جدل المسارات يعرقل طريق التنمية.. ومطالبات بربط الفاو بالشعيبة وربيعة لتسريع التشغيل
المدى/خاص
تتصاعد التحذيرات النيابية والاقتصادية من تعثر مشروع «طريق التنمية» العراقي، وسط خلافات بشأن المسارات المقترحة وكفاءة التصاميم الهندسية ونقاط الربط الحدودية، في وقت تستعد فيه الحكومة لوضع الحجر الأساس لمراحل جديدة من المشروع مطلع عام 2027.
وتدفع هذه المخاوف باتجاه تبني مسار بديل يربط ميناء الفاو الكبير بمحطة الشعيبة وصولا إلى منفذ ربيعة الحدودي، بما يتيح تشغيل حركة القطارات ونقل البضائع خلال مدة أقصر، ويحافظ على الميزة التنافسية للميناء أمام مشاريع النقل الإقليمية المنافسة.
ويمثل المشروع، الذي تتجاوز كلفته التقديرية 17 مليار دولار، أحد أبرز الرهانات الاقتصادية للعراق لتعزيز موقعه ممرا للتجارة الدولية بين الخليج وأوروبا، وتنويع موارده غير النفطية. غير أن الجدل المتواصل بشأن المخططات الهندسية، والتأخر في استكمال التصاميم، والتحديات المرتبطة بالربط السككي مع دول الجوار، يثير تساؤلات حول الجدول الزمني للتنفيذ والقدرة على تحقيق العوائد الاقتصادية المنتظرة.
وفي هذا السياق، طرح النائب عامر عبد الجبار رؤية تنفيذية بديلة لمشروع «طريق التنمية»، دعا فيها إلى توجيه الجهود الاستثمارية والهندسية نحو إنجاز خط سكة حديد «الفاو – الشعيبة»، وتأهيل المسار القائم الممتد إلى نقطة ربيعة الحدودية، باعتباره خيارا يتيح تشغيل القطارات ونقل البضائع باتجاه تركيا وسوريا والأسواق الأوروبية خلال الدورة الحكومية الحالية.
وانتقد عبد الجبار المخطط الصحراوي المعتمد حاليا، واصفا إياه بأنه «مشروع فاشل»، ومحذرا من شبهات فساد واختلالات فنية وإدارية تحيط بتنفيذه، فضلا عن التأخر في إنجاز مراحله الأساسية. وأبدى عبد الجبار، في حديث خاص لـ«المدى»، استعداده لعقد مناظرة علنية مع الخبراء والفريق الاستشاري لرئيس الوزراء علي فالح الزيدي، لمناقشة التفاصيل الهندسية والتعاقدية للمشروع، والكشف عن أسباب التعثر الذي يواجه المخططات الحالية. وأوضح أن العقد الموقع منذ عام 2021 كان يفترض أن يفضي إلى استكمال جميع المخططات والتصاميم الفنية بحلول عام 2024، إلا أن الأعمال التصميمية والهندسية ما زالت غير مكتملة مع اقتراب نهاية عام 2026، محذرا من أن استمرار هذا التأخير قد يؤدي إلى انتهاء عمر الحكومة دون تحقيق إنجاز ملموس على الأرض.
وأشار النائب إلى وجود تعارضات فنية وثغرات هيكلية لم تعالج في المخططات الرسمية، أبرزها اعتماد سكة حديد كهربائية، في حين يفتقر الجانب التركي، بحسب قوله، إلى سكة كهربائية مطابقة عند نقطة الربط الحدودية المفترضة.
وأضاف أن المشروع يواجه أيضا غياب المحاضر التنسيقية المشتركة بين العراق وتركيا، إلى جانب عدم حسم التعارضات الفنية والإدارية مع سلطات إقليم كردستان، ما يضع المزيد من العقبات أمام تنفيذ المسار المقترح.
وأكد عبد الجبار أن البدء بربط ميناء الفاو الكبير بمحطة الشعيبة، بالتوازي مع تنفيذ أعمال صيانة وتأهيل شاملة للخط القائم من الشعيبة إلى ربيعة، سيتيح للعراق تشغيل القطارات وتدشين حركة النقل التجاري بين الخليج العربي والبحر المتوسط وأوروبا، دون انتظار استكمال المخطط الصحراوي الجديد.
وبيّن أن اعتماد هذا المسار من شأنه تعزيز الموارد المالية غير النفطية للدولة، عبر تحصيل رسوم جباية السفن وعوائد الخدمات البحرية والوكالات، فضلا عن أجور الترانزيت وعبور البضائع، إلى جانب توفير آلاف فرص العمل في قطاعات الشحن والتفريغ والخدمات اللوجستية.
وشدد النائب على ضرورة الحفاظ على القيمة الاستثمارية والميزة التنافسية لميناء الفاو الكبير، داعيا إلى الامتناع عن منح أي ربط سككي مباشر لدول الجوار والخليج، ومنها الكويت والسعودية والأردن، بهدف ضمان بقاء الأراضي والموانئ العراقية مركزا رئيسيا لحركة التدفقات التجارية في المنطقة. وفي موازاة هذه التحذيرات النيابية، تتزايد المخاوف الاقتصادية من خسارة العراق أسبقيته الجغرافية في مشاريع النقل الإقليمي، نتيجة التأخر في إنجاز البنى التحتية وعدم حسم الملفات المتعلقة بإدارة المنافذ الحدودية وتأمينها.
وحذر المتخصص في الشأن الاقتصادي دريد العنزي، في حديث خاص لـ«المدى»، من تداعيات التباطؤ الحكومي في إنجاز مشروع «طريق التنمية» وميناء الفاو الكبير، معتبرا أن استمرار التأخير يمثل «خيانة لثروات البلاد»، في ظل تصاعد المنافسة مع مشاريع إقليمية بديلة، من بينها مشروع الربط السعودي التركي.
وأشار العنزي إلى أن دراسات دولية، تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، أكدت أن منطقة رأس البيشة العراقية تمثل أقرب نقطة يابسة باتجاه أوروبا، معتبرا أن هذه الميزة الجغرافية مهددة بالضياع نتيجة ضعف الإنجاز الحكومي، الذي قال إنه لم يتمكن من تشغيل سوى رصيف واحد خلال سبع سنوات.
ودعا إلى اعتماد مسار يمر عبر محافظة نينوى وصولا إلى منفذ سحيلة الحدودي، بدلا من المرور عبر إقليم كردستان، لضمان خضوع المشروع لإدارة اتحادية مباشرة، واعتماد نظام موحد للتأمين ورسوم الترانزيت والإجراءات القانونية.
وأوضح أن تضاريس الموصل السهلية وامتدادها باتجاه الأراضي التركية تمنح هذا المسار مزايا فنية واقتصادية، مقارنة بالطبيعة الجبلية الوعرة في إقليم كردستان، التي يرى أنها ترفع كلف الإنشاء والتنفيذ بصورة كبيرة.
وفي ما يتعلق بالمسارات المقترحة للقطارات السريعة، دعا العنزي إلى إبعادها مسافة 200 كيلومتر عن المدن، لتجنب التعويضات المالية المرتفعة الناجمة عن استملاك الأراضي، مشيرا إلى أن القطارات التي تصل سرعتها إلى 200 كيلومتر في الساعة تحتاج إلى مسارات معزولة ومسيجة بعرض كيلومتر كامل.
واعتبر أن هذه المتطلبات الفنية تحد من إمكانية إنشاء محطات توقف مباشرة لخدمة المدن الصناعية المزمع إقامتها على طول المسار، كما تطرح الحكومة ضمن خططها الاستثمارية للمشروع. وقدم العنزي مقترحا تنفيذيا يقوم على تقسيم الطريق البري إلى مقاطع، يبلغ طول الواحد منها 100 كيلومتر، وإحالة تنفيذها إلى شركات عالمية متخصصة من أوروبا والولايات المتحدة والصين واليابان، بما يسمح بتنفيذ الأعمال بصورة متوازية وتسريع إنجاز المشروع.
وتضمنت رؤيته ربط الخط الاستراتيجي بمطاري البصرة والموصل، إلى جانب إنشاء مطار جديد بين بغداد والأنبار، لتشكيل منظومة نقل جوي متكاملة، قال إنها ستكون قادرة على استيعاب 150 مليون مسافر و800 ألف طن من الشحن سنويا. وفي ما يخص الربط السككي مع دول الجوار، دعا العنزي إلى تنظيم عمليات الربط مع السعودية والكويت، شريطة اقتصار حركة النقل على البضائع المحلية المنتجة داخل هذين البلدين، مع مصادرة أي بضائع ترانزيت بحرية مجهولة المنشأ دون تعويض، بهدف حماية الموقع التنافسي لميناء الفاو الكبير.
وأكد ضرورة إجراء تغييرات واسعة في منظومة إدارة قطاع النقل، وإعداد جيل جديد من المهندسين وسائقي القطارات، من خلال برامج تدريب إلكترونية وورقية تبدأ منذ المرحلة الحالية، معتبرا أن الإدارة القائمة، بمواصفاتها الراهنة، عاجزة عن قيادة مشروع عالمي بهذا الحجم.
ورأى العنزي أن نجاح المشروع يمكن أن يضع العراق في المرتبة الثالثة أو الرابعة عالميا في قطاع النقل، فضلا عن إتاحة فرص لاستثمار اكتشافات الغاز الكبيرة في المناطق الغربية من البلاد، عبر إنشاء صناعات تحويلية وتصدير منتجاتها باستخدام خط التنمية، بدلا من الاكتفاء ببيع الغاز الخام. وشدد على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب حصول الموانئ العراقية على شهادات اعتراف دولية متكاملة من المنظمات العالمية المختصة، بما يعزز قدرتها على التعامل مع حركة الشحن والتجارة الدولية.
وفي جانب آخر من الجدل بشأن مستقبل المشروع، تبرز التحديات الجيوسياسية وتأثير اضطراب حركة الملاحة الدولية في الخليج العربي، بوصفها عوامل قد تؤثر في الجدوى الاقتصادية لطريق التنمية وقدرته على استقطاب حركة التجارة العالمية. وفي هذا الإطار، أكد الباحث في شؤون الاقتصاد والطاقة والنفط والغاز كوفند شيرواني، في حديث خاص لـ«المدى»، أن «طريق التنمية» يمثل مشروعا طموحا تتجاوز كلفته الإجمالية 17 مليار دولار، لكنه يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتنفيذ والتمويل، فضلا عن احتمال إنشاء خطوط نقل منافسة في دول مجاورة وإقليمية. وأوضح شيرواني أن العوامل الجيوسياسية السائدة في المنطقة ستكون مؤثرة في تحديد فرص نجاح المشروع، مشيرا إلى أن استمرار اضطراب حركة التجارة عبر مياه الخليج العربي ومضيق هرمز، أو تعرضها للإغلاق، سيحد من فاعلية الطريق ويحول دون تحقيق أقصى منفعة اقتصادية ممكنة منه.
وأضاف أن عودة الحركة التجارية، سواء في قطاع الطاقة أو التجارة العامة، إلى طبيعتها السابقة، بانسيابية وحرية، ستوفر الظروف العملية اللازمة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المنتظرة من المشروع.
وتأتي هذه التحفظات والمقترحات البديلة في وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية المضي بتنفيذ «طريق التنمية»، ضمن خططها لتحويل العراق إلى مركز إقليمي للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية.
وكان رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي قد جدد، الاثنين الماضي، تأكيده أن مطلع عام 2027 سيشهد وضع الحجر الأساس لامتداد طريق التنمية، بالتزامن مع إنشاء مدن صناعية على طول المسار، وافتتاح ميناء الفاو الكبير بكامل طاقته التشغيلية للنقل التجاري.
وأشار الزيدي إلى أن هذه الخطوات ستعزز موقع العراق بوصفه نقطة اتصال استراتيجية بين الشرق والغرب، وأحد الممرات الرئيسية لحركة التجارة العالمية.
وجاءت تصريحات رئيس الوزراء خلال لقائه مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين العراقيين في العاصمة الأردنية عمان، حيث استعرض السياسات والإجراءات الحكومية الرامية إلى تحسين البيئة الاستثمارية وجذب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، لدعم التنمية الوطنية وتنشيط القطاعات الاقتصادية غير النفطية.
ويعد مشروع «طريق التنمية» من أكبر المشاريع الاستراتيجية التي تبنتها الدولة العراقية، بكلفة تقديرية تتجاوز 17 مليار دولار، ويهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة من الطرق البرية والسكك الحديدية، تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر. وكانت الحكومة العراقية قد وقعت عقود الاستشارات والتصاميم الأولية للمشروع عام 2021، ضمن رؤية لإنشاء ممر بري تجاري يربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية عبر الأراضي العراقية. ومنذ طرح المشروع، تواصلت النقاشات الفنية والسياسية بشأن المسارات التي سيمر بها عبر المحافظات، وآليات الربط الإقليمي مع دول الجوار، ومدى جاهزية البنى التحتية المكملة على جانبي الحدود، فيما تضع التحذيرات النيابية والاقتصادية الحالية مسألة حسم الخيارات الهندسية وتسريع التنفيذ في صدارة التحديات التي تواجه تحقيق أهدافه.
The post جدل المسارات يعرقل طريق التنمية.. ومطالبات بربط الفاو بالشعيبة وربيعة لتسريع التشغيل appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى