء النزاع قبل صدور حكم نهائي.
كما تبرز إشكالية المحاسبة على البلاغات الكيدية، رغم وجود نصوص قانونية تتناول هذه الأفعال، ومنها المادة 243 من قانون العقوبات المتعلقة بالإخبار الكاذب، والمادة 433 المتعلقة بالقذف.
وتتمثل إحدى الصعوبات التي يطرحها هذا النوع من القضايا في إثبات القصد الكيدي لدى مقدم الشكوى، إلى جانب إحجام بعض النساء عن مواصلة الإجراءات القانونية بعد انتهاء الاتهام أو إثبات البراءة، تجنبا لتجدد الحديث عن سمعتهن أو تعرضهن لضغوط اجتماعية إضافية.
وتؤكد المحامية والناشطة القانونية في منظمة «لأجلها» لمناصرة قضايا المرأة، مروة عبد الرضا، أن استخدام اتهام الزوجة بالخيانة أصبح، بحسب متابعتها، من الأساليب المنتشرة في النزاعات الأسرية، لما يتيحه من فرص للضغط على النساء ودفعهن إلى التخلي عن مطالباتهن المالية والقانونية.
وتوضح عبد الرضا أن «عملية استخدام الخيانة الزوجية أصبحت منتشرة جدا لأنها أداة تمكن الرجل من استحصال مكتسبات كثيرة وتدمر المرأة، لكن على المرأة أن لا تتراجع».
وتشير شهادات النساء وآراء القانونيين إلى مسارين في التعامل مع هذه الضغوط؛ يتمثل الأول في الرضوخ للمساومة والتنازل عن العقارات أو الحصص الإرثية أو المستحقات المالية، بهدف إنهاء النزاع وتجنب التداعيات الاجتماعية للاتهامات المرتبطة بالسمعة.
أما المسار الثاني، فيقوم على مواصلة الإجراءات القضائية والتمسك بطلب إعادة الفحوصات الطبية وإجراء التحقيقات الفنية اللازمة للتحقق من صحة الاتهامات والأدلة المقدمة، سعيا إلى إثبات عدم صحتها والحفاظ على الحقوق المالية والقانونية.
The post مقايضة السمعة بالحقوق.. اتهامات بالخيانة للضغط على النساء وانتزاع ممتلكاتهن appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى